الخُصومة / الخَصيم
**اختِراقٌ يَقطَعُ فيَنفَصِلُ بِه طَرَفٌ عن طَرَف، ثُمَّ يُضَمُّ كُلٌّ إلى ناحِيَتِه**. لَيسَتِ الخُصومةُ عَداوةً في القَلبِ بَل انقِساماً في المَوقِف: كُلُّ فَريقٍ يَنضَمُّ إلى جِهَتِه ويُنازِعُ عنها. ولِذلك سُمِّيَ طَرَفُ الوِعاءِ **خُصْماً**، وسُمِّيَتِ الزّاويةُ من البَيتِ **خُصْماً**: ناحِيَةٌ انفَصَلَت وانضَمَّت.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- خ: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ أقصى اللِّسانِ وأقصى الحَنَكِ فيَخترِقُه
النَّفَسُ جَرياناً مُحتَكّاً خَشِناً يُخَلخِلُ ما يَمُرُّ فيه. شِحنَتُه: اختِراقٌ خَشِنٌ يُخَلخِل.
- ص: إطباقٌ صُلبٌ يَحصُرُ النَّفَسَ في مَجرىً ضَيِّقٍ فيَجري صَفيراً
نافِذاً لا انفِجارَ فيه. شِحنَتُه: إطباقٌ صُلبٌ يَحصُرُ ويَنفُذ.
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ في جَوفٍ مُغلَقٍ
ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً. شِحنَتُه: ضَمٌّ يَحتَوي ويُمسِك.
النَّواةُ خَص (خ + ص) = اختِراقٌ يَحصُرُ: يُشَقُّ الشَّيءُ فيُفرَزُ جانِبٌ منه ويُحاطُ بِه، ومنه خَصَّ إذا أفرَدَ الشَّيءَ عن غَيرِه. والإغلاقُ بِـم يَضُمُّ هذا المَفروزَ إلى نَفسِه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: فَرزٌ يَنضَمُّ إلى جِهَتِه فيُقابِلُ ما فُرِزَ عنه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- خُصْمُ الوِعاء: طَرَفُه وزاوِيَتُه. وهو أصلُ الصّورة: ناحِيَةٌ
مُتَمَيِّزةٌ مَضمومةٌ إلى نَفسِها.
- الخَصم: المُنازِعُ في دَعوى. وسُمِّيَ بِالنّاحِيَةِ التي يَقِفُ
فيها، لا بِما في قَلبِه.
- خاصَمَه: نازَعَه من ناحِيَتِه. والصّيغةُ (فاعَلَ) تَقتَضي طَرَفَينِ
لا يُتَصَوَّرُ أحَدُهُما بِلا الآخَر.
- اختَصَموا: صارَ كُلٌّ منهُم في ناحِيَة.
- الخَصيم: كَثيرُ الخُصومةِ أو الشَّديدُها، فهو وَصفٌ لازِمٌ لا
حَدَثٌ عابِر.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ خ-ص-م: انفِصالٌ إلى نَواحٍ مُتَقابِلة. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآن: الخُصومةُ لا تَقتَضي بُغضاً، بَل تَقتَضي انقِساماً. ولِذلك اجتَمَعَت في المُسَجَّلِ في مَقاماتٍ لا عَداوةَ فيها بِالضَّرورة: اقتِراعٌ على كَفالةِ مَريَمَ (٣:٤٤)، ومُنازَعةٌ في السّوقِ عِندَ نُزولِ الصَّيحة (٣٦:٤٩)، ومُجادَلةُ إنسانٍ خُلِقَ من نُطفة (٣٦:٧٧).
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- الخِصام (مَصدَرُ فاعَلَ مُعَرَّفاً): مَوضِعٌ واحِد، ويَقَعُ مُضافاً
إليه في تَركيبِ تَفضيلٍ («ألَدُّ الخِصام»).
- يَختَصِمون / يَخِصِّمون (مُضارِعُ افتَعَلَ): مَوضِعان، وفاعِلُه
جَماعةٌ ومَحَلُّه مَشهَدٌ يُحكى.
- خَصيمٌ (صيغةُ فَعيلٍ خَبَراً): مَوضِعٌ واحِد، ويُوصَفُ بِـ«مُبين»
فيُجعَلُ الانقِسامُ ظاهِراً لا مَستوراً.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: وَزنُ افتَعَلَ يَجعَلُ الانفِصالَ واقِعاً
بَينَ جَماعةٍ في مَشهَد، ووَزنُ فَعيل يَجعَلُه وَصفاً لازِماً
لِلذّات. والفَرقُ يُثمِرُ في ٣٦:٧٧: لم يُقَل «يَختَصِم» بَل «خَصيم»،
فالانقِسامُ صارَ طَبعاً لا واقِعة.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
- الجِدال (ج-د-ل): فَتلُ القَولِ ورَدُّه. والخُصومةُ انقِسامٌ في
المَوقِف. فالجِدالُ في اللَّفظِ والخُصومةُ في المَوضِع، وقد يَقَعانِ مَعاً.
- العَداوة (ع-د-و): مُجاوَزةٌ بِقَصدِ الضَّرَر. والخُصومةُ لا
تَقتَضيها، بِدَليلِ ٣:٤٤ حَيثُ يَقتَرِعُ القَومُ على كَفالةِ مَريَمَ لا على أذاها.
nifaq(النِّفاق، ن-ف-ق): إظهارُ خِلافِ ما في الباطِن. وقد
اجتَمَعا في ٢:٢٠٤: قَولٌ يُعجِبُ ظاهِرُه وإشهادٌ على ما في القَلب، ثُمَّ وَصفٌ بِأنَّه ألَدُّ الخِصام. فيُقرَأُ الخِصامُ ما يَنكَشِفُ بِه المُنافِقُ عِندَ الاختِبار.
hudur(الحُضور، ح-ض-ر): مَجيءٌ يَثقُلُ في حَيِّزِه. وقد
تَجاوَرا في ٣٦:٤٩ و٣٦:٥٣: تَأخُذُهُمُ الصَّيحةُ وهُم يَخِصِّمون، ثُمَّ يَصيرونَ جَميعاً مُحضَرين. فيُقابَلُ الانقِسامُ في الدُّنيا بِالاجتِماعِ في الآخِرة.
المَواضع: مَواقعُ الخُصومة في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٠٤ ﴿وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الكَلِمةُ تَدخُلُ القرآنَ في تَركيبِ تَفضيلٍ («ألَدُّ الخِصام») يَصِفُ رَجُلاً يُعجِبُ قَولُه ويَستَشهِدُ اللهَ على قَلبِه. فيُجعَلُ الانقِسامُ باطِناً تَحتَ لَفظٍ مُتَّفِقٍ عليه: يَقولُ ما يُوافِقُ ويَنضَمُّ إلى ناحِيَةٍ أُخرى. و«ألَدّ» من اللَّدَدِ وهو شِدّةُ الخُصومةِ مَعَ المُغالَبة، فيُقَيَّدُ المَفهومُ من أوَّلِ مَوضِعٍ بِأشَدِّ صُوَرِه. انظُر النِّفاق.
- ٣:٤٤ ﴿وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾: الاختِصامُ خَبَرَ غَيب. الجَديدُ: يَنتَقِلُ الجَذرُ إلى وَزنِ افتَعَلَ ويُذكَرُ مَشهَداً غائِباً يُوحى بِه، ومَحَلُّ الانقِسامِ فيه كَفالةُ مَريَم: نِزاعٌ على مَن يَتَوَلّى لا على مَن يُؤذي. فيَنكَشِفُ أنَّ الخُصومةَ في هذا المُعجَمِ لا تَستَلزِمُ عَداوة، وأنَّها تَقَعُ في الخَيرِ كَما تَقَعُ في غَيرِه. انظُر الغَيب.
- ٣٦:٤٩ ﴿مَا يَنظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً وَاحِدَةً تَأْخُذُهُمْ وَهُمْ يَخِصِّمُونَ﴾: الأخذُ في أثناءِ الانقِسام. الجَديدُ: تُجعَلُ الخُصومةُ حالاً مُقارِنةً لِلأخذ، فيُؤخَذونَ وهُم مُنقَسِمون. و«يَخِصِّمون» بِإدغامِ التّاءِ تُشَدِّدُ الحَرَكةَ فتُسمَعُ في اللَّفظِ سُرعةُ التَّنازُعِ نَفسُها. فيُقابَلُ صَوتٌ واحِدٌ («صَيحةً واحِدة») بِأصواتٍ مُتَفَرِّقة، ويَنتَهي التَّفَرُّقُ بِواحِدةٍ لا تُرَدّ. انظُر الحُضور / الإحضار.
- ٣٦:٧٧ ﴿أَوَلَمْ يَرَ الْإِنسَانُ أَنَّا خَلَقْنَاهُ مِن نُّطْفَةٍ فَإِذَا هُوَ خَصِيمٌ مُّبِينٌ﴾: من نُطفةٍ إلى خَصيم. الجَديدُ: يُقابَلُ أضعَفُ ما بُدِئَ منه الإنسانُ بِأشَدِّ ما صارَ إليه، وتَتَوَسَّطُهُما فاءُ المُفاجَأة، فتُطوى المَسافةُ بَينَ النُّطفةِ والمُنازَعة. ويُنقَلُ الجَذرُ من الفِعلِ إلى الوَصفِ اللّازِم («خَصيم» لا «يَختَصِم»)، فيَصيرُ الانقِسامُ طَبعاً. و«مُبين» تُخرِجُه من الباطِنِ الذي كانَ عليه في ٢:٢٠٤: بَدَأَ المَفهومُ خِصاماً مَستوراً تَحتَ قَولٍ مُعجِب، وانتَهى خِصاماً مُبيناً لا يَستَتِر. انظُر الخَلق.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
طَرَفا المَفهوم: خِصامٌ مَستورٌ تَحتَ قَولٍ حَسَن، وخِصامٌ مُبينٌ يَنشَأُ من نُطفة. فيُقرَأُ الجَذرُ من الخَفاءِ إلى الظُّهور.
- مَعَ الحُضور / الإحضار في ٣٦:٤٩ و٣٦:٥٣: الآيتانِ مُتَقارِبَتانِ في
السّورةِ نَفسِها، تُؤخَذُ الأولى وهُم مُنقَسِمونَ وتَجمَعُهُمُ الثّانيةُ مُحضَرين. فالصَّيحةُ الواحِدةُ تُنهي الانقِسامَ بِالجَمع.
- مَعَ الغَيب في ٣:٤٤: كَونُ الاختِصامِ مِمّا يُوحى بِه في
أنباءِ الغَيبِ يَجعَلُ الانقِسامَ بَينَ النّاسِ مِمّا يُسَجَّلُ ولو لم يَحضُرْه أحَد.
الإشكالات المَفتوحة
- **«ألَدُّ الخِصام»: أالإضافةُ لِلمُبالَغةِ في الوَصفِ أم لِبَيانِ
الجِنس؟** الوَجهانِ مَرويّان، والمَعنى يَختَلِفُ: أشَدُّ الخُصومِ خُصومةً، أو أشَدُّ ما يَكونُ من الخِصام. مَفتوح.
- **«يَخِصِّمون» في ٣٦:٤٩: أهي «يَختَصِمون» بِالإدغامِ أم «يَخصِمُ
بَعضُهُم بَعضاً»؟** القِراءاتُ فيها مُتَعَدِّدة، والمَعنى في الوَجهَينِ انقِسام. مَفتوح.
- هل الخُصومةُ مَذمومةٌ لِذاتِها في القرآن؟ ٣:٤٤ يَمنَعُ ذلك،
والمَواضِعُ أربَعةٌ فَقَط. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ فيها خُصومةُ أهلِ النّار.