الطُّلوع
بُروزُ ما كانَ مَحبوساً تَحتَ غِطاءٍ حَتّى يُشرِفَ على ما دونَه. المُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا مَقروناً بِحَرفِ الاستِعلاءِ أو بِمَوضِعٍ يُشرَفُ مِنه، فالإشرافُ من صُلبِ المَعنى لا من صِلَتِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ط: الإطباقُ العَريضُ والتَّغطِية، ثُمَّ الاحتِباسُ والضَّغط، ثُمَّ
الانبِساطُ والانتِشارُ الثَّقيل. شِحنَتُه: إطباقٌ عَريضٌ يَحبِسُ ما تَحتَهُ بِثِقَل.
- ل: التَّعَلُّقُ والالتِصاقُ والحَوز، ثُمَّ الامتِدادُ والانسِيابُ
والانتِشار. شِحنَتُه: تَعَلُّقٌ يَمتَدُّ مُنسابًا فَوقَ ما تَعَلَّقَ بِه.
- ع: القَبضُ والالتِحامُ الحَلقِيّ، ثُمَّ الجَريانُ والامتِدادُ في
المَضيق، ثُمَّ الظُّهورُ من العُمق. شِحنَتُه: ظُهورٌ من العُمقِ إلى الخارِج.
النَّواةُ طل (ط + ل) = إطباقٌ يَمتَدُّ فَوقَ ما تَحتَه: غِطاءٌ يَنبَسِطُ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِما غَطّاه. ومنه الطَّلُّ نَدىً يَنبَسِطُ على الأرضِ فيَعلوها، والإطلالُ إشرافُ الشَّيءِ على ما دونَهُ من عُلُوّ. والإغلاقُ بـع يَقلِبُ الجِهة: ما كانَ مَحبوساً تَحتَ الغِطاءِ يَظهَرُ من العُمقِ إلى الخارِج، فيَصيرُ الجَذرُ خُروجاً من تَحتِ ساتِرٍ إلى مَوضِعٍ يُشرَفُ مِنه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: طَلَعَتِ الشَّمسُ إذا خَرَجَت من تَحتِ الأُفُقِ فأشرَفَت على الأرض، والطَّليعةُ مَن يَتَقَدَّمُ القَومَ فيُشرِفُ على ما أمامَهُم، وطَلعُ النَّخلِ ما يَنشَقُّ عنهُ كِمامُهُ فيَبرُز، واطَّلَعَ على الأمرِ إذا بَلَغَ ما كانَ مَستوراً دونَه.
الشِّحنةُ الجامِعة: بُروزُ ما كانَ مَحبوساً تَحتَ ساتِرٍ حَتّى يُشرِفَ على ما دونَه.
وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: الطُّلوعُ لَيسَ ظُهوراً مُجَرَّداً، فإنَّ الظُّهورَ لا يَقتَضي عُلُوّاً ولا ساتِراً سابِقاً. الطُّلوعُ يَقتَضيهِما مَعاً: حَجباً قَبلَه، وإشرافاً بَعدَه. ولِذلكَ لَزِمَهُ في المَنشورِ حَرفُ الاستِعلاءِ حَيثُ كانَ مُتَعَدِّياً، ولَزِمَتهُ جِهةُ المَشرِقِ حَيثُ كانَ لازِماً.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- لِيُطْلِعَكُمْ (مُضارِعٌ من وَزنِ أَفعَلَ، مَنصوبٌ بِلامِ الجُحود)،
٣:١٧٩: التَّعديةُ تَجعَلُ الفاعِلَ هو الذي يُبلِّغُ غَيرَهُ مَوضِعَ الإشراف، والمَفعولُ الثاني مَجرورٌ بِحَرفِ الاستِعلاء.
- طُلُوعِ (مَصدَرٌ مُضافٌ مَجرور)، ٢٠:١٣٠: الحَدَثُ مُجَرَّداً عن
فاعِلِه، مُضافاً إلى الشَّمسِ فيَصيرُ وَقتاً يُحَدُّ بِه.
- مَطْلَعِ (اسمُ مَكانٍ أو زَمانٍ مُضافٌ مَجرور)، ٩٧:٥: الوَزنُ يَنقُلُ
الحَدَثَ إلى مَوضِعِهِ أو أوانِه، فيَصيرُ الطُّلوعُ حَدّاً يُنتَهى إليه.
- تَطَّلِعُ (مُضارِعٌ من وَزنِ افتَعَلَ بِإدغام)، ١٠٤:٧: الافتِعالُ
يَجعَلُ الحَدَثَ مَطلوباً لِلفاعِلِ مُتَكَلَّفاً فيه، فالنّارُ تَبلُغُ مَوضِعَ الإشرافِ بِنَفسِها لا بِمُبلِّغ.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: الخُروجُ من تَحتِ ساتِرٍ إلى إشراف، من الحُروف.
والأوزانُ بَعدَ ذلكَ تُوَزِّعُهُ بَينَ إبلاغٍ ووَقتٍ ومَوضِعٍ وتَكَلُّف.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور. والوَجهانِ اللَّذانِ قَد يُظَنُّ افتِراقُهُما، طُلوعُ الجِرمِ في الأُفُقِ واطِّلاعُ المُشرِفِ على المَستور، وَجها شِحنةٍ واحِدةٍ لا وَجها جَذرَين: الأوَّلُ خُروجٌ من تَحتِ ساتِرٍ حِسِّيّ، والثاني بُلوغٌ لِمَوضِعٍ يُرى مِنهُ ما كانَ الساتِرُ يَحجُبُه.
المَواضع: مَواقعُ الطُّلوعِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٧٩ ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. أوَّلُ دُخولٍ لِلجَذرِ دُخولٌ في نَفيٍ
مُؤَكَّدٍ بِلامِ الجُحود، والمَنفِيُّ إبلاغُ النّاسِ مَوضِعَ الإشرافِ على الغَيب. والحَرفُ «عَلَى» يَكشِفُ الجِهةَ التي أعطَتها الحُروف: الاطِّلاعُ وُقوفٌ فَوقَ الشَّيءِ لا وُصولٌ إليه. وقَد سَبَقَ في الآيةِ نَفسِها ﴿حَتَّىٰ يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾: التَّمييزُ يَقَعُ بِالابتِلاءِ لا بِرَفعِ السِّتر، فالسّاتِرُ باقٍ والفَرزُ يَجري من تَحتِه.
- ٢٠:١٣٠ ﴿وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا﴾: الجَديدُ: الجَذرُ يَنتَقِلُ من فِعلٍ يُنفى إلى مَصدَرٍ
يُوَقَّتُ بِه. والطُّلوعُ هُنا مُضافٌ إلى الشَّمسِ فيَصيرُ حَدّاً زَمَنِيّاً، ويُقابَلُ بِالغُروبِ في السَّطرِ نَفسِه، فيَظهَرُ الوَجهُ الحِسِّيُّ لِما كانَ في المَوضِعِ الأوَّلِ مَعنَوِيّاً: خُروجُ الجِرمِ من تَحتِ الأُفُقِ هو نَفسُهُ خُروجُ المَستورِ إلى الإشراف.
- ٩٧:٥ ﴿سَلَامٌ هِيَ حَتَّىٰ مَطْلَعِ الْفَجْرِ﴾: الجَديدُ: الجَذرُ يَصيرُ اسمَ مَوضِعٍ لا مَصدَراً ولا
فِعلاً، ويُضافُ إلى الفَجرِ لا إلى الشَّمس. وهذا أدَقُّ مِمّا سَبَق: المَطلَعُ نُقطةُ الخُروجِ نَفسُها، والفَجرُ أوَّلُ ما يَنشَقُّ عنهُ السّاتِر. و«حَتَّىٰ» تَجعَلُ المَطلَعَ غايةً يَنتَهي إليها السَّلام، فالحَدُّ مَأخوذٌ من مَوضِعِ الطُّلوعِ لا من تَمامِه.
- ١٠٤:٧ ﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾: الجَديدُ: الفاعِلُ نارٌ لا جِرمٌ سَماوِيٌّ ولا فاعِلٌ
يُبلِّغُ غَيرَه، والمُشرَفُ عليهِ أفئِدةٌ لا آفاق. ووَزنُ الافتِعالِ يَجعَلُ البُلوغَ مَطلوباً لِلنّارِ نَفسِها، فتَخرُجُ من مَوقِدِها حَتّى تُشرِفَ على أخفى ما في الإنسان. وهذا أبعَدُ ما يَبلُغُهُ الجَذرُ في المَنشور: السّاتِرُ الذي يُخرَقُ لَيسَ أُفُقاً ولا غَيباً بَل غِلافَ الفُؤاد.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ghayb: ٣:١٧٩ تَجعَلُ الغَيبَ المَوضِعَ الوَحيدَ الذي يُنفى
الاطِّلاعُ عليه، فالسّاتِرُ هُناكَ لا يُرفَعُ بِإبلاغٍ لِلنّاس.
shamsوgharb: ٢٠:١٣٠ تَقرِنُ طُلوعَ الشَّمسِ بِغُروبِها،
فالجَذرانِ حَدّا نَهارٍ واحِدٍ من طَرَفَيه.
tasbih: الآيةُ نَفسُها تَجعَلُ الطُّلوعَ حَدّاً لِلتَّسبيح، فالوَقتُ
مَأخوذٌ من حَرَكةِ جِرمٍ لا من عَدَدِ ساعات.
fajr: ٩٧:٥ تُضيفُ المَطلَعَ إلى الفَجر، فمَوضِعُ الخُروجِ هو أوَّلُ
الانشِقاق.
laylaوqadr: الآيةُ نَفسُها تَجعَلُ مَطلَعَ الفَجرِ غايةَ
لَيلةٍ مَوصوفةٍ بِالقَدر، فالحَدُّ الأعلى لِلَّيلِ مَأخوذٌ من الجَذر.
hutamaوfu2ad: ١٠٤:٧ تَجعَلُ الأفئِدةَ مَوضِعَ الإشرافِ
لِنارِ الحُطَمة، فالجَذرُ يَصِلُ بَينَ النّارِ وأخفى ما تُصيبُه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل الاطِّلاعُ رُؤيةٌ أم عُلُوّ؟ كُلُّ مُتَعَدٍّ من الجَذرِ في
المَنشورِ يَتَعَدّى بِـ«عَلى» (٣:١٧٩ و١٠٤:٧)، وكُلُّ لازِمٍ مِنهُ مَقرونٌ بِمَوضِعِ خُروجٍ (٢٠:١٣٠ و٩٧:٥). والحُروفُ تُعطي الإشرافَ لا النَّظَرَ وَحدَه. مَوقِفُنا: العُلُوُّ هو الأصلُ في الجَذر، والرُّؤيةُ لازِمٌ لَهُ لِأنَّ المُشرِفَ يَرى ما دونَه.
- **لِمَ جاءَ الوَجهُ المُتَعَدّي مَنفِيّاً في أوَّلِ مَواضِعِهِ وثابِتاً في
آخِرِها؟** ٣:١٧٩ تَنفي إبلاغَ النّاسِ مَوضِعَ الإشرافِ على الغَيب، و١٠٤:٧ تُثبِتُ إشرافَ النّارِ على الأفئِدة. والسُّؤالُ قائِمٌ: أيَجري هذا على قاعِدةٍ في الجَذرِ تَقصُرُ الاطِّلاعَ الثابِتَ على غَيرِ الإنسان.