طه · الآية 15

﴿إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ

«إِنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ»: صِفةٌ قائِمةٌ لا فِعلٌ مُؤَقَّت

جاءَتِ «السّاعة» بِالألِفِ واللّام، فالآيةُ تُشيرُ إلى مَعلومٍ عِندَ السّامِعِ ولا تَصِفُه، ولا يُقالُ ما هي ولا مَتى.

و«آتِيَة» اسمُ فاعِلٍ غَيرُ فِعل، ولو قيلَ «تَأتي» لَتَعَلَّقَ الحَدَثُ بِزَمَن، واسمُ الفاعِلِ يُثبِتُ الوَصفَ ولا يُثبِتُ لَه وَقتاً، فصارَ المَجيءُ صِفَتَها، ولم يَكُنْ خَبَراً عن يَومٍ بِعَينِه.

وهذا هو الجِذرُ الذي مَشى في المَقطَعِ كُلِّه: أتى الخَبَرُ المُخاطَبَ في وَهَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ مُوسَىٰ﴾، وأتى موسى النّارَ في فَلَمَّا أَتَاهَا﴾، وهُنا تَأتي السّاعةُ كُلَّ أحَد. فهي مَجيئاتٌ من جِذرٍ واحِد، وآخِرُها لا يُستَثنى مِنه أحَد.

«أَكَادُ أُخْفِيهَا»: مَوضِعٌ صَعبٌ تُعلَنُ صُعوبَتُه

وهذا مَوضِعٌ صَعب، وصُعوبَتُه في الآيةِ لا في قارِئِها، وقد سُمِعَ في جِهَتَينِ مُتَقابِلَتَين، ولا يَدَّعي هذا الكِتابُ فيه حَسماً.

والذي يُقرَأُ فيه بِلا حَسمٍ أصلان: ك-و-د مُقارَبةٌ يَدنو فيها الفِعلُ من الوُقوعِ وهو مُمسَكٌ دونَه، فـ«كادَ يَفعَلُ» يُثبِتُ القُربَ ويَمنَعُ الوُقوعَ في لَفظٍ واحِد. والجِذرُ خ-ف-ي طَيُّ الشَّيءِ في شَقٍّ يَمتَدُّ حَتّى يَغيبَ عَنِ العَيان، و«أخفى» على أفعَلَ جَعْلُ الشَّيءِ خَفِيّاً.

فتَقِفُ الجُملةُ بَينَ أمرَينِ لا يَنحَلُّ أحَدُهُما في الآخَر: مَجيءٌ مُثبَتٌ في أوَّلِها، وإخفاءٌ مُقارَبٌ في وَسَطِها، ولَيسَ في الآيةِ كَلِمةٌ ثالِثةٌ تَفصِلُ بَينَهُما، فالصُّعوبةُ تُقالُ ولا تُغَطّى.

والذي يَثبُتُ على كُلِّ وَجهٍ أنَّ المَتى لم يُذكَر، فقد أُعلِنَ المَجيءُ وأُمسِكَ المِيقات.

«لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ»: اللّامُ تُضيءُ حَيثُ غَمُضَ ما قَبلَها

واللّامُ لِلتَّعليل، وهي أوضَحُ ما في الآية، فقد غَمُضَ الوَصفُ ووَضَحَتِ الغاية.

و«تُجزى» مَبنِيٌّ لِلمَجهول، وهو الثّالِثُ في هذا المَقطَع: نُودِيَ، ويُوحى، وتُجزى، وهي ثَلاثةُ أفعالٍ لا يُذكَرُ فاعِلُها في الفِعل، والمُتَكَلِّمُ حاضِرٌ في كُلِّ واحِدٍ مِنها.

والجِذرُ ج-ز-ي قِطعةٌ تُقطَعُ من مُجتَمِعٍ فتَسري إلى حِسابٍ آخَر، فالجزاء يُقابِل السعي المذكور في الآية، ولا ينفصل عنه.

و«كُلُّ نَفسٍ» استِغراقٌ فَرداً فَرداً، لا جُملةً واحِدة. والنَّفسُ من ن-ف-س، وهو انبِعاثٌ نافِذٌ يَشُقُّ ويَمتَدُّ سائِلاً، فالمَحسوبُ عَلَيهِ هو الشَّيءُ الذي يَنبَعِثُ ويَخرُج.

«بِمَا تَسْعَىٰ»: يُحسَبُ ما تَعَلَّقَ بِه قَصد

والباءُ لِلمُقابَلة، و«ما» مَوصولٌ لا يُسَمّى مَضمونُه، ولم يُقَلْ بِما عَمِلَت ولا بِما بَلَغَت.

والجِذرُ س-ع-ي انسِيابٌ مُلتَصِقٌ بِمَقصَدِه، أي حَرَكةٌ مَعَها وِجهةٌ لاصِقةٌ بِصاحِبِها، لا مَشيٌ عابِر، فالمَوزونُ حَرَكةٌ لَها قَصد.

وجاءَ الفِعلُ مُضارِعاً، فالسّاعةُ آتِيَةٌ والسَّعيُ جارٍ، والوَصفانِ مُتَقابِلانِ في الزَّمَنِ نَفسِه.

وهذه الكَلِمةُ نَفسُها تَعودُ في هذه السّورةِ قَريباً على غَيرِ هذا المَوصوف: حَيَّةٌ تَسْعَىٰ﴾، فهي لَفظٌ واحِدٌ يُقالُ مَرَّةً عن نَفسٍ تُحاسَب ومَرَّةً عَمّا يُرى في الأرض، ويُذكَرُ التَّجاوُرُ ولا يُزادُ عَلَيه.


حَصيلة

اسمٌ مُعَرَّفٌ يُشارُ بِه إلى مَعلومٍ ولا يُوصَف، وخَبَرٌ اسمُ فاعِلٍ لا فِعل، فالمَجيءُ صِفةٌ قائِمةٌ لا حَدَثٌ في وَقتٍ يُعَيَّن، وهو آخِرُ مَجيءٍ من أ-ت-ي في هذا المَقطَع، وأشمَلُها. ثُمَّ مَوضِعٌ صَعبٌ تُعلَنُ صُعوبَتُه: ك-و-د مُقارَبةٌ يَدنو فيها الفِعلُ من الوُقوعِ وهو مُمسَكٌ دونَه، وخ-ف-ي طَيٌّ في شَقٍّ يَمتَدُّ حَتّى يَغيب، والجُملةُ تَقِفُ بَينَ مَجيءٍ مُثبَتٍ وإخفاءٍ مُقارَب، ولَيسَ في الآيةِ ثالِثٌ يَفصِل، فلا يُدَّعى حَسم. ثُمَّ تُضيءُ اللّامُ ما غَمُضَ قَبلَها بِغايةٍ مَنصوصة. و«تُجزى» ثالِثُ مَبنِيٍّ لِلمَجهولِ في المَقطَع، وج-ز-ي قِطعةٌ تُقطَعُ من مُجتَمِعٍ فتَسري إلى صاحِبِها، و«كُلُّ نَفسٍ» استِغراقٌ فَرداً فَرداً، ون-ف-س انبِعاثٌ نافِذٌ يَشُقُّ ويَمتَدّ. وس-ع-ي انسِيابٌ مُلتَصِقٌ بِمَقصَدِه، فالمَحسوبُ حَرَكةٌ لَها وِجهة. وقد حُجِبَ المِيقاتُ وقيلَ ما هو أنفَعُ مِنه، أي على أيِّ شَيءٍ يَقَعُ الحِساب.