البقرة · الآية 39

﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ

«كَفَرُوا» من (ك ف ر): التَّغطيةُ بعدَ المَعرِفة

«الكُفر» في جذرِه (ك ف ر) ليس إنكاراً ابتدائيّاً، بل تَغطيةٌ لِما ظَهَر. ومنه يُسَمّى الفَلّاحُ «كافِراً» حينَ يَقلِبُ التُّربةَ على البَذر فَيَطمُرُها، وتُسَمّى اللَّيلةُ المُظلِمةُ «كافِرةً» لأنّها تُغَطّي النَّهار. فَالكافِرُ في لِسانِ القُرآنِ هو الذي رَأى ثمَّ طَمَر، لا الذي لم تَبلُغه الرِّسالة. ومن هُنا تَنسَجِمُ الآيتانِ 38 و39 انسِجاماً تامّاً: في السَّابقةِ حُتِمَ مَجيءُ الهُدى فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى﴾، وفي هذه حُكِمَ على الذينَ غَطَّوا ذلك الهُدى بعدَ أن جاءَهم. فالكُفرُ يَفتَرِضُ مَعرِفةً سابِقة: لا يُطمَرُ إلّا ما ظَهَر.

«كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا»: شَرطانِ لا شَرطٌ واحِد

لم تَقُل الآيةُ «وَالَّذينَ كَفَروا» فَحَسب، بل أَضافَت وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾. وهذا ليسَ تَكراراً لَفظيّاً بل جَمعٌ بَين طَورَين. «كَذَّبَ» على التَّشديدِ من (ك ذ ب) يُضاعِفُ التَّشويه: لا يَكتَفي بِتَحريفِ الحَقيقةِ مَرَّةً، بل يُنكِرُ وُجودَها أمامَ الآخَرين ويُبَلِّغُ تَشويهَها. وآيَاتِنَا﴾ جَمعُ «آية» من (أ ي ي) = عَلامةٌ تَدُلُّ على ما وراءَها. فالمَوصوفونَ هُنا طَمَروا العَلاماتِ بالكُفر، ثمَّ نَطَقوا بضِدِّها بالتَّكذيب: فِعلٌ داخِليّ (تَغطية) ثمَّ فِعلٌ خارِجيّ (إنكارٌ مُعلَن). فالحُكمُ لم يَلحَقْ مَن كَتَمَ في نَفسِه فَقَط، بل مَن كَتَمَ ثمَّ خَرَجَ يَطعَنُ في العَلامة. اقتِرانُ الشَّرطَينِ يَحمي البَريءَ من سوءِ الظَّنّ، ويَضبِطُ مَن يَستَحِقُّ الحُكم.

«أَصْحَابُ النَّارِ» من (ص ح ب): المُصاحَبةُ لا الزِّيارة

«الصَّحابة» من (ص ح ب) ليسَت زِيارةً عابِرة، بل رابِطةٌ مُستَدامة، قَويّةٌ ظاهِرة، يُعرَفُ بها الصاحِبُ بِصاحِبِه. ومنه «الصاحِبُ بالجَنْب» = المُلازِم. فَلَم تَقُل الآيةُ «الَّذينَ دَخَلوا النّار» ولا «المُعَذَّبونَ فيها»، بل نَسَبَت النّارَ إليهم نَسَبَ الصُّحبة: صاروا مَعَها شَيئاً واحداً. والنَّتيجةُ تَتَوَلَّدُ من الداخِل لا تُستَورَدُ من الخارِج: مَن طَمَرَ طُولَ عُمرِه ما يُرسَلُ إليه، صاغَ بِداخِلِه رَفيقاً لا يُفارِقُه، فَلَمّا كُشِفَ الغِطاءُ يَومَ الدِّينِ ظَهَرَ ما كانَ يُصاحِب. الجَزاءُ في القُرآنِ أَثَرٌ طَبيعيٌّ لِما صُنِع، لا عُقوبةٌ مُستَورَدةٌ من جِهةِ غَيرِ ذَواتِهم. والعَدالةُ المُطلَقةُ تُجَلّي لِكُلِّ نَفسٍ ما اكتَسَبَت من داخِلِها.

«خَالِدُونَ» من (خ ل د): البَقاءُ الطَّويل، ومُقابَلةُ طَمَعِ آدم

«خالِدونَ» من (خ ل د) = بَقاءٌ مُقيمٌ لا يَنقَطِع. والجذرُ يُفيدُ الدَّوامَ مَعَ الاحتِباس. وهذا الخَلَفُ يَقِفُ مُقابِلَ ما أَغرى به الشَّيطانُ آدمَ من قَبل: وَمُلْكٍ لَّا يَبْلَىٰ﴾. آدمُ أرادَ خُلداً كاذِباً في فُرصةٍ زائِلة، فَرَدَّه الرَّبُّ إلى التَّوبة. ومَن سارَ على أثَرِ أبيه في تَغطيةِ الآيات، لم يَنَلْ خُلدَه المَزعومَ في الأرض، لكنَّه نالَ خُلداً حقيقيّاً في النار: كُلُّ مَن طَلَبَ البَقاءَ في غَيرِ مَوضِعِه نالَه حَيثُ لا يُحِبّ. وهذه المُوازَنةُ تَفتَحُ المَشهَدَ التَّاليَ في السورة: بَينَ أصحابِ الجنّةِ الذينَ تَبِعوا الهُدى، وأصحابِ النّار الذين غَطَّوا وكَذَّبوا، الصِّراعُ الذي سَتُفَصِّلُه الآياتُ القادِمة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الكافِر» في القُرآنِ ليسَ هُوِيّةً بِعَيـنِها تُلصَقُ بفَردٍ مُعَيَّن، ولا انتِماءً لمِلّةٍ أخرى، بل دَورٌ يُؤَدّيه مَن اختارَ أن يُغَطّيَ ما أُرسِلَ إليه، ويُعلِنَ تَشويهَه. الدَّورُ هو الذي يَصوغُ النَّتيجة، وصُحبةُ النّارِ أَثَرُ الصُّحبةِ التي اختارَها صاحِبُها في الدُّنيا.


حَصيلة

الآيةُ تُغلِقُ القَوسَ الذي فُتِحَ في الآيةِ السَّابِقة: قَسيمُ مَن «تَبِعَ الهُدى» هو مَن غَطَّى وأَنكَر. الكُفرُ من جذرِ ك-ف-ر تَغطيةٌ لِما ظَهَر، لا إنكارٌ ابتِدائيٌّ بل فِعلٌ يَدَويٌّ مَقصودٌ كالفَلّاحِ يَقلِبُ التُّرابَ على البَذرةِ موضِعاً بَعدَ موضِع. ولأنَّ الآيةَ السَّابِقةَ ضَمِنَت مَجيءَ الهُدى حَتماً، فالكُفرُ هنا يَفتَرِضُ رُؤيةً سابِقة: الكافِرُ مَن رَأى ثمَّ طَمَر. ولَم تَقتَصِرِ الآيةُ على ذلك بل أَضافَت وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا﴾: طَوَرانِ مُتَتابِعان، كِتمانٌ داخِليٌّ ثمَّ إنكارٌ مُعلَنٌ يَخرُجُ إلى الجَماعة بِصيغةِ التَّشديدِ المُضاعِف. والآياتُ من جذرِ أ-ي-ي عَلاماتٌ مُؤَكَّدةٌ تَدُلُّ على ما وَراءَها. والنَّتيجةُ «أصحابُ النَّار» لا «مُعَذَّبونَ فيها»: الصُّحبةُ من جذرِ ص-ح-ب رابِطةٌ مُستَدامةٌ صُلبةٌ، شَيءٌ شَكَّلَه الإنسانُ في داخِلِه عَبرَ تَكرارِ فِعلِ التَّغطية، وحينَ يُكشَفُ الغِطاءُ يَومَ الدِّينِ يَظهَرُ ما كانَ يُصاحِبُ دائِماً. و«خالِدون» من جذرِ خ-ل-د بَقاءٌ مُحتَبَسٌ في فَضاءٍ لا يَتَحَوَّل، صَدىٌ مَقلوبٌ لِما وَعَدَ به الشَّيطانُ آدمَ من «مُلكٍ لا يَبلى»: مَن طَلَبَ الدَّوامَ في غَيرِ مَوضِعِه وَجَدَه حَيثُ لا يُريد. الجَزاءُ بِنيَويٌّ لا مُستَورَد: ما صاحَبتَ تَجِده، والكَلِمةُ قَبلَ المُصطَلَح.