الإسراء · الآية 35

﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ۚ ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا

«وَأَوْفُوا الْكَيْلَ»: أمرٌ بِالإتمام، لا نَهيٌ عن النَّقص

أوثِرَ الأمرُ «وَأَوْفُوا» على النَّهيِ «لا تُنقِصوا». والوَفاءُ في جِذرِه (و ف ي) وَصلٌ يَمضي إلى حَدِّه فيَنفَتِحُ عِندَه، فلا يَبقى وَراءَ الحَدِّ شَيءٌ مَحبوس، فالمَطلوبُ يَدٌ تُتِمّ، لا يَدٌ تَكُفّ، وبَينَ الاثنَينِ فَرقٌ يَعرِفُه المِكيالُ نَفسُه: فالكَفُّ يَقِفُ حَيثُ شاء، والإتمامُ لا يَقِفُ إلّا عِندَ الحافّة.

و«الكَيلَ» مَنصوبٌ سابِقٌ على شَرطِه «إِذَا كِلْتُمْ»، فالمِقدارُ يُسَمّى أوَّلاً، ثُمَّ يُذكَرُ الفِعلُ الذي يُنشِئُه. والكَيلُ (ك ي ل) جَوفٌ يُمسِكُ ما فيه ويَحوزُه، فهو مِقدارٌ مَحفوظٌ في وِعاءٍ لا عَدَدٌ في الذِّهن. وجاءَ الشَّرطُ بِـ«إذا» دونَ «إن»، فالكَيلُ واقِعٌ في حَياةِ المُخاطَبِ غَيرُ مَفروضٍ عَلَيها، والآيةُ تَنتَظِرُ عِندَ الحافّة، ولا تَسألُ هَل تَكيل.

«وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ»: تَمامٌ بِاليَد، وتَمامٌ بِآلة

وهُما أمرانِ، وليسا أمراً واحِداً مُكَرَّراً: فالأوَّلُ يَتِمُّ في المَكيلِ نَفسِه، أي: امْلَأ، والثّاني يَتِمُّ بِواسِطة، أي: زِنْ «بِـ»، والباءُ لِلآلة، فالكَيلُ يُصَحِّحُه صاحِبُه بِيَدِه، والوَزنُ يُحاكَمُ إلى شَيءٍ خارِجٍ عن يَدِه.

والوَزنُ (و ز ن) عُقدةٌ تَهتَزُّ ثُمَّ تَحتَوي، كِفَّتانِ تَتَرَدَّدانِ حَولَ مِحوَرٍ حتّى تَسكُنا، فهو حَرَكةٌ قَبلَ أن يَكونَ حُكماً، ولا يَستَقِرُّ إلّا بَعدَ تَرَدُّد. و«القِسطاس» يَحمِلُ ق-س-ط، ومادَّتُه شِدّةٌ مَحصورةٌ في مَجرىً ضَيِّق، ثُمَّ انبِساطٌ عَريض، أي حَدٌّ دَقيقٌ يَنبَسِطُ على الطَّرَفَينِ مَعاً، وهذا هو القِسط.

و«المُستَقيم» على استَفعَل من ق-و-م، ونَواةُ هذا الجِذرِ عَقدٌ يُمسِكُ ما جَمَعَه من باطِنِه، والانتِصابُ ثَمَرةُ هذا الإمساكِ لا أصلُه، فالمُستَقيمُ ما يَطلُبُ قِوامَ نَفسِه فيُمسِكُه، لا ما يُشيرُ إلى فَوق. والميزانُ الذي لا يُمسِكُ قِوامَ نَفسِه خَصمٌ ثالِثٌ واقِفٌ في الكِفّة، وليسَ آلةً في يَدِك، والآلةُ التي لا تَستَقيمُ بِنَفسِها لا تُقيمُ لَكَ شَيئاً.

«ذَٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا»: كَلِمةٌ تَقولُ المَآلَ لا المَعنى

وهُما أفعَلانِ لِلتَّفضيلِ في نَفَسٍ واحِد: «خَيرٌ» مُطلَقاً، ثُمَّ «أحسَنُ» مُقَيَّداً بِتَمييزٍ مَنصوبٍ هو «تَأويلاً». والتَّمييزُ يَحصُرُ جِهةَ التَّفضيلِ ويَمنَعُ انتِشارَها، فالمَعنى: أحسَنُ من هذه الجِهةِ بِعَينِها.

والتَّأويلُ من أ-و-ل، ومَعناه رَدُّ الشَّيءِ إلى ما يَؤولُ إلَيه ويَنتَهي عِندَه، فهو هُنا كَلِمةُ عاقِبةٍ لا كَلِمةُ شَرح، والآيةُ تَسألُ إلى أينَ يَصيرُ المُمتَلِئ، ولا تَسألُ ماذا يَعني المِلء، ولذلك وَقَعَت بَعدَ أمرَينِ يُباشَرانِ بِاليَد، لا بَعدَ خَبَرٍ يُطلَبُ مَعناه.

فالآيةُ تُتبِعُ الفِعلَ إلى مُنتَهاه وتَزِنُه هُناك، ولا تَقِفُ عِندَ الحُكم، وتُملَأُ الكَفُّ اليَوم، ويُقرَأُ ما مُلِئَ حَيثُ يَؤول.


حَصيلة

أمرانِ مُتَتالِيانِ لا يُرَدُّ أحَدُهُما إلى الآخَر: «وَأَوْفُوا الْكَيْلَ» إتمامٌ يَقَعُ في الوِعاءِ نَفسِه حتّى حافَّتِه، و«وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ» إتمامٌ يَقَعُ بِآلةٍ خارِجةٍ عن اليَدِ تُحاكَمُ إلَيها الكِفَّتان. والكَيلُ جَوفٌ يُمسِكُ ويَحوز، والوَزنُ عُقدةٌ تَهتَزُّ حتّى تَحتَوي، والقِسطُ حَدٌّ دَقيقٌ يَنبَسِطُ على الطَّرَفَين، والمُستَقيمُ ما أمسَكَ قِوامَ نَفسِه فلم يَمِل. ثُمَّ تُختَمُ الآيةُ بِتَمييزٍ واحِدٍ يُحَوِّلُ النَّظَرَ كُلَّه، وهو «تَأويلاً»، أي حَيثُ يَؤولُ الفِعلُ لا حَيثُ يُفعَل، فما يُقاسُ في الكَفِّ الآنَ إنَّما يُقرَأُ عِندَ مُنتَهاه.