الصَّيحة
**صَوتٌ يُحصَرُ في مَضيقٍ حتّى يَنفُذَ خالِصاً فيَبلُغَ مَداهُ دَفعةً واحِدة**. لَيسَتِ الصَّيحةُ نِداءً يُفهَمُ ولا كَلاماً، بَل صَوتاً مَشدوداً يَبلُغُ أقصاهُ ثُمَّ يَنقَطِع. ولِذلك جاءَت في المُسَجَّلِ **واحِدةً** في المَواضِعِ الثَّلاثةِ كُلِّها: ما بَلَغَ مَداهُ مَرّةً لا يُحتاجُ إلى ثانِية.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ص: إطباقٌ صُلبٌ لِأقصى اللِّسانِ على الحَنَكِ يَحصُرُ النَّفَسَ في
مَجرىً ضَيِّقٍ خَلفَ الأسنان، فيَجري منه صَفيرٌ غَليظٌ نافِذٌ مُتَّصِلٌ لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: حَصرٌ صُلبٌ يُنفِذُ صَفيراً.
- ي: يَقتَرِبُ وَسَطُ اللِّسانِ من الغارِ اقتِراباً لَيِّناً لا حَبسَ
فيه، فيَسري الصَّوتُ مُمتَدّاً ثُمَّ يَنسابُ مُطلَقاً. شِحنَتُه: سَرَيانٌ مُمتَدٌّ بِلا حَبس.
- ح: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ،
فيَجري مُحتَكّاً حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. شِحنَتُه: تَضييقٌ يُنفِذُ خالِصاً.
النَّواةُ صَي (ص + ي) = حَصرٌ صُلبٌ يَسري مُمتَدّاً: صَوتٌ شُدَّ في مَضيقٍ ثُمَّ انطَلَقَ يَمتَدّ. والإغلاقُ بِـح يُخرِجُ هذا المُمتَدَّ خالِصاً من عُمقٍ حارّ، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: صَوتٌ مَشدودٌ يَبلُغُ مَداهُ خالِصاً.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- الصِّياح: رَفعُ الصَّوتِ إلى أقصاه. ولا يُقالُ لِلكَلامِ المُبَيَّن.
- صاحَ النَّبتُ: طالَ وبَلَغَ مُنتَهاه، فالجَذرُ في البُلوغِ إلى
الأقصى لا في الصَّوتِ وَحدَه.
- صِيحَ في القَومِ: نُودِيَ فيهِم نِداءً واحِداً جامِعاً.
- الصَّيحة: المَرّةُ من الصِّياح، والتّاءُ فيها لِلوَحدةِ لا
لِلتَّأنيث.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ص-ي-ح: بُلوغُ الصَّوتِ أقصاهُ في مَرّة. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن، ويُفَسِّرُ أدَقَّ ما في المُسَجَّل: تُذكَرُ ثَلاثَ مَرّاتٍ في سورةِ يس وَحدَها، وفي الثَّلاثِ نَكِرةً مَوصوفةً بِـ«واحِدة» ومَحصورةً بِأداةِ حَصر («إن كانَت إلّا»، «ما يَنظُرونَ إلّا»). فيُنفى ما سِواها ويُقَلَّلُ عَدَدُها في عِبارةٍ واحِدة: لا شَيءَ غَيرُها، وهي واحِدة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- صَيحةً (اسمُ المَرّةِ نَكِرةً مَنصوبة): الصّيغةُ الوَحيدةُ في
المُسَجَّلِ كُلِّه، ثَلاثةُ مَواضِعَ لا تَتَبَدَّلُ فيها الصّيغةُ ولا وَصفُها بِـ«واحِدة».
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: اسمُ المَرّةِ هو الوارِدُ وَحدَه، ولا يَرِدُ
الفِعلُ ولا اسمُ الفاعِل. فالمَفهومُ في هذا المُعجَمِ حَدَثٌ يُعَدُّ
لا فِعلٌ يُنسَبُ إلى فاعِل، والصّائِحُ مَحذوفٌ في الثَّلاثةِ جَميعاً.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
- النَّفخ (ن-ف-خ): إخراجُ الرّيحِ من فَمٍ أو آلة. وهو في القرآنِ
لِلصُّورِ خاصّةً ويَتَكَرَّرُ، والصَّيحةُ واحِدةٌ لا تُثَنّى في المُسَجَّل.
- النِّداء (ن-د-و): رَفعُ الصَّوتِ لِيُقبِلَ المَدعُوّ. والصَّيحةُ لا
تَقتَضي مَدعُوّاً يُجيب، بَل تَقَعُ فيَقَعُ أثَرُها.
amr(الأمر، أ-م-ر): نَفاذُ القَصدِ بِالكَلِمة. والصَّيحةُ صَوتٌ
بِلا مَضمون. فالأمرُ يُفهَمُ ويُمتَثَل، والصَّيحةُ تُصيبُ ولا تُفهَم.
- الرَّجفة (ر-ج-ف): اضطِرابٌ في الأرضِ يَأخُذُ أهلَها. والصَّيحةُ في
الهَواء، وأثَرُهُما واحِدٌ في المَآل.
المَواضع: مَواقعُ الصَّيحة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣٦:٢٩ ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ خَامِدُونَ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ مَحصورةً بِـ«إن... إلّا» ومَوصوفةً بِـ«واحِدة»، فيَجتَمِعُ نَفيُ ما سِواها وتَقليلُ عَدَدِها في نَفَسٍ واحِد. ويَقَعُ الأثَرُ بِـ«إذا» الفُجائِيّةِ بِلا مُهلة، فيُطوى الزَّمَنُ بَينَ الصَّوتِ ونَتيجَتِه. و«خامِدون» من خُمودِ النّارِ لا من المَوتِ صَريحاً، فيُقابَلُ صَوتٌ بالِغٌ أقصاهُ بِسُكونٍ تامّ. انظُر المَوت.
- ٣٦:٤٩ ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: الصَّيحةُ في أثناءِ الخُصومة. الجَديدُ: تُوصَفُ بِفِعلٍ («تَأخُذُهُم») بَعدَ أن كانَت في ٣٦:٢٩ مُجَرَّدةً عن فاعِلِيّة، فتَصيرُ آخِذةً لا مُجَرَّدَ صَوتٍ يُسمَع. ويُذكَرُ حالُهُم عِندَها: «وهُم يَخِصِّمون»، فيُقابَلُ صَوتٌ واحِدٌ بِأصواتٍ مُتَنازِعة. و«ما يَنظُرون» تَجعَلُها ما يَنتَظِرونَه وإن لم يَشعُروا، فيُقلَبُ الانتِظارُ من جِهَتِه. انظُر الخُصومة / الخَصيم.
- ٣٦:٥٣ ﴿إِن كَانَتْ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً فَإِذَا هُمْ جَمِيعٌ لَّدَيْنَا مُحْضَرُونَ﴾: الصَّيحةُ تَجمَعُ لِلإحضار. الجَديدُ: تَعودُ عِبارةُ ٣٦:٢٩ بِنَصِّها ويَتَبَدَّلُ الجَوابُ: هُناكَ خُمودٌ وهُنا إحضارٌ جامِع. فتَظهَرُ لِلصَّوتِ الواحِدِ نَتيجَتانِ مُتَقابِلَتان، إخمادٌ في الدُّنيا وجَمعٌ في الآخِرة، ويَتَبَيَّنُ أنَّ الجَذرَ لا يُعَيِّنُ الأثَرَ بَل يُعَيِّنُ حَسمَه. ومَوقِعُها بَعدَ سُؤالِهِم «مَن بَعَثَنا مِن مَرقَدِنا» يَجعَلُ الصَّيحةَ جَواباً لا يُجادَل. انظُر الحُضور / الإحضار.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الخُصومة / الخَصيم في ٣٦:٤٩: مُقابَلةُ الصَّوتِ الواحِدِ
بِالأصواتِ المُتَنازِعةِ في الآيةِ نَفسِها هي أبلَغُ ما في هذا المَفهوم: يُنهي واحِدٌ ما لا يَنتَهي بِكَثرة.
- مَعَ الحُضور / الإحضار في ٣٦:٥٣: تَرَتُّبُ الإحضارِ على الصَّيحةِ
بِـ«إذا» الفُجائِيّةِ يُلغي المَسافةَ بَينَ النِّداءِ والوُقوف، وهو ما قُرِّرَ في مَفهومِ الحُضورِ من أنَّ المُحضَرَ لا يَجيءُ بِنَفسِه.
- مَعَ المَوت في ٣٦:٢٩: اختِيارُ «خامِدون» بَدَلَ لَفظِ المَوتِ
يَجعَلُ الأثَرَ سُكوناً بَعدَ اشتِعال، فيُقابِلُ الصَّوتَ البالِغَ أقصاه.
الإشكالات المَفتوحة
- «ما يَنظُرون» في ٣٦:٤٩: أالنَّظَرُ الانتِظارُ أم الإبصار؟ الظّاهِرُ
الانتِظار، ويَحتَمِلُ أنَّهُم لا يُبصِرونَ سِواها إذا وَقَعَت. مَفتوح.
- هل الصَّيحةُ في ٣٦:٢٩ و٣٦:٤٩ و٣٦:٥٣ واحِدةٌ أم ثَلاث؟ الأولى في
أصحابِ القَريةِ في الدُّنيا، والأخيرَتانِ في البَعثِ ظاهِراً. فهي صَيحاتٌ ثَلاثٌ بِوَصفٍ واحِد. والسّورةُ لا تُصَرِّحُ بِالفَصل. مَفتوح.
- اختِصاصُ الجَذرِ بِيس في المُسَجَّل: أهو أثَرُ ما نُشِرَ أم بِناءٌ
في السّورة؟ تَكرارُ العِبارةِ الواحِدةِ ثَلاثاً في سورةٍ واحِدةٍ يُرَجِّحُ الثّاني. مَفتوح.