آل عمران · الآية 11

﴿كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ ۚ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ ۗ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ

«كَدَأْبِ»: الفِعلُ الذي يَثبُتُ حتّى يَصيرَ مَجرىً

تَفتَحُ الكافُ بابَ المُقابَلة، فيُوضَعُ ما سَبَقَ من سُقوطِ الوَهْمِ إلى جِوارِ «دَأب» آلِ فِرعونَ والذينَ من قَبلِهم. والدَّأبُ من د-أ-ب، وهو يَحمِلُ ثَباتاً يَنقَطِعُ عليه الفِعلُ ثُمَّ يَلتَصِقُ بصاحِبِه، والدَّأبُ عَمَلٌ تَكَرَّر حتّى صارَ هيئةً يُعرَفُ بها مَجراه، وليس واقعةً مُنفَرِدة.

وأوثِرَ الاسمُ «دَأب» على سَردِ أفعالٍ كثيرة، والاسمُ يَجمَعُ المُتَفَرِّقَ في نَمَطٍ واحد، ثُمَّ تَذكُرُ الجُملةُ الفِعلَ الذي يَكشِفُه: «كَذَّبوا بآياتنا». وما يَتَكَرَّرُ يَصيرُ طريقاً يَحمِلُ أصحابَه إلى نَتيجتِه، ولا يَبقى حوادثَ مُبعثَرة.

«كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ»: تَكذيبٌ يَصِلُه الأخذ

و«كَذَّبوا» من ك-ذ-ب، وصيغةُ التفعيلِ تُثبِّتُ التَّكذيبَ فِعلاً مُتَكَرِّراً مُواجِهاً للآيات، والآياتُ علاماتٌ مُضافةٌ إلى المُتكلِّم في «آياتنا». ثُمَّ تأتي الفاءُ في «فأخذهم» فتَصِلُ المَقدِّمةَ بالنَّتيجةِ من غيرِ فاصلٍ في بِنْيةِ الجُملة. والأخذُ من أ-خ-ذ، ومَعناه قَبضٌ يَختَرِقُ ويَنفُذُ حتّى يَصيرَ المأخوذُ في حَوزةِ الآخِذ.

ولم تُخبِرِ الآيةُ بأنَّ العلاماتِ عَجَزَت حينَ كُذِّبَت، وإنَّما نَقَلَت أصحابَ الفِعلِ من مَوضِعِ التَّكذيبِ إلى مَوضِعِ المَفعولِ به في «فأخذهم»، فمَن حاوَلَ أن يُسقِطَ العلامةَ بقولِه صارَ هو داخِلَ الفِعلِ الذي لا يَدفَعُه قولُه.

«بِذُنُوبِهِمْ»: ما يَتبَعُ الفِعلَ حتّى يَلحَقَ صاحِبَه

والباءُ في «بذنوبهم» تَصِلُ الأخذَ بما صَدَرَ عنهم. والذَّنبُ من ذ-ن-ب، وهو نَفاذٌ يَنبَعِثُ ثُمَّ يَلتَصِق، كذَيلٍ يَتبَعُ صاحِبَه ولا يَنفَصِلُ عنه، ولذلك يَظهرُ الأخذُ هنا لُحوقاً لِما خَرَجَ من الفِعلِ بصاحبِه، غيرَ حَدَثٍ بلا مَقدِّمة.

وخُتِمَت الآيةُ بـ«شديد العقاب»، والعِقابُ من ع-ق-ب: ما يَأتي عَقِبَ الشيءِ مُتَّصِلاً به، ووَصفُه بالشَّديدِ يَمنَعُ تَوهينَ الصِّلة. فالدَّأبُ يَثبُت، والذَّنبُ يَلحَق، والعِقابُ يَجيءُ عَقِبَ ما سَبَق، وبهذا تَتَماسَكُ الآيةُ سِلسلةً مُتَّصِلةً، لا ضَرَباتٍ مُنفَصِلة.


حَصيلة

تَقرأُ الآيةُ الماضيَ في صورةِ دَأب، أي فِعلٍ تَكَرَّر حتّى ثَبَتَ مَجرىً، وكانَ قلبُه تَكذيبَ العلامات. ثمَّ تَصِلُ الفاءُ التَّكذيبَ بالأخذ، وتَصِلُ الباءُ الأخذَ بالذُّنوبِ التي لَحِقَت أصحابَها، والنَّتيجةُ تَخرُجُ من ذَيلِ النَّمَطِ وتَأتي عَقِبَه، غيرَ مُستَورَدةٍ من خارجِه. وما يَصيرُ دَأباً يَبني الطَّريقَ الذي يَبلُغُ به إلى آخِرِه، ولا يَقِفُ عند وَصفِ صاحِبِه.