آل عمران · الآية 21

﴿إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ

«يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ»: التَّغطيةُ تَبدأُ بالعَلامة

جاءَ «يكفرون» فِعلاً مُضارِعاً فجَعَلَ التَّغطيةَ حالاً مُتَجَدِّدة. والكُفرُ من ك-ف-ر، وهو كَتمٌ يَنفُذُ مُفَرِّقاً ثمَّ يَجري ويَتَكَرَّر، فيُوضَعُ السِّترُ على ما كانَ يَدُلّ. ومَفعولُ التَّغطيةِ هنا «آيات الله»، وهي عَلاماتٌ تَربِطُ المَشهَدَ بمَصدَرِه، وهُم لا يُعدِمونَ العَلامة، وإنَّما عَمَلُهم في قَطعِ دَلالتِها.

وتَبدأُ الآيةُ بالفِعلِ المَعرِفيّ قبلَ الفِعلِ الجَسديّ، فإغلاقُ مَجرى الدَّلالةِ يُمهِّدُ لإغلاقِ مَجرى الصَّوت، وحينَ تُغطَّى الآيةُ لا يَبقى مَن يَحمِلُها آمِناً لمُجَرَّدِ أنَّه إنسان.

«وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ»: قَطعُ حَمَلةِ النَّبأ

والقَتلُ من ق-ت-ل، ومَعناه عَقدٌ في عُمقِ الشَّيءِ يَنقَطِعُ فيَنفَلِتُ مِنه ما كانَ يَتَعَلَّقُ بِه ويَحوزُه: حَياةٌ تُفصَلُ عن صاحِبِها. وتَكرارُ المضارِعِ يُخرِجُ القَتلَ من واقِعةٍ مُنعَزِلةٍ إلى نَمَطٍ يَتَّجِهُ نحوَ كُلِّ مَن يَحمِلُ النَّبأ. والنَّبيُّ من ن-ب-أ، وهو مَن يَحمِلُ خَبَراً يَنبَعِثُ ويَصِلُ ثمَّ يُثبَتُ بَياناً.

وقولُه «بغير حق» يَنفي أيَّ مَجالٍ يُلبِسُ القَطعَ ثَوبَ المِيزان. وأصلُ ح-ق-ق حياةٌ مُحتَواةٌ تُحكَمُ ثمَّ يَتَضاعَفُ إحكامُها، فيَثبُتُ الشيءُ في مَوضِعِه. فالقَتلُ هنا اعتِداءٌ على المَوضِعِ الذي يَحمِلُ النَّبأ، ولا يَقومُ في مَوضِعٍ حَقّ.

«وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ»: القَطعُ يَبلُغُ كُلَّ صوتٍ يُقيمُ المِيزان

وأُعيدَ «ويقتلون» قبلَ الطائفةِ الثانية، فاستَقَلَّ قَتلُها بفِعلٍ مَذكورٍ لِنَفسِه، على مِثلِ ثِقَلِ الفِعلِ الأوّل. وهؤلاءِ من الناسِ يَأمُرونَ بالقِسط، والأمرُ من أ-م-ر حَسمٌ يَجمَعُ ويَلتَصِقُ ثمَّ يَجري إلى فِعل، فهو قَولٌ يَطلُبُ تَحَقُّقَه ولا يَكتَفي بالوَصف.

ومادّةُ ق-س-ط حَدٌّ مُحكَمٌ يَمتَدُّ في مَجرىً ثمَّ يَنبَسِطُ بثِقَلِ المِيزان، ومَن يَأمُرُ بالقِسطِ يَدعو كُلَّ طَرَفٍ إلى مَوضِعِه. ولذلك تَكشِفُ الآيةُ تَصاعُداً واحداً، تُغطَّى فيه العَلامة، ثمَّ يُقطَعُ حامِلُ النَّبأ، ثمَّ يُقطَعُ من الناسِ كُلُّ مَن يُعيدُ المِيزانَ إلى الكلام.

«فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ»: لَفظُ البُشرى يَنقَلِبُ على ما اختاروه

والفاءُ تَصِلُ الأفعالَ بنتيجتِها. والبِشارةُ في أصلِها خَبَرٌ يَظهَرُ أَثَرُه على البَشَرة، وقد جُعِلَ مَفعولُها هنا «عذاب أليم». وهذه المُفارَقةُ تَكشِفُ أنَّ مَن أَسكَتَ خَبَرَ القِسطِ سيَستَقبِلُ خَبراً لا يَستَطيعُ إسكاتَه، وهي لا تُخَفِّفُ العَذاب. والأليمُ من أ-ل-م حَدٌّ يَقَعُ فيَعلَقُ فيُطبِق، وهو وَصفٌ للآخِذِ لا للمَأخوذ، ولِذلك جَرى النَّعتُ على «عَذابٍ» المَجرورِ بِالباءِ، ولم يَنزِل على المُبَشَّرينَ بِه.


حَصيلة

تَرسُمُ الآيةُ مَساراً من التَّغطيةِ إلى القَتل، تُحجَبُ فيه عَلاماتُ الله، ثمَّ يُقطَعُ مَن يَحمِلُ نَبأَها، ثمَّ يُقطَعُ من الناسِ مَن يَطلُبُ إقامةَ المِيزان، وهو عُنفٌ ضِدَّ الدَّلالةِ قبلَ أن يكونَ عُنفاً ضِدَّ الأجساد. ولذلك جاءَ الجَوابُ في صُورةِ خَبَرٍ مُفارِق: بَشِّرهم بعَذابٍ أليم، ومَن أرادَ احتِكارَ ما يُسمَعُ يُبلَّغُ بنَتيجةٍ تَظهَرُ ولا تُغطَّى.