القِسط
**إحكامٌ يُعطي كُلَّ ذي نَصيبٍ نَصيبَه فيَنبَسِطُ الأمرُ ولا يَميل**. لَيسَ القِسطُ مُجَرَّدَ استِواءٍ في المِقدار، بَل قَسمٌ مُحكَمٌ يَخرُجُ بِه كُلُّ حَقٍّ إلى صاحِبِه حتّى يَستَوِيَ المَبسوط. ولِذلك سُمِّيَ الجَورُ نَفسُه من الجَذرِ **قُسوطاً**: ما خَرَجَ عن القَسمِ لا ما خالَفَ الوَزن.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ق: عَقدٌ والتِئامٌ في العُمق، ثُمَّ احتِباسٌ واشتِداد، ثُمَّ إطلاقٌ
قاطِع. شِحنَتُه: عَقدٌ في العُمقِ يَشتَدُّ ثُمَّ يَقطَع.
- س: حَصرٌ وضيقٌ ودِقّةٌ في إحكامِ المَجرى الضَّيِّق، ثُمَّ جَرَيانٌ
مُمتَدٌّ مُتَّصِل، ثُمَّ نَفاذٌ وخُروجٌ من الأثناء. شِحنَتُه: إحكامٌ دَقيقٌ يَجري ثُمَّ يَخرُجُ من بَينِ الأشياء.
- ط: إطباقٌ عَريضٌ وتَغطِيَة، واحتِباسٌ وضَغط، ثُمَّ انبِساطٌ
وانتِشارٌ ثَقيل. شِحنَتُه: إطباقٌ يَحبِسُ ثُمَّ يَنبَسِطُ عَريضاً.
النَّواةُ قَس (ق + س) = عَقدٌ في العُمقِ يَجري دَقيقاً فيَخرُجُ من بَينِ الأشياء: تَمييزُ نَصيبٍ من نَصيبٍ بِإحكام. والإغلاقُ بِـط يُطبِقُ على هذا المُمَيَّزِ ثُمَّ يَبسُطُه عَريضاً، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: قَسمٌ مُحكَمٌ يَخرُجُ بِه النَّصيبُ ثُمَّ يَنبَسِطُ فيَستَوي.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- القِسط: النَّصيبُ والحِصّة، ومنه سُمِّيَ العَدلُ قِسطاً لِأنَّه
إعطاءُ كُلِّ ذي حِصّةٍ حِصَّتَه.
- القِسطاس: الميزانُ المُستَقيم، وهو آلةُ إخراجِ النَّصيبِ بِإحكام.
- أقسَطَ: عَدَلَ، أي أعطى القِسط. والهَمزةُ لِلسَّلبِ عِندَ بَعضِهِم:
أزالَ القُسوط.
- قَسَطَ (بِلا هَمزة): جارَ ومال، ومنه القاسِطون. فالجَذرُ
يَحمِلُ الضِّدَّينِ لِأنَّ الأصلَ فيه القَسمُ نَفسُه: مَن أخرَجَ النَّصيبَ أقسَط، ومَن مالَ بِه قَسَط.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ق-س-ط: إخراجُ النَّصيبِ بِإحكامٍ حتّى يَستَوي. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: القِسطُ لا يُنظَرُ فيه إلى تَساوي المِقدارَينِ بَل إلى وُصولِ كُلِّ حَقٍّ إلى مَحَلِّه. ولِذلك جاءَ الاسمُ المُجَرَّدُ في المُسَجَّلِ مَجروراً بِالباءِ في مَوضِعَيه («قائِماً بِالقِسط» في ٣:١٨، و«يَأمُرونَ بِالقِسط» في ٣:٢١): الباءُ لِلمُلابَسة، فهو هَيئةٌ يُقامُ بِها ويُؤمَرُ بِها لا شَيءٌ يُملَك.
وأمّا القِسطاس في ١٧:٣٥ فباءٌ أُخرى: «وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ»، وهي باءُ الآلة. فيَنقَسِمُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ قِسمَين: هَيئةٌ يُلابِسُها الفاعِلُ في مَقامِ الشَّهادةِ والأمر، وآلةٌ يَزِنُ بِها في مَقامِ الكَيلِ والوَزن. والقِسمانِ يَجتَمِعانِ على الشِّحنةِ نَفسِها: إخراجُ النَّصيبِ بِإحكام، مَرّةً بِالهَيئةِ ومَرّةً بِالأداة. والذي يَبقى مُطَّرِداً في الأربَعةِ كُلِّها أنَّ الجَذرَ لا يَرِدُ مُجَرَّداً عن فِعلٍ يَتَعَلَّقُ بِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- أقسَطُ (اسمُ تَفضيلٍ من أقسَطَ): مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ في
مُوازَنةٍ بَينَ إجراءَينِ عَمَلِيَّينِ لا بَينَ شَخصَين.
- بِالقِسطِ (الاسمُ مُعَرَّفاً مَجروراً بِالباء): مَوضِعانِ، وفي
كِلَيهِما يُلابِسُ فِعلاً: القِيامَ مَرّةً والأمرَ مَرّة.
- بِالْقِسْطَاسِ (اسمُ الآلةِ مُعَرَّفاً مَجروراً بِالباء): مَوضِعٌ
واحِد، وفيه يَتَعَلَّقُ بِفِعلِ الوَزنِ لا بِهَيئةِ الفاعِل.
فالمَواضِعُ أربَعةٌ والصِّيَغُ ثَلاث، ولا يَرِدُ الجَذرُ في واحِدٍ منها مُجَرَّداً عن فِعلٍ يَتَعَلَّقُ بِه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدة، ووَزنُ أفعَلَ يَجعَلُها
مَطلوبةً بِالتَّفضيلِ في مَقامِ التَّشريعِ العَمَليّ، والاسمُ
المُعَرَّفُ يَجعَلُها هَيئةً قائِمةً في مَقامِ الشَّهادةِ والأمر،
واسمُ الآلةِ يُخرِجُها من الفاعِلِ إلى ما في يَدِه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
- العَدل (ع-د-ل): تَسوِيَةٌ بَينَ طَرَفَين. والفَرقُ بِنيَويّ: العَدلُ
يُنظَرُ فيه إلى المُوازَنة، والقِسطُ إلى القَسم. فقد يَعدِلُ الرَّجُلُ بَينَ اثنَينِ بِمَنعِهِما مَعاً، ولا يُقسِطُ حتّى يُخرِجَ لِكُلٍّ نَصيبَه. وقد وَرَدا في ٢:٢٨٢ في آيةٍ واحِدة: «وليَكتُبْ بَينَكُم كاتِبٌ بِالعَدل» ثُمَّ «ذلِكُم أقسَطُ عِندَ الله»، فجُعِلَ العَدلُ وَصفاً لِلكاتِبِ والقِسطُ وَصفاً لِلإجراءِ كُلِّه.
- الميزان (و-ز-ن): آلةُ التَّقدير. والقِسطُ غايةٌ يُتَوَصَّلُ إليها
بِه، ولِذلك سُمِّيَ الميزانُ المُستَقيمُ قِسطاساً بِاسمِ الغاية.
hikma(الحِكمة، ح-ك-م): وَضعُ الشَّيءِ مَوضِعَه. وهي أعَمُّ من
القِسط: القِسطُ حِكمةٌ في بابِ الحُقوقِ خاصّةً. وقد اجتَمَعا في ٣:١٨ خِتاماً لِلآيةِ نَفسِها.
- الظُّلم (ظ-ل-م): وَضعُ الشَّيءِ في غَيرِ مَوضِعِه، وهو ضِدُّ
القِسطِ في الأثَرِ لا في البِنية.
المَواضع: مَواقعُ القِسط في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٨٢ ﴿ذَٰلِكُمْ أَقْسَطُ عِندَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَىٰ أَلَّا تَرْتَابُوا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ في أطوَلِ آيةٍ فيه وفي أدَقِّ بابٍ عَمَليّ: كِتابةُ الدَّينِ إلى أجَلٍ مُسَمّى. وتَرِدُ اسمَ تَفضيلٍ يَصِفُ إجراءً لا شَخصاً، ومَعها عِلَّتانِ أُخرَيان (أقوَمُ لِلشَّهادةِ وأدنى ألّا تَرتابوا). فيَظهَرُ القِسطُ من أوَّلِ مَوضِعٍ ثَمَرةَ تَرتيبٍ مَكتوبٍ لا ثَمَرةَ نِيّةٍ حَسَنة: يُوصَلُ إليه بِالإجراءِ لا بِالإرادةِ وَحدَها. انظُر الدَّين.
- ٣:١٨ ﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ﴾: القِسطُ في الشَّهادةِ الكُبرى. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ من بابِ المُعامَلاتِ إلى أعلى ما يُشهَدُ بِه، ويُنصَبُ «قائِماً» حالاً فيُجعَلُ القِسطُ هَيئةَ القائِمِ بِالأمرِ لا صِفةَ الحُكم. فيُقرَأُ التَّوحيدُ والقِسطُ في نَفَسٍ واحِد: مَن أفرَدَ المَعبودَ أخرَجَ لِكُلِّ ذي حَقٍّ حَقَّه، إذ لا يَبقى نَصيبٌ مَصروفٌ إلى غَيرِ أهلِه. انظُر الإله / الآلهة.
- ٣:٢١ ﴿وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ﴾: الأمرُ بِالقِسطِ يُقتَلُ صاحِبُه. الجَديدُ: يُعطَفُ الآمِرونَ بِالقِسطِ على النَّبيّينَ في جُملةِ القَتلِ نَفسِها، ويُقالُ فيهِم «مِنَ النّاس» فيُخرَجونَ من دائِرةِ النُّبُوّة. فيَثبُتُ أنَّ القِسطَ مِمّا يُقامُ بِه ويُؤمَرُ بِه بِغَيرِ وَحيٍ خاصّ، وأنَّ العُقوبةَ عليه واحِدة. وهو أوَّلُ مَوضِعٍ يُذكَرُ فيه ثَمَنُ القِسطِ لا ثَمَرَتُه. انظُر القِتال.
- ١٧:٣٥ ﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ﴾: القِسطاسُ آلةً لا هَيئة. الجَديدُ: يَدخُلُ
الجَذرُ المُسَجَّلَ بِصيغةٍ ثالِثةٍ لم تَكُنْ فيه، اسمِ آلة، فيَخرُجُ من الفاعِلِ إلى ما في يَدِه. وقَد كانَ المَفهومُ يَقرَأُ القِسطَ هَيئةً يُقامُ بِها ويُؤمَرُ بِها «لا شَيئاً يُملَك»، و١٧:٣٥ تَكتُبُ الشَّيءَ المَملوكَ نَفسَه، فقُيِّدَ ذلك في القِسمِ الأوَّلِ بِالاسمِ المُجَرَّدِ وَحدَه. والباءُ هُنا باءُ الآلةِ لا باءُ المُلابَسة، والفِعلُ المُتَعَلِّقُ بِها «وَزِنُوا» أمرٌ لِجَماعة. ويَسبِقُه «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ»، فيُجاوِرُ القَسمَ إيفاءٌ، وهُما مَعاً إخراجُ النَّصيبِ إلى صاحِبِه: الكَيلُ يُوفى والوَزنُ يُقسَط. ويُوصَفُ القِسطاسُ بِـ«الْمُسْتَقِيمِ»، فالآلةُ نَفسُها تَحتاجُ إلى وَصفٍ يَضبِطُها، إذ لَيسَ كُلُّ ميزانٍ يُخرِجُ النَّصيب. ويُختَمُ بِـ«ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»، فيُقاسُ القِسطُ هُنا بِمآلِه لا بِمَقامِ صاحِبِه، وهو غَيرُ ما في ٣:٢١ حَيثُ قيسَ بِثَمَنِه.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ العَدل في ٢:٢٨٢ والإله / الآلهة في ٣:١٨: المَوضِعانِ يَقرِنانِ القِسطَ
بِالشَّهادة، الأوَّلُ بِإقامَتِها بَينَ النّاسِ والثّاني بِأعظَمِ شَهادةٍ في الكِتاب. فيَتَّصِلُ أدنى البابِ بِأعلاه بِلَفظٍ واحِد.
- مَعَ العِزّة / العَزيز والحِكمة في ٣:١٨: تُختَمُ آيةُ الشَّهادةِ
بِـ«العَزيزُ الحَكيم» بَعدَ «قائِماً بِالقِسط»، فيَجتَمِعُ المَنعُ والإحكامُ والقَسمُ في خِتامٍ واحِد.
- مَعَ القِتال في ٣:٢١: عَطفُ الآمِرينَ بِالقِسطِ على النَّبيّينَ
يَرفَعُ عن المَفهومِ اختِصاصَه بِأهلِ الوَحي.
الإشكالات المَفتوحة
- «قائِماً بِالقِسط»: أحالٌ من لَفظِ الجَلالةِ أم من أُولي العِلم؟
المَسأَلةُ مَشهورةٌ في الإعراب، والوَجهانِ يَستَقيمانِ مَعَ قِراءةِ الجَذر. والأوَّلُ أقوى في الظّاهِر. مَفتوح.
- **هَمزةُ «أقسَطَ»: أهي لِلسَّلبِ (أزالَ القُسوط) أم لِلتَّعدِيَة (أعطى
القِسط)؟** الوَجهانِ مَرويّان، والقِراءةُ هُنا تَقبَلُهُما لِأنَّ المَآلَ واحِد: خُروجُ النَّصيبِ إلى صاحِبِه. مَفتوح.
- هل بَينَ القِسطِ والعَدلِ فَرقٌ مُطَّرِدٌ في القرآن؟ المَوضِعُ
٢:٢٨٢ يُفَرِّقُ بَينَهُما في آيةٍ واحِدة، وهو أقوى ما في المُسَجَّل، لكنَّ مَواضِعَ العَدلِ لم تُستَوفَ بَعد. يُختَبَرُ عِندَ تَسجيلِ ع-د-ل.