البقرة · الآية 20

﴿يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ

«يَكَادُ الْبَرْقُ يَخْطَفُ» (خ ط ف): البَرقُ ينَتَزِعُ الجُزءَ دَفعةً واحدة

جذرُ (خ ط ف) فيه خاءٌ (اختراقٌ من فَوق)، وطاءٌ (امتدادٌ في السَّطح)، وفاءٌ (فَصلٌ وانفِصال). فالخَطفُ حَرَكةٌ تَنقَضُّ مِن عُلو، تَمُدُّ يَدَها في سَطحٍ، وتَفصِلُ جُزءاً بِلا سابِقِ إنذار. وهذا ما يَفعَلُه البَرقُ القَوِيُّ في البَصَر: يَأتي بَغتةً، يَنتَشِرُ، يَفصِلُ بَصَرَ المَرءِ عَنه لَحَظاتٍ. و«يَكادُ» تَدُلُّ على قُربٍ لم يَكتَمِل، فالبَصَرُ ليس مَخطوفاً تَماماً، لَكِنّه في خَطَرِ أن يُخطَف.

«كُلَّمَا أَضَاءَ لَهُم مَّشَوْا فِيهِ» (م ش ي): مَشيَةٌ مُؤَقَّتةٌ بِشَحنةٍ مُستَعارة

المَشيُ في جذرِه (م ش ي) = خُطوةٌ تَنتَقِلُ مَوقِعاً. فَعَلى المَشّاءِ أن يَملِكَ مِحوَراً يَدُلُّه على الاتّجاه قَبلَ الخُطوة. المُنافِقُ لا يَملِكُ هذا المِحوَر، فَيَنتَظِرُ ضَوءَ البَرق. فإذا أضاءَ، مَشى خُطواتٍ في النورِ القادِم من خارج. «فِيه» تَعودُ على الضوء: أي يَتَحَرَّكُ داخلَ نَفَقِ الضوءِ المُمتَدّ لَحَظات، لا يَتَجاوَزُه. فَهِيَ مَشيَةٌ داخلَ قَرضٍ، لا مَشيَةُ مَن يَملِكُ طَريقَه.

«وَإِذَا أَظْلَمَ عَلَيْهِمْ قَامُوا» (ق و م): الوُقوفُ لا يَعني النَّوم

جذرُ (ق و م) لا يَعني في العَرَبيّةِ النَّومَ أو الاستِرخاء، بل الثَّباتَ والانتِصابَ في المَكان. وفي هذا السِّياقِ «قاموا» = تَوَقَّفوا واقِفين على أقدامِهم، ثابِتين دونَ تَقَدُّمٍ ولا تَراجُع. فَلَيسَت الظُّلمةُ تُسقِطُهم، بَل تُجَمِّدُهم في مَوقِعِهم الحالي. وهُم يَرفُضون الرُّجوع (لأنّه اعتِراف)، ولا يَقدِرون على التَّقَدُّم (لأنّ المِحوَرَ غائب). فَمَشيَتُهم كُلُّها تَتَوَزَّعُ بَينَ خُطوةٍ حَرَكيّةٍ في البَرقِ، ووُقوفٍ ثابِتٍ في الظُّلمة.

«وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَذَهَبَ بِسَمْعِهِمْ وَأَبْصَارِهِمْ»: السَّمعُ والبَصَرُ قَرضٌ لا مُلك

«لَو» هُنا شَرطيّةٌ امتِناعيّة. والآيةُ لَيسَت في مَقامِ التَّهديد بِفَقدِ سَمعٍ وبَصَر، بَل في مَقامِ التَّذكيرِ بأنّ السَّمعَ والبَصَرَ الذي يَستَعمِلونه في هذه اللَّحظاتِ البَينيّة هو ذاتُه قَرضٌ إلهي. والإشارةُ الخَتاميّةُ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ من جذر (ق د ر) = وَضعُ الشَّيءِ في مِقدارِه المُستَحَقّ. فَقُدرَةُ اللهِ هُنا ليست قُوّةَ البَطش، بل إقامَةُ كُلِّ شيءٍ في مِقدارِه. فالكَلِمةُ تَسبِقُ المَصطلَح: لَيسَ المَوقفُ مَشهدَ عُقوبة، بل مَشهدَ كَشفٍ أنّ كلَّ أداةٍ يَستَعمِلونها هي إعارةٌ تَحتَمِلُ أن تُسحَبَ في أيّ لَحظة.


حَصيلة

هذه الآيةُ تُحَوِّلُ الصُّورةَ إلى مِشيةٍ على قَدَمَين. البَرقُ (ب-ر-ق: وَميضٌ يَنتَشِرُ ويَكشِفُ ثُمَّ يَختَفي) يَكادُ يَخطَفُ الأبصارَ (خ-ط-ف: انقِضاضٌ من عُلوٍّ يَفصِلُ جُزءاً بِلا سابِقِ إنذار): «يَكادُ» تَدُلُّ على قُربٍ لم يَكتَمِل، فالبَصَرُ في خَطَرٍ دائمٍ لا في فَقدٍ تامّ. ومن هذا الخَطَرِ تَتَشَكَّلُ المِشيةُ: لا في البَرقِ الكامِلِ المُخطِفِ للبَصَر، ولا في الظُّلمةِ الكامِلةِ التي تُجَمِّد؛ بل في البَينَبَين، في لَحظةِ الضَّوءِ المُؤقَّت. «كُلَّما أضاءَ مَشَوا» ثمَّ «إذا أظلَمَ قاموا»: وقوفٌ (ق-و-م: ثَباتٌ في المَكانِ دون تَقَدُّمٍ ولا تَراجُع) لا نَوماً ولا سُقوطاً، إذ يَرفُضون الرُّجوعَ ولا يَقدِرون على التَّقَدُّم؛ مِشيتُهم كُلُّها خُطواتٌ مَشروطةٌ بِشَحنةٍ خارجيَّةٍ مُتَقَطِّعة لا بِمِحوَرٍ داخليٍّ ثابِت. والخاتِمةُ ليسَت تَهديداً: السَّمعُ والبَصَرُ اللَّذانِ يَستَعمِلونَهما في لَحظاتِ البَرقِ هُما قَرضٌ لا مُلك؛ والقُدرةُ (ق-د-ر: وَضعُ كُلِّ شَيءٍ في مِقدارِه المُستَحَقّ) تَقولُ إنَّ ما يَملِكونه من إدراكٍ وقَدَمٍ إنَّما هو إعارةٌ تَحتَمِلُ أن تُسحَبَ في أيِّ لَحظة.