البقرة · الآية 71

﴿إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَّا ذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لَّا شِيَةَ فِيهَا

«لَّا ذَلُولٌ» جذر: ذ-ل-ل

الجذر ذ (نفاذ + حِدّة) + ل (تَعَلُّق + امتِداد) مُضاعَفة، والذَّلولُ ما لانَ طَبعُه لكَثرة استِعماله. ونَفيُ الذُّلول في هذه البَقرة مَعناه أنّها لم تُروَّض ولم تَخدم أحدًا من قَبل، فَهي بِكرٌ في العَمل لا في السِّنّ.

«تُثِيرُ الْأَرْضَ» جذر: ث-و-ر

والثَّورُ رَفعُ الشَّيء من تَحت إلى فَوق دَفعًا، ومنه «ثار الغُبار». والبَقرة التي تُثير الأرض هي التي تَقلب التُّراب في الحَرث، والنَّفي هُنا أنّها لم تُستعمَل لذلك.

«مُسَلَّمَةٌ» جذر: س-ل-م

والسَّلامةُ تَرك الشَّيء بلا خَلَل يَنفذ فيه، و«مُسَلَّمة» صيغة تَفعيل تَدلّ على إتقان السَّلامة، أي سَليمة من كلّ عَيب ظاهر وباطن.

«لَّا شِيَةَ فِيهَا» جذر: و-ش-ي

والوَشيُ علامة مُخالفة على سَطحٍ مُوحَّد اللَّون، كوَشي الثَّوب بخُيوطٍ مُباينة، ونفيُه أن لا تَكون فيها نُقطةٌ سَوداء ولا بُقعةٌ بَيضاء تَشذّ عن الأصفر الفاقع، وقد بَلَغ الاشتراط ذُروته.

«فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ»

و«ما كاد» تَدلّ على المَشقّة القُصوى، أي كادَ أن لا يَفعَل، ولكِنّه فَعَل. ويُقرَأُ في ذلك أنّ نَفسًا تُماطِلُ لا تَنصرِف بسُهولة حَتى حين تُجبَر، وهذا مِن عَلامات النَّفس المُتمرّدة: تُطيع بالحَدّ الأدنى من الامتِثال.


حَصيلة

هذه ذِروةُ التَّسويفِ وخِتامُ طَلَبِ البَقَرة، والوَصفُ الثّالِثُ ضَيَّقَ الدّائِرةَ حتّى صارَ لا يُطابِقُ إلّا بَقَرةً واحِدة: لا ذ-ل-ل (لم تَلِنْ بِالاستِعمال، فهي بِكرٌ في العَمَلِ لا في السِّنّ)، لا تُثيرُ الأَرض (غَيرُ مُستَعمَلةٍ في الحَرث)، لا تَسقي الحَرثَ (غَيرُ مُستَعمَلةٍ في الرِّيّ)، س-ل-م (سَليمةٌ إتقاناً بِلا خَلَل)، لا و-ش-ي فيها (لا نَمَطٌ لَونيٌّ يُخالِفُ الأَصفرَ الفاقِع). وهذه الأَوصافُ مَعاً تَرسُمُ حَيَواناً وَحيداً بِعَينِه، لا نادِراً. وقَولُهُم «الآنَ جِئتَ بِالحَقّ» يَكشِفُ بِكَلِمةِ «الآن» ما كانَ في قُلوبِهِم طَوالَ السِّلسِلة، وهو شَكٌّ في أَنَّ الأَمرَ الأَوَّلَ كانَ حَقّاً، وفيه اعتِرافٌ ضِمنيٌّ بِأَنَّ الحَقَّ لم يَغِبْ، وأَنَّهُم كانوا يُماطِلونَ في الاعتِرافِ بِه. ثُمَّ يَأتي الخَتمُ الذي يَرسُمُ روحَ الامتِثالِ بِدِقّة: فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾. و«ما كادوا» قِصَرٌ في النَّفس، وليسَت قِصَراً في الوَقت، أي نَفسٌ تُطيعُ بِالحَدِّ الأَدنى في اللَّحظةِ الأَخيرة، وهذا هو نَمَطُ المُتَمَلِّصِ الذي صَوَّرَته السِّلسِلةُ كُلُّها. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: البَقَرةُ ب-ق-ر ما يَشُقّ، والمُسَلَّمةُ س-ل-م ما صينَ بِلا خَلَل، والخاليةُ مِنَ الوَشيِ بَقَرةٌ لا مَثيلَ لَها، والذَّبحُ الذي جاءَ على مَضَضٍ يَفتَحُ ما كانوا يَكتُمون.