آل عمران · الآية 18

﴿شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ ۚ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ

«شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ»: شَهادةُ المَصدَرِ على وَحدانيّتِه

الشَّهادةُ من ش-ه-د، وأصلُها انتشارٌ يَبلُغُ نَفَساً حاضِراً ثمَّ يَثبُتُ ويُضبَط، فهي حُضورٌ يَصيرُ بَياناً، ولا يُكتَفى فيها بخَبَرٍ مَنقول. والفاعِلُ أوَّلاً هو الله، فالشَّهادةُ تَبدأُ من المَصدَرِ الذي يَكشِفُ نَفسَه في آثارِه، دونَ مُراقِبٍ خارِجٍ يَستَدِلُّ على المَصدَر.

ومَضمونُ الشَّهادةِ «لا إله إلا هو»، فالنَّفيُ يَفتَحُ المَجالَ من كُلِّ مَدَّعٍ للألوهيّة، والاستِثناءُ يَحسِمُه في «هو». والوَحدانيّةُ تَقومُ على نَفيِ القائمةِ ذاتِها ثمَّ إثباتِ المَرجِعِ الواحِد، ولا تَقومُ على إضافةِ واحِدٍ إلى قائمة.

«وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ»: الشَّهادةُ تَمتَدُّ إلى حَمَلةِ العِلم

وتَعطِفُ الواوُ الملائكةَ وأُولي العِلمِ على اسمِ اللهِ في فِعلِ الشَّهادة، من غيرِ أن تَجعَلَ شَهادتَهم مَصدَرَ الحقيقة، فهي استِجابةُ مَن شَهِدَ للأصلِ إلى شَهادةِ الأصلِ لِنَفسِه. و«أولو» تَدلُّ على صُحبةٍ وتمكُّن، فالعِلمُ شيءٌ صارَ لهم به صِلةٌ قائمة، وليسَ مَعلومةً مَحمولةً من خارِج.

والعِلمُ من ع-ل-م: ظُهورٌ من عُمقٍ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدُّ ثمَّ يَتَجَمَّعُ ويَلتَصِق، وهو انكِشافٌ يَبلُغُ البِنيةَ فيُغيِّرُ مَوقِفَها. ولذلك يَجيءُ أصحابُ العِلمِ شُهوداً، إذ صارَ ما عَلِموه قَولاً قائماً على ما انكَشَفَ لهم، ولم يَبقَ في الذِّهن.

«قَائِمًا بِالْقِسْطِ»: الوَحدانيّةُ قائِمةٌ في مِيزانِها

و«قائماً» اسمُ فاعِلٍ من ق-و-م، وهو إمساكُ الشَّيءِ مَجموعاً من باطِنِه حتّى يَثبُت، فتَبقى البِنيةُ مَجموعةً لا تَنفَرِط. واسمُ الفاعِلِ يُظهِرُ طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّة، أي قِياماً لا يَنفَصِلُ عن الشَّهادة، والباءُ في «بالقسط» تَصِلُ هذا القِيامَ بالمِيزانِ الذي يَحمِلُه.

والقِسطُ من ق-س-ط، ومَعناه حَسمٌ يَمتَدُّ في سَريانٍ ثمَّ يَبلُغُ تَمامَه ويَنفَلِتُ من المَيل، وهو إعطاءُ كُلِّ طَرَفٍ مَوضِعَه بلا انحِراف. فالوَحدانيّةُ في الآيةِ مَصدَرٌ قائِمٌ على إقامَةِ التَّوازُن، وليست مَقولَةً مُجَرَّدة، ومَن شَهِدَ لها لا يَستَطيعُ أن يَفصِلَها عن القِسط.

«الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ»: قُوَّةٌ لا تُغلَب وحُكمٌ يَمنَعُ الفَوضى

ويَعودُ النَّفيُ والاستِثناءُ فيُغلِقانِ الآيةَ بما فَتَحَها، ثمَّ يَأتي الوَصفان. فالعزيزُ من ع-ز-ز، وهو ظُهورٌ من عُمقٍ يَندَفِعُ ويَهتَزُّ ثمَّ يَتَضاعَفُ اندِفاعُه، فقُوَّتُه مَنيعَةٌ لا يُحاطُ بها ولا تُغلَب. والحكيمُ من ح-ك-م: حياةٌ حارّةٌ تَحتوي، ثمَّ تَكتُمُ وتَقطَعُ، ثمَّ تَجمَعُ الحُكمَ وتُلصِقُه بمَوضِعِه.

والعِزُّ في الخاتمةِ لا يَستَبِدُّ لأنَّه مَقرونٌ بالحِكمة، والحِكمةُ لا تَبقى فكرةً بلا قُدرة لأنَّها مَقرونةٌ بالعِزّة، وبينَ الوَصفَينِ يَستَقِرُّ «قائماً بالقسط»: قُدرةٌ تَملِكُ الإقامة، وحِكمةٌ تَضَعُ كُلَّ شيءٍ في مَوضِعِه.


حَصيلة

تَبدأُ الشَّهادةُ من الله، وتَمتَدُّ إلى الملائكةِ وأُولي العِلم، ويَبقى مَضمونُها واحداً: نَفيُ كُلِّ مَرجِعٍ مُطلَقٍ وإثباتُ «هو». ثمَّ تَصِفُه الآيةُ «قائماً بالقسط»، أي طبيعةً فاعِلةً مُستَمِرّةً تُقيمُ المِيزان، فلا تَدَعُ الوَحدانيّةَ في حيِّزِ القَول. ثمَّ يَحمِلُ العزيزُ قُدرةَ هذا القِيام، ويَحمِلُ الحكيمُ وَضعَه المَضبوط، فالشَّهادةُ الحقّةُ إذاً مَعرِفةٌ تَصيرُ مِيزاناً.