الإسراء · الآية 74

﴿وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا

«وَلَوْلَا أَن ثَبَّتْنَاكَ»: المانِعُ يُذكَرُ قَبلَ المَمنوع

تَبدَأُ الآيةُ بِما مَنَع، لا بِما كادَ يَقَع، و«لَولا» هُنا حَرفُ امتِناع، يُذكَرُ بَعدَها الشَّيءُ المَوجود، فيَمتَنِعُ بِوُجودِه ما كانَ سَيَقَع.

فالتَّرتيبُ في اللَّفظِ هو التَّرتيبُ في الأمر: التَّثبيتُ سابِق، والمُقارَبةُ تالِية، ولو عُكِسَ لَصارَ الكَلامُ في نَجاةٍ لَحِقَت، وهو الآنَ في عِصمةٍ سَبَقَت.

وعُدِلَ في صيغةِ الفِعلِ عن «ولَولا أن ثَبَتَّ»، وبِه يُجعَلُ الثَّباتُ من المُخاطَبِ نَفسِه، إلى «ثَبَّتْنَاكَ»، على وَزنٍ يُضاعِفُ الفِعلَ ويَجعَلُ فاعِلَه غَيرَ المَفعولِ بِه، كما أنَّ الوَتَدَ لا يَدُقُّ نَفسَه.

«لَقَدْ كِدتَّ»: قُربٌ لا يَبلُغُ الفِعل

و«كادَ» فِعلٌ كُلُّ مَعناهُ المُقارَبة، فهو خَبَرٌ عن دُنُوٍّ من الوُقوع، لا عن وُقوع، وما قارَبَ الشَّيءَ لَيسَ الشَّيء.

وجاءَ خَبَرُه هُنا فِعلاً خالِياً من «أن»: «تَرْكَنُ»، ولم يوضَعْ بَينَ المُقارَبةِ والمُقارَبِ إليه فاصِلٌ في اللَّفظ، فالتَصَقَ الاثنانِ التِصاقاً، ومَعَ ذلك بَقِيَ الفِعلُ غَيرَ واقِع، فاللَّفظُ يُدني ما نَفاهُ المَعنى.

ثُمَّ «لَقَدْ» قَبلَه، وهي لامٌ وقَد، أي تَوكيدانِ مَعاً، والمُؤَكَّدُ قُربُ الرُّكونِ دونَ الرُّكونِ نَفسِه، فالآيةُ تُشَدِّدُ على شِدّةِ الدُّنُوّ، لِتُشَدِّدَ بِذلك على قَدرِ ما مَنَع.

وهذا الفِعلُ نَفسُه يَجري في هذا المَوضِعِ ثَلاثاً: وَإِن كَادُوا لَيَفْتِنُونَكَ﴾ قَبلَها، و«كِدتَّ» فيها، ووَإِن كَادُوا لَيَسْتَفِزُّونَكَ﴾ بَعدَها، وهي ثَلاثُ مُقارَباتٍ لم تَصِرْ واحِدةٌ مِنها فِعلاً، والفاعِلُ يَتَبَدَّل: هُم، ثُمَّ المُخاطَب، ثُمَّ هُم.

«تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ»: مَيلٌ يَطلُبُ سَنَداً

والرُّكنُ جانِبُ البِناءِ الذي يَقومُ عَلَيه ما فَوقَه، ومَن رَكَنَ إلى شَيءٍ فقد جَعَلَه رُكناً لَه، أي أسنَدَ ثِقلَه إليه.

فالفِعلُ اتِّخاذُ سَنَد، ولَيسَ مَيلاً في النَّفسِ وَحدَه، ولذلك عُدِّيَ بِـ«إلى» لا بِنَفسِه، فلِلمَيلِ جِهةٌ ومُنتَهىً يَستَقِرُّ عِندَه.

ولم تُسَمِّ الآيةُ أحَداً، فـ«إِلَيْهِمْ» ضَميرٌ عارٍ، لا يُفتَحُ ولا يُشرَح، وهي تَذكُرُ ما كادَ يَقَع، ولا تَذكُرُ على مَن. ومَن أسنَدَ ظَهرَه إلى جِدارٍ فقد أقَرَّ لَه بِالقِيام.

«شَيْئًا قَلِيلًا»: قَدرٌ يُقاسُ بِه ما لم يَقَع

و«شَيْئًا» أوسَعُ نَكِرةٍ في اللِّسان، يَصلُحُ لِكُلِّ ما يَصِحُّ أن يُذكَر، ثُمَّ جاءَ «قَلِيلًا» فحَصَرَه، فهو اتِّساعٌ ثُمَّ ضيقٌ في كَلِمَتَينِ مُتَجاوِرَتَين.

والمَقيسُ بِهِما هو الرُّكونُ الذي كاد، لا القَومُ الذين كادَ إليهِم، فالقِلّةُ صِفةُ ما نوزِعَ إليه، لا صِفةُ مَن نوزِعَ نَحوَهُم، والآيةُ تَقيسُ فِعلاً لم يَقَع.

وهذا القَليلُ يَعودُ بَعدَ آيَتَينِ في مَوضِعٍ آخَر: وَإِذًا لَّا يَلْبَثُونَ خِلَافَكَ إِلَّا قَلِيلًا﴾، فقَليلٌ يُقاسُ بِه ما كادَ أن يُفعَل، وقَليلٌ يُقاسُ بِه ما كانَ سَيَبقى، والمِكيالُ واحِدٌ والمَوزونُ اثنان.


حَصيلة

آيةٌ تُقَدِّمُ المانِعَ على المَمنوع: فـ«لَولا» تُثبِتُ التَّثبيتَ أوَّلاً، والصّيغةُ تَنسِبُه إلى غَيرِ المُثَبَّت، فلا يَكونُ الثَّباتُ صَنيعَ القَدَمِ التي ثَبَتَت. ثُمَّ يَجيءُ «كِدتَّ» مُؤَكَّداً بِلامٍ وقَد، وخَبَرُه مُلتَصِقٌ بِه بِلا «أن»، فيَبلُغُ اللَّفظُ أقصى ما يَبلُغُه القُربُ دونَ أن يَصيرَ وُقوعاً. والمُقارَبُ إليه «تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ»، وهو اتِّخاذُ رُكنٍ يُسنَدُ إليه الثِّقَل، لا خَطرةٌ تَمُرّ، وضَميرٌ لا يُسَمّى صاحِبُه. ثُمَّ يُقاسُ ما لم يَقَعْ بِـ«شَيْئًا قَلِيلًا»، وهي نَكِرةٌ تَتَّسِعُ ووَصفٌ يَحصُر. فيَخرُجُ من الآيةِ حُكمانِ لا ثالِثَ لَهُما: أنَّ الذي كادَ كانَ قَليلاً، وأنَّه مَعَ قِلَّتِه لم يُترَكْ لِيَقَع، والذي يُمسِكُ عن القَليلِ هو الذي يُمسِكُ عن الكَثير.