طه · الآية 56
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«وَلَقَدْ أَرَيْنَاهُ»: ما كانَ عِلّةً يُقالُ الآنَ خَبَراً واقِعاً
في صَدرِ الآيةِ ثَلاثةُ أدَواتٍ قَبلَ الفِعل: واوٌ، ولامٌ، و«قَدْ». والفِعلُ بَعدَها ماضٍ. فالخَبَرُ مُؤَكَّدٌ مُحَقَّقٌ قد وَقَع.
وهذا الفِعلُ بِعَينِه سَبَقَ في مَوضِعَينِ لا بِصيغةِ الخَبَرِ بَل بِصيغةِ الغاية: لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا﴾ في مَطلَعِ السّورةِ التي قَبلَ هذه، ثُمَّ لِنُرِيَكَ مِنْ آيَاتِنَا الْكُبْرَى﴾ في هذه السّورةِ نَفسِها.
هُناكَ لامُ التَّعليلِ وفِعلٌ لم يَقَعْ بَعد، وهُنا لامُ التَّوكيدِ وفِعلٌ وَقَع. الغايةُ التي عُلِّقَ بِها مَقامانِ تُقالُ في المَرّةِ الثّالِثةِ مَقضِيّةً. ما كانَ يُنتَظَرُ صارَ يُخبَرُ عنه.
«آيَاتِنَا كُلَّهَا»: التَّبعيضُ يَسقُطُ في المَرّةِ الثّالِثة
قِفْ عِندَ حَرفٍ غائِب. في المَوضِعَينِ السّابِقَينِ «مِنْ آيَاتِنَا»، وفي هذا المَوضِعِ «آيَاتِنَا» بِلا «مِنْ». سَقَطَتِ التَّبعيضِيّةُ، ولم يُترَكِ الأمرُ عِندَ سُقوطِها.
بَل أُتبِعَ بِـ«كُلَّهَا» تَوكيداً. فلم يُكتَفَ بِرَفعِ حَرفِ التَّبعيضِ حتّى نُصَّ على الشُّمولِ نَصّاً. مَرَّتانِ يُعرَضُ بَعضٌ، ومَرّةً يُعرَضُ الكُلّ.
وهذا أشَدُّ ما في السَّطر. المَعروضُ في المَقامَينِ الأوَّلَينِ قِطعةٌ من جُملة، والمَعروضُ هُنا الجُملةُ كُلُّها. لم يَبقَ في الجَعبةِ ما يُقالُ إنَّه لَو عُرِضَ لَكانَ غَيرَ ما كان.
«ـهُ»: مَن عُرِضَ عَلَيه لا يُسَمّى في السَّطر
المَفعولُ الأوَّلُ ضَميرٌ مُتَّصِلٌ لا اسم. عُرِضَ الكُلُّ على «ـهُ»، وما في الآيةِ حَرفٌ يُسَمّيه.
وقد جَرى الحِوارُ قَبلَ هذا السَّطرِ على «قَالَ» بِلا فاعِلٍ ظاهِرٍ أيضاً. فالسّائِلُ لم يُسَمَّ حينَ سَألَ، ولا يُسَمّى الآنَ حينَ يُخبَرُ عنه. تُقرَأُ الضَّمائِرُ كما وَرَدَت ولا يُملَأُ مَوضِعُ الاسم.
و«آيَاتِنَا» مُضافةٌ إلى نونِ المُتَكَلِّم، وهي النّونُ التي جَرَت في السُّطورِ الثَّلاثةِ قَبلَ هذا. الجِهةُ المُتَكَلِّمةُ مُسَمّاةٌ بِضَميرِها، والمُخاطَبُ بِها مَتروكٌ ضَميراً غائِباً. تُسَمّى اليَدُ التي تَعرِضُ ولا يُسَمّى الوَجهُ الذي يُعرَضُ عَلَيه.
«فَكَذَّبَ وَأَبَىٰ»: فِعلانِ لا مَفعولَ لِواحِدٍ منهُما
الفاءُ تُعَقِّبُ بِلا مُهلة. لا «ثُمَّ» هُنا ولا فاصِل: عَرضٌ فتَكذيبٌ فإباء.
و«كَذَّبَ» على وَزنِ فَعَّل، وهو تَصييرُ الشَّيءِ كَذِباً لا الكَذِبُ في نَفسِه. وقد جاءَ بِلا مَفعول: لم يُقَلْ «فكَذَّبَها». والجَذرُ ك-ذ-ب كَتمٌ يَخرُجُ منه ما كُتِمَ على غَيرِ وَجهِه ثُمَّ يُتَمَسَّكُ بِه، فلَيسَ إخفاءً فَحَسب بَل تَقديمُ صورةٍ مَكتومةٍ مَكانَ الأصل.
و«أَبَىٰ» كَذلِكَ بِلا مَفعول. والجَذرُ أ-ب-ي قَطعٌ تامٌّ يُتَمَسَّكُ بِه ثُمَّ يَسري ويَدوم: رَفضٌ لا يَتَراجَعُ ولا يُعَلَّلُ بِشَيءٍ خارِجٍ عنه.
فقابِلْ بَينَ الشَّطرَين. في الأوَّلِ ثَلاثُ أدَواتِ تَوكيدٍ ومَفعولانِ وتَوكيدٌ بِـ«كُلَّهَا»، وفي الثّاني فِعلانِ عارِيانِ لا مَفعولَ لَهُما ولا صِفة. كُلُّ ما يُعرَضُ في نِصفِ سَطر، ونِصفُ سَطرٍ يَرُدُّه بِكَلِمَتَين. لَيسَ الشُّحُّ في المَعروضِ إذَن، ولا في العَينِ التي رَأَت.
حَصيلة
ثَلاثُ أدَواتِ تَوكيدٍ ثُمَّ فِعلٌ ماضٍ، فما كانَ في مَوضِعَينِ عِلّةً مُعَلَّقةً بِلامِ التَّعليلِ يُقالُ هُنا خَبَراً مَقضِيّاً. وفي المَرّةِ الثّالِثةِ يَسقُطُ حَرفُ التَّبعيضِ الذي كانَ في المَرَّتَينِ قَبلَها، ولا يُكتَفى بِسُقوطِه حتّى يُنَصَّ على الشُّمولِ بِـ«كُلَّهَا». عُرِضَ بَعضٌ مَرَّتَينِ وعُرِضَ الكُلُّ مَرّة، فلم يَبقَ ما يُقالُ إنَّه لَو عُرِضَ لَتَبَدَّلَ الأمر. والمَعروضُ عَلَيه ضَميرٌ لا اسمَ لَه، كما جَرَت أقوالُه قَبلَ ذلك بِلا فاعِلٍ يُسَمّى، فتُسَمّى الجِهةُ العارِضةُ بِنونِها ويُترَكُ المُخاطَبُ غائِباً. ثُمَّ تُعَقِّبُ الفاءُ بِلا مُهلةٍ فِعلَينِ لا مَفعولَ لِواحِدٍ منهُما: تَصييرٌ لِلشَّيءِ كَذِباً على وَزنِ فَعَّل، وقَطعٌ مُتَمَسَّكٌ بِه يَسري ويَدوم. شَطرٌ فيه كُلُّ ما يُعرَض، وشَطرٌ يَرُدُّه بِكَلِمَتَين.