الهمزة · الآية 7

﴿الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ

«تَطَّلِعُ»: فِعلُ الصُّعودِ من تَحت، لا النُّزولِ من فَوق

الجِذرُ ط-ل-ع في كَلامِ العَرَبِ يَدُلُّ على ظُهورٍ يَأتي بِحَرَكةٍ صاعِدة، فطَلَعَتِ الشَّمسُ إذا ظَهَرَت بِصُعودٍ مِنَ الأُفُق، وطَلَعَ الثَّمَرُ إذا ظَهَرَ بِنُمُوٍّ مِنَ الجِذع، وطَلَعَ العَلَمُ إذا رُفِعَ على ما تَحتَه، وتَجمَعُ هذه الصُّوَرَ كُلَّها صورةٌ واحِدة: ظُهورٌ صاعِدٌ يَكشِفُ ما تَحتَه.

والصّيغةُ هُنا «تَطَّلِعُ» على وَزنِ افتَعَلَ، وهو يَزيدُ على الجِذرِ شَحنةَ التَّكَلُّفِ والحَرَكةِ المُوَجَّهة، فهو اطِّلاعٌ مُوَجَّه، لا طُلوعٌ عَفوِيٌّ (كطُلوعِ الشَّمسِ كُلَّ يَومٍ بِنِظامِها)، أي حَرَكةُ صُعودٍ تَستَهدِفُ مَوضِعاً بِعَينِه، وتَختارُ ما تَطَّلِعُ عَلَيه. والنّارُ هُنا تَختارُ مَوضِعاً فتَصعَدُ إلَيه وتَطَّلِعُ عَلَيه، وهي غَيرُ مُتَعَمِّمةٍ على الجَسَدِ كُلِّه.

وفي إيثارِ «تَطَّلِعُ» على «تَنزِلُ» انعِكاسٌ لِبُنيةِ النّارِ كُلِّها، فالنّارُ المَعروفةُ في الدُّنيا تَنزِلُ على ما تُحرِقُه، فتَهبِطُ على الحَطَبِ وتَأكُلُه مِن فَوق، وأمّا نارُ الحُطَمةِ فتَطَّلِع: تَخرُجُ مِن باطِنِ المَنبوذِ نَفسِه، وتَنبُتُ مِن قَلبِه، وتَطلُعُ كالشَّمسِ مِنَ الأُفُقِ نَفسِه الذي صَنَعَ فيه نِيّةَ النَّخس. والنّارُ هي ما كانَ في صَدرِه يَحتَرِقُ بِصَمتٍ طَوالَ حَياتِه، وليسَت خارِجةً عَنه.

«الأَفئِدَة»: المَوضِعُ الذي يَنعَقِدُ فيه القَصد

ويَستَعمِلُ القُرآنُ في الكَلامِ على باطِنِ الإنسانِ ثَلاثَ كَلِماتٍ مُتَمايِزة: القَلبَ، والصَّدرَ، والفُؤاد. فالقَلبُ مَوضِعُ التَّقَلُّبِ بَينَ الحالَين، والصَّدرُ ما يَتَّسِعُ ليَسَعَ ما يَدخُلُه ويَضيقُ بِه ما يَأباه، والفُؤادُ مَوضِعُ النِّيّةِ المَعقودة، وهو الجَمرةُ الباطِنةُ التي تَتَّقِدُ بِالقَصد.

والجِذرُ ف-أ-د في اللِّسانِ العَرَبِيِّ يَدُلُّ على الحَرارةِ التي تَأتي بِفِعلِ الإشواءِ على النّار، تَقولُ العَرَب: فَأَدَ اللَّحمَ في النّار، أي شَواه على جَمر، والمُفتَأَدُ مَوضِعُ الإشواء. والفُؤادُ في الإنسانِ، في تَأويلٍ لُغَوِيٍّ عَميق، جَمرةٌ تَتَّقِدُ في باطِنِه، يُشوى عَلَيها ما يُلقى إلَيها مِن قَصدٍ ونِيّة، ولِذلك سُمِّيَ فُؤاداً، لأنَّه يَفأَدُ كُلَّ ما يَدخُلُ إلى ساحَتِه، فيَقلِبُه على نارِه حَتّى يَنضَج.

وفي هذه التَّسمِيةِ إعجاز، فالنّارُ التي تَطَّلِعُ على الأفئِدةِ تَطَّلِعُ على ما هو في طَبيعَتِه نارٌ صَغيرة، وكَأنَّ نارَ الحُطَمةِ تَلتَقي بِنارِ الفُؤادِ فتَكشِفُها على حَقيقَتِها. ومَن أوقَدَ في فُؤادِه نارَ الكَراهِيةِ والنَّخسِ التَقى بِه مَن أوقَدَ نارَه على نِيَّتِه، والنّارانِ مِن جِذرٍ واحِد: واحِدةٌ صَغيرةٌ صَنَعَها بِيَدِه، وأُخرى عَظيمةٌ تَصعَدُ إلَيها لِتَفضَحَ نَسَبَها.

سَلسَلَةُ الانعِكاس: المُسَلسَلُ الذي تَفُكُّه السورَة

وتَكشِفُ الآيةُ سِلسِلةً مُتَكامِلةً لانعِكاسِ الفِعلِ على فاعِلِه: فالهُمَزةُ كانَ يَنخُسُ النّاسَ بِعَينٍ تَتَّجِهُ إلى مَوضِعِ ضَعفِ المَنخوس، والنّارُ هُنا تَفعَلُ ما كانَ يَفعَل، فتَتَّجِهُ إلى مَوضِعِ الفُؤاد، وهو أدَقُّ ما في الإنسان. واللُّمَزةُ كانَ لِسانُه يَلتَفُّ على المَلموزِ ثُمَّ يَنفُذُ بِحَدّ، والنّارُ تَطَّلِعُ على فُؤادِه، فتَلتَفُّ عَلَيه ثُمَّ تَنفُذ.

والبَقَرةُ في صورةٍ تَكشِفُ ما يَستَوجِبُ هذه النّار: خَتَمَ اللَّهُ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ﴾، فهُناكَ القُلوبُ مَختومةٌ بِخَتمٍ يُغلِقُ عَلَيها، وهُنا الأفئِدةُ تَنفَتِحُ على نارٍ تَطَّلِعُ عَلَيها. والذي يَختِمُ على قَلبِه بِيَدِه يَنتَهي إلى أن يُكشَفَ فُؤادُه أمامَ نارٍ تَنبُتُ مِنه، والخَتمُ كانَ بِفِعلِ صاحِبِه، والكَشفُ بِفِعلِ النَّصّ.

وهذه السّورةُ في تِسعِ آياتٍ تَفُكُّ سِلسِلةً كامِلة: نِيّةٌ تَنعَقِدُ في الفُؤاد، وتَخرُجُ بِالعَينِ واللِّسان، وتَدورُ على المال، وتَنعَقِدُ على وَهمِ الخُلود، وتَنقَلِبُ بِنَبذٍ يَلتَقي بِنارٍ تَصعَدُ إلى نَفسِ المَوضِعِ الذي بَدَأَت مِنه. والدّائِرةُ تَكتَمِل، والنُّقطةُ التي خَرَجَ مِنها الشَّرُّ هي النُّقطةُ التي يَعودُ إلَيها العِقاب.


حَصيلة

تُكَمِّلُ الآيةُ تَعريفَ الحُطَمةِ بِصِفةٍ لا تُتَوَقَّع، فعُدِلَ عن نَحوِ «التي تُحرِقُ الجُلود» و«التي تَنزِلُ على الأَجساد» إلى «التي تَطَّلِعُ على الأَفئِدَة»، وهو فِعلٌ يَصعَدُ ولا يَنزِل، ومَوضِعُه القَلبُ دونَ الجِلد. وجِذرُ (ط-ل-ع) يَدورُ على ظُهورٍ يَأتي بِصُعودٍ مِن تَحت: طَلَعَتِ الشَّمسُ، وطَلَعَ الثَّمَر. و«تَطَّلِعُ» على وَزنِ افتَعَلَ يَزيدُ شَحنةَ التَّكَلُّفِ والتَّوَجُّه، فهي حَرَكةُ صُعودٍ تَستَهدِفُ مَوضِعاً بِعَينِه، وليسَت طُلوعاً عَفوِيّاً.

والمَوضِعُ الذي تَطَّلِعُ عَلَيه «الأَفئِدَة»، وقد أوثِرَت على «القُلوب»، والقَلبُ مَوضِعُ التَّقَلُّب، والفُؤادُ مَوضِعُ القَصدِ والنِّيّةِ والانعِقادِ على اختِيار. وحينَ تَطَّلِعُ النّارُ على الفُؤادِ فهي تَطَّلِعُ على المَوضِعِ الذي انعَقَدَت فيه نِيّةُ الهَمزِ واللَّمزِ مِنَ البِداية.

والسّورةُ هُنا تَجمَعُ الدّائِرة: فالفِعلُ نَشَأَ في الفُؤادِ (نِيّةُ النَّخس)، وخَرَجَ بِالعَينِ واللِّسانِ (هَمزٌ ولَمزودارَ على المالِ (جَمعٌ وتَعديد)، وجاءَتِ النِّهايةُ بِالنَّبذ، والآنَ تَصعَدُ النّارُ إلى المَوضِعِ الذي خَرَجَ مِنه الفِعلُ أوَّلاً، فتَنخُسُ النِّيّةَ مِن حَيثُ نُخِسَ النّاس، وما يَفعَلُه الإنسانُ يُفعَلُ بِه مِثلُه.