القدر · الآية 5
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«سَلامٌ هي»: التَّقديمُ يَجعَلُ اللَّيلةَ هَيئَةَ السَّلام
التَّقديمُ يَكشِفُ ما لا يَكشِفُه التَّأخير. لو قِيلَ «هي سَلامٌ» لَكانَ السَّلامُ صِفَةً لِلَّيلة، تَنطَبِقُ عَلَيها كَما تَنطَبِقُ سائرُ الصِّفاتِ على المَوصوفات. وَلكنّ التَّقديمَ يُحَوِّلُ السَّلامَ إلى ماهِيَّة. السَّلامُ هو الكِيانُ، وَاللَّيلةُ هي صورَتُه الزَّمَنيَّة. ليسَت اللَّيلةُ سَلِمَةً، بل اللَّيلةُ سَلامٌ.
وَهذا تَوازٍ بَنيَويٌّ مَع الآيةِ الأُولى. هُناكَ ضَميرٌ بِلا مَرجِعٍ نَصِّيّ: الهاءُ في «أَنزَلناه» تَعودُ على شَيءٍ يُفتَرَضُ عِلمُه. وَهنا الضَّميرُ «هِي» يَأتي بَعدَ الخَبَر، فَيُؤَكِّدُ ماهِيَّةَ المُسَمَّى قَبلَ نُطقِ الاسم. السورةُ تَفتَتِحُ نَفسَها بِضَميرٍ يَسبِقُ الإسم، وَتَختِمُ نَفسَها بِخَبَرٍ يَسبِقُ الضَّمير. كأنَّ النَّصَّ كلَّه يَتَحَرَّكُ في فَضاءِ ما لا يُحاطُ به بِالتَّعريف.
وَفي البَقَرة، حين يُذكَرُ السَّلامُ في تَحيَّةِ أَهلِ الجَنَّة، يَأتي بِنَفسِ الكَثافَة: تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلَامٌ﴾ (في إبراهيم، لكنّ النَّسَقَ بَنيَويّ في القُرآنِ كلِّه). التَّحيَّةُ سَلامٌ، وَاللَّيلةُ سَلامٌ. ما يُسَلِّمُ به أَهلُ الجَنَّة، تَكونُه ليلَةُ القَدر. الهَيئَةُ نَفسُها تَنزِلُ على الأَرضِ ليلَةً واحِدَةً في السَّنة.
«حَتّى مَطلَعِ الفَجر»: الغايَةُ التي تَفتَحُ ما بَعدَها
«حَتّى» للغايَة، وَالغايَةُ في العَرَبيَّةِ ما يَنتَهي عِندَه الشَّيءُ. فَالسَّلامُ يَستَمِرُّ إلى أن يَطلُعَ الفَجر. وَالطُّلوعُ في الجَذرِ (ط-ل-ع) خُروجُ ما كانَ مَستوراً إلى الإطِّلاع، صُعودٌ من الباطِنِ إلى الظاهِر. كأنَّ ما تَوَزَّعَ في اللَّيلةِ يَخرُجُ في الفَجرِ ليَدخُلَ في النَّهار.
وَ«الفَجر» في جَذرِه (ف-ج-ر) انشِقاقٌ بارِزٌ يَستَرسِل: تَفرُّقٌ يَبرُز، انشِقاقٌ يَكشِفُ ما بِداخِلِه. وَهذا الجَذرُ بِعَينِه نَلتَقيه في سورَةِ الفَلَق: قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾. الفَلَقُ شَقٌّ يَخرُجُ منه الفَجر. السورَتانِ تَنتَهيان إلى الجَذرِ نَفسِه: ليلَةُ القَدرِ تَستَمِرُّ حَتّى مَطلَعِ الفَجر، وَنَستَعيذُ بِرَبِّ الفَلَقِ الذي يَفلِقُ الإصباح. الجَذرُ واحدٌ في صُورَتَين: ما يَنشَقُّ ليُخرِجَ النّورَ، وَما نَلجَأُ إلى رَبِّه ليَحمينا فيه.
وَالغايَةُ هنا ليسَت إنهاءَ السَّلام، بل تَوقيتاً لِنُزولِه. السَّلامُ يَنزِلُ في تلك اللَّيلةِ بِكَثافَةٍ خاصَّة، حَتّى يَنشَقَّ الفَجرُ فَيَدخُلَ نَهارٌ جَديد. وَالنَّهارُ نَفسُه يَستَمِرُّ بِأَثَرِها، وَلكنّ الكَثافَةَ المَخصوصَةَ تَنتَهي عِندَ الانشِقاق. ما تَوَزَّعَ في اللَّيلِ يَدخُلُ في النَّهارِ مُقَسَّماً.
السورةُ تَنغَلِقُ على ما تَفتَتِحُ به
الآيةُ الأُولى افتَتَحَت بِفِعلٍ مُنجَز: «أَنزَلناه». الآيةُ الأَخيرةُ تَنتَهي بِغايَةٍ زَمَنيَّة: «حَتّى مَطلَعِ الفَجر». بَينَهُما خَمسُ آياتٍ تَكشِفُ ما يَجري في هذه اللَّيلة. وَإذا كانَ الإنزالُ في الأُولى نُفوذاً مُكتَنِزاً يَتَعَلَّقُ بِمَوضع، فَإنَّ مَطلَعَ الفَجرِ في الخامسَةِ انشِقاقٌ يُخرِجُ ما تَعَلَّق. النَّصُّ يَفتَتِحُ بِما يَدخُل، وَيَختِمُ بِما يَخرُج.
وَالقارئُ الذي يَقومُ هذه اللَّيلةَ يَقومُ بَينَ هَذَين: بَينَ نُزولٍ يَدخُلُ في القَلبِ بِسَلام، وَفَجرٍ يَنشَقُّ فيُخرِجُه إلى النَّهار. وَلِذلِكَ كانَت ليلَةُ القَدرِ ليلَةَ تَجَدُّدٍ سَنَويّ: السَّلامُ يَدخُلُ، فَيَنزِلُ، فَيَتَوَزَّع، فَيَخرُجُ مع الفَجرِ في صورَةِ يَومٍ جَديدٍ يَحمِلُ في طَيَّاتِه ما تَنَزَّلَ في ليلَتِه.
وَ«الكَلِمَةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، وَالدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيَّة». ليلَةُ القَدرِ في هذه السورةِ ليسَت مُصطَلَحاً يُحَدَّد، بل دَورٌ يُؤَدّى: نُزولٌ، تَوزيع، سَلام، انشِقاق. وَمَن أَرادَ أن يَعرِفَها لا يَعرِفُها بِتَعريفٍ يَجمَعُها، بل بِأن يَكونَ في القَلبِ مَوضعَها، فَتَكونَ هي فيه.
الجِذرُ يَعبُرُ الألسُن: «سَلام» و«shalom»
الكَلِمةُ التي تَختِمُ بها السورةُ ليسَت كَلِمةً عَرَبيّةً وَحدَها. الهَيكَلُ الصَّوتيُّ س-ل-م يَتَكَرَّرُ في ألسُنِ السامِيّاتِ كلِّها بنَفسِ النَّواة: انسيابٌ مُكتَمِلٌ يَنطَوي على نَفسِه دونَ ثُلمة. في العَرَبيّةِ سَلام. في العِبريّةِ shalom (שָׁלוֹם)، التَّحيّةُ التي يَتَبادَلُها النّاسُ في القُدسِ مُنذُ ألوفِ السِّنين. في الآراميّةِ، لِسانِ المَسيحِ نَفسِه، shlama (שלמא)، نَفسُ الكَلِمة، نَفسُ المعنى. ثَلاثُ ألسُنٍ سَمَتها أَلسُنَ الوَحي، وَواحِدةٌ هي النَّواةُ بَينَها: الكَمالُ المَوصولُ الذي لا يَنفُذُ فيه شَيء.
وَعَلى هذا الإصغاء، أَصدَقُ تَرجَمةٍ للآيةِ بالإنكليزيّةِ ليسَت "It is peace"، بل "It is shalom". وَأَصدَقُها بالفَرَنسيّةِ ليسَت "Elle est paix"، بل "Elle est shalom". القارئُ المُعاصرُ يَعرِفُ كَلِمةَ shalom مِن طُفولَتِه: تَحيّةً، اسمَ عَلَمٍ، عُنواناً يَتَرَدَّدُ في الأخبارِ وَالأَناشيد. حينَ تَقولُ له الآيةُ «سَلامٌ هي»، فَهو يَسمَعُ shalom في فَمِه قَبلَ أن يَقرَأَ تَفسيراً. اللَّيلةُ التي يَنزِلُ فيها القُرآنُ هي shalom نَفسُه، الذي يَنطُقُ به العِبريُّ في صَلاتِه وَالعَرَبيُّ في تَحيّتِه وَالآراميُّ في إِنجيلِه. ليلَةٌ واحِدةٌ تَجمَعُ الألسُنَ كلَّها على نَواةٍ واحِدةٍ من الكَمال.
الكَلِمةُ تَعبُرُ ألسُنَ البَشَر، ومَعناها يَبقى ثابِتاً في هَيكَلِها الصَّوتيّ. وَما خَتَمَت به سورةُ القَدرِ يَختِمُ به كلُّ مُؤمنٍ صَلاتَه: shalom، سَلام، shlama، هَيكَلٌ واحدٌ يَطمَئنُّ فيه فَمُ الإنسان.
حَصيلة
الخاتِمَةُ بِتَقديمٍ مَقصود: «سَلامٌ هِيَ» لا «هي سَلامٌ». التَّقديمُ يُحَوِّلُ السَّلامَ (س-ل-م) من صِفَةٍ تَنطَبِقُ على اللَّيلةِ إلى ماهِيَّةٍ هي ما تَكونُه: اللَّيلةُ ليسَت سَلِمَةً، بل اللَّيلةُ سَلامٌ. والجَذرُ يَدورُ على تَرْكِ الشَّيءِ بِلا خَلَلٍ يَنفُذُ فيه. اللَّيلةُ التي تَنزِلُ فيها المَقاديرُ وَتَتَنَزَّلُ فيها المَلائكةُ، لا يَتَخَلَّلُ هذه الحَركةَ شَيءٌ يَكسِرُها. «حَتّى مَطلَعِ الفَجر» (ط-ل-ع) غايَةٌ تَفتَحُ ما بَعدَها: الطُّلوعُ في الجَذرِ خُروجُ ما كانَ مَستوراً. السورةُ افتَتَحَت بِالسَّترِ (اللَّيل) وَتَنتَهي بِالانشِقاق (الفَجر). والخَمسُ آياتٍ تَتَدَرَّجُ: إنزالٌ مَفروغٌ منه، سؤالٌ مُهيب، مُقارَنةٌ تَفتَحُ لا تُغلِق، تَنَزُّلٌ مُتَجَدِّد، وَسَلامٌ يَستَوعِبُ كلَّ ما قَبلَه.