الزَّعم
صَوتٌ يَصعَدُ من باطِنِ صاحِبِه ثُمَّ يُضَمُّ إلَيه فيَلتَصِقُ بِه. الزّاعِمُ يَحمِلُ قَولَه لِأنَّه خَرَجَ مِنه ولا شاهِدَ لَه غَيرُه، والزَّعيمُ يَلزَمُه ما ضَمِن. والحُروفُ تُلصِقُ القَولَ بِقائِلِه ولا تَحكُمُ عَلَيه بِصِدقٍ ولا كَذِب.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ز: مَضيقٌ بَينَ طَرَفِ اللِّسانِ واللِّثةِ يَكتَنِزُ فيه النَّفَسُ ويَجري حادّاً، والوَتَرانِ يَهتَزّانِ مَعَه صَفيراً مَجهوراً من أوَّلِ الحَدَثِ إلى آخِرِه. شِحنَتُه: الاهتزازُ الخفيفُ المجهور.
- ع: قَبضٌ يَلتَحِمُ في أقصى الحَلقِ على رِقّة، يَجري فيه النَّفَسُ المَجهورُ في أضيَقِ المَجاري وأعمَقِها، فيَظهَرُ الصَّوتُ من العُمقِ إلى الخارِج. شِحنَتُه: الظهورُ من العمق.
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ المَجهورَ في جَوفٍ مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: الضمُّ واللقاءُ والتلاصق.
النَّواةُ زع (ز + ع) = اهتِزازٌ خَفيفٌ مَجهورٌ يَظهَرُ من العُمق: صَوتٌ يَصعَدُ من باطِنِ صاحِبِه إلى الظّاهِر. ثُمَّ م تَضُمُّ هذا الخارِجَ إلى مَن خَرَجَ مِنه وتُلصِقُه بِه. فالجَذرُ ز-ع-م: صَوتٌ يَخرُجُ من باطِنِ صاحِبِه ثُمَّ يُضَمُّ إلَيه فيَلتَصِقُ بِه.
والصَّوتُ الذي يَخرُجُ من الإنسانِ فيَبقى مَضموماً إلَيه هو القَولُ يُحسَبُ عَلَيه. فالجَذرُ يُسَمّي القَولَ من جِهةِ صاحِبِه: مَصدَرُه باطِنُ قائِلِه، ومَرجِعُه قائِلُه، ولا شَيءَ في الحُروفِ يَشهَدُ لَه من خارِجِه. ومن هُنا يَجتَمِعُ في الجَذرِ ما يَبدو أمرَين، وهُما وَجهانِ لِحَرَكةٍ واحِدة:
- الزَّعم: قَولٌ يَصدُرُ عن صاحِبِه ويُحكى مَنسوباً إلَيه، فيَبقى في عُهدَتِه. ولِذلك يَجيءُ الفِعلُ في القرآنِ حِكايةً لِما يَقولُه غَيرُ المُتَكَلِّم: ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ (٤:٦٠)، ﴿زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَن لَّن يُبْعَثُوا﴾ (٦٤:٧). ويَجيءُ المَصدَرُ بِالباءِ التي تُلصِقُ القَولَ بِأصحابِه: «بِزَعْمِهِمْ» (٦:١٣٦، ٦:١٣٨).
- الزَّعيم: مَن ضُمَّ إلَيه قَولُه فلَزِمَه حتّى يَفِيَ بِه، وهو الضّامِن: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِهِ حِمْلُ بَعِيرٍ وَأَنَا بِهِ زَعِيمٌ﴾ (١٢:٧٢)، ﴿سَلْهُمْ أَيُّهُم بِذَٰلِكَ زَعِيمٌ﴾ (٦٨:٤٠).
الزّاعِمُ يَحمِلُ ما قالَ في شَأنِه أو في شَأنِ غَيرِه، والزَّعيمُ يَحمِلُ ما التَزَمَه، والحَرَكةُ فيهِما واحِدة: قَولٌ يَخرُجُ من الباطِنِ ويَلتَصِقُ بِقائِلِه. والحُروفُ لا تَحكُمُ على القَولِ بِصِدقٍ ولا بِكَذِب، والحُكمُ في القرآنِ يَأتي من خارِجِ الجَذر: من رَدٍّ يَتلو الزَّعم، ﴿قُلْ بَلَىٰ وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾، أو من ضَياعِ المَزعوم، ﴿وَضَلَّ عَنكُم مَّا كُنتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. والزَّعيمُ في ١٢:٧٢ ضامِنٌ يُعلِنُ ضَمانَه، ولا شَيءَ في الآيةِ يَرُدُّه، فالاهتِزازُ في الزّاي جَهرُ الصَّوتِ نَفسُه، والرِّيبةُ حينَ تَقَعُ من السِّياق.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ز-ع-م: قَولٌ يَصدُرُ من باطِنِ قائِلِه ويَلتَصِقُ بِه فيَحمِلُه. ويُوافِقُ ذلك ما يُعرَفُ في كَلامِ العَرَب: الزَّعمُ القَولُ يُنسَبُ إلى قائِلِه، والزَّعيمُ الكَفيل. وتَضبِطُ هذه الشِّحنةُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَسأَلَتَين:
الأولى: لِماذا يُحذَفُ مَفعولُ الفِعلِ كَثيراً. ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾، و«الَّذِينَ كُنتُمْ تَزْعُمُونَ» (٦:٢٢، ٢٨:٦٢، ٢٨:٧٤): المَزعومونَ لا يُعرَفونَ في الآيةِ إلّا بِأنَّهُم زُعِموا، فوُجودُهُم في الكَلامِ قَولٌ مُلتَصِقٌ بِقائِليه، ولا يَحتاجُ الفِعلُ إلى مَفعولٍ يُسَمّيهِم.
الثّانية: لِماذا يَتَعَدّى الفِعلُ إلى جُملةٍ تامّة. ﴿يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾ و﴿إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ﴾: المَزعومُ قَولٌ يُحكى كما قالَه صاحِبُه، مُسنَداً ومُسنَداً إلَيه، والحاكي يَنقُلُه ويُبقيه في عُهدةِ قائِلِه.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- يَزْعُمُونَ (مُضارِعٌ لِجَماعةِ الغائِبين، صِلةٌ لِـ«الَّذينَ»، بَعدَه «أنَّ» ومَعمولاها): المَوضِعُ المَنشورُ ٤:٦٠. المُضارِعُ يَحكي زَعماً قائِماً يَتَجَدَّد.
- زَعَمْتُم (ماضٍ لِجَماعةِ المُخاطَبين، صِلةٌ لِـ«الَّذينَ»، مَحذوفُ المَفعول): المَوضِعُ المَنشورُ ١٧:٥٦.
- زَعَمْتَ (ماضٍ لِلمُفرَدِ المُخاطَبِ بَعدَ «كَما»، مَحذوفُ المَفعول): ١٧:٩٢، وهو المَوضِعُ الوَحيدُ في القرآنِ الذي يُسنَدُ فيه الفِعلُ إلى مُفرَدٍ مُخاطَب.
- في غَيرِ المَنشور: «تَزْعُمُونَ» بَعدَ «كُنتُم» أربَعَ مَرّات (٦:٢٢، ٦:٩٤، ٢٨:٦٢، ٢٨:٧٤)، و«زَعَمْتُمْ» خَمسَ مَرّاتٍ غَيرَ ١٧:٥٦ (٦:٩٤، ١٨:٤٨، ١٨:٥٢، ٣٤:٢٢، ٦٢:٦)، و«زَعَمَ» مَرّةً بِفاعِلٍ ظاهِرٍ (٦٤:٧)، والمَصدَرُ «بِزَعْمِهِمْ» مَرَّتَين (٦:١٣٦، ٦:١٣٨)، و«زَعِيمٌ» على «فَعيل» مَرَّتَين (١٢:٧٢، ٦٨:٤٠).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الفِعلُ ثُلاثيٌّ مُجَرَّدٌ في كُلِّ مَواضِعِه، ولا يَرِدُ على مَزيد. والمَصدَرُ «زَعم» يُسَمّي القَولَ المُلتَصِقَ بِصاحِبِه، ووَزنُ «فَعيل» في «زَعيم» يُثبِتُ الالتِصاقَ صِفةً في صاحِبِه: مَن يَبقى قَولُه مَضموماً إلَيه حتّى يَفِيَ بِه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
لا مَفهومَ آخَرَ من الجَذرِ ز-ع-م، والزَّعيمُ يَدخُلُ في هذا المَفهومِ لِأنَّه الحَرَكةُ نَفسُها في صاحِبِها. وتُجاوِرُه مَفاهيمُ من جُذورٍ أُخرى:
qawl(القَول، ق-و-ل): الاسمُ العامُّ لِما يُلفَظ. والزَّعمُ قَولٌ يُنظَرُ فيه إلى التِصاقِه بِقائِلِه، ولِذلك يَختارُه القرآنُ حينَ يَحكي قَولاً ويُبقيه في عُهدةِ صاحِبِه.amaniy(الأَماني، م-ن-ي): ما يَنبَعِثُ في الباطِنِ ولا يَجِدُ سَبيلاً إلى الوُقوع، فيَبقى في صاحِبِه رَغبة. والزَّعمُ يَخرُجُ من الباطِنِ قَولاً ويَلتَصِقُ بِقائِلِه. ويَختَبِرُ القرآنُ زَعماً بِتَمَنٍّ في ٦٢:٦: «إِن زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ»، انظُر التَّمَنِّي.dhann(الظَّنّ، ظ-ن-ن): تَصَوُّرٌ كَثيفٌ يَستَقِرُّ في النَّفسِ ولا يَبلُغُ الرُّؤية. فالظَّنُّ يَبقى في الباطِن، والزَّعمُ يَخرُجُ مِنه قَولاً يُحكى ويُحسَبُ على قائِلِه.iftira(الافتِراء، ف-ر-ي): صَنعةٌ تَقُدُّ هَيئةً لم يَأتِ بِها مَصدَرُها. ويَجتَمِعانِ في ٦:١٣٨: «بِزَعْمِهِمْ» ثُمَّ «افْتِرَاءً عَلَيْهِ»، فالزَّعمُ يُسَمّي القَولَ من جِهةِ قائِلِه، والافتِراءُ يُسَمّي صُنعَه.- وأمّا الكَفالةُ (ك-ف-ل) فلا مَفهومَ لَها في المُعجَمِ يُحالُ عَلَيه، والزَّعيمُ قَريبٌ مِنها في المَعنى، ويَنفَرِدُ بِأنَّه يُسَمّي الضّامِنَ بِقَولِه الذي خَرَجَ مِنه.
المَواضع: مَواقعُ الزَّعمِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٤:٦٠ ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ مُضارِعاً لِجَماعةٍ صِلةً لِـ«الَّذينَ»، ومَفعولُه جُملةٌ تامّةٌ بَعدَ «أنَّ»، والمَزعومُ إيمانُ الزّاعِمينَ أنفُسِهِم بِما أُنزِلَ إلى المُخاطَبِ وما أُنزِلَ من قَبلِه. الجَديدُ: أوَّلُ ما يَفعَلُه الجَذرُ أن يَحكِيَ قَولاً ويُبقِيَه في عُهدةِ قائِليه، والآيةُ لا تُكَذِّبُه بِلَفظ: تَضَعُ إلى جانِبِه إرادَتَهُم، ﴿يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ﴾، وقد أُمِروا أن يَكفُروا بِه. فالزَّعمُ يُقرَأُ هُنا قَولاً مُلتَصِقاً بِأصحابِه، يَقِفُ مُقابِلَ ما يُريدون. انظُر الإيمان والطَّاغوت.
- ١٧:٥٦ ﴿قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾: الفِعلُ ماضٍ لِجَماعةِ المُخاطَبين صِلةً لِـ«الَّذينَ»، مَحذوفُ المَفعول، والمَوصولُ مَفعولٌ لِأمرٍ بِالدُّعاء. الجَديدُ: يَسقُطُ المَزعومُ من الكَلامِ لِأوَّلِ مَرّة، فلا يُعرَفُ المَدعُوّونَ إلّا بِأنَّ المُخاطَبينَ زَعَموهُم: وُجودُهُم في الآيةِ قَولٌ مُلتَصِقٌ بِقائِليه. ويَنتَقِلُ الجَذرُ من الغَيبةِ في ٤:٦٠ إلى الخِطاب، فيُواجَهُ الزّاعِمونَ بِزَعمِهِم. ثُمَّ يُمتَحَنُ القَولُ بِالدُّعاء، ويُعلَنُ ما يَنتَهي إلَيه قَبلَ أن يَقَع: ﴿فَلَا يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا﴾. انظُر الدُّعاء.
- ١٧:٩٢ ﴿أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفًا﴾: الفِعلُ ماضٍ لِلمُفرَدِ المُخاطَبِ بَعدَ «كَما»، مَحذوفُ المَفعول، مُعتَرِضٌ بَينَ «تُسْقِطَ السَّمَاءَ» ومُتَعَلَّقِه «عَلَيْنَا كِسَفًا»، والمُتَكَلِّمونَ أصحابُ «عَلَيْنَا»، يَطلُبونَ من المُخاطَبِ ما يَقَعُ عَلَيهِم. الجَديدُ: يَنقَلِبُ اتِّجاهُ الجَذر. كانَ في ١٧:٥٦ قَولاً يُواجَهُ بِه الزّاعِمون، وهو هُنا في أفواهِ المُطالِبينَ يُلصِقونَ بِه قَولاً إلى المُخاطَبِ وَحدَه، ثُمَّ يَبنونَ عَلَيه طَلَبَهُم. فالفِعلُ يَحمِلُ الالتِصاقَ وَحدَه، والحُكمُ على القَولِ حُكمُهُم هُم. انظُر القَول.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ الإيمان في ٤:٦٠: مَضمونُ الزَّعمِ الأوَّلِ إيمان، فيُحكى الأمنُ الذي يَهَبُه المُؤمِنُ قَولاً في عُهدةِ صاحِبِه، ويُعرَضُ على ما يُريدُه.
- مَعَ الطَّاغوت والكُفر والإرادة في ٤:٦٠: الإرادةُ تَتَّجِهُ إلى الطّاغوت، والأمرُ السّابِقُ بِالكُفرِ بِه، فيَقِفُ الزَّعمُ بَينَ إرادةٍ تُخالِفُه وأمرٍ تُخالِفُه الإرادة.
- مَعَ الدُّعاء في ١٧:٥٦: الدُّعاءُ امتِحانُ الزَّعم: يُؤمَرُ الزّاعِمونَ أن يَدعوا مَن زَعَموا، والنَّتيجةُ مُعلَنةٌ في الآيةِ نَفسِها بِالفاء.
الإشكالات المَفتوحة
- هل في الجَذرِ رِيبةٌ في القَول؟ المَواضِعُ المَنشورةُ الثَّلاثةُ كُلُّها حِكايةٌ لِقَولٍ يَرُدُّه السِّياق، والزَّعيمُ في ١٢:٧٢ ضامِنٌ يُعلِنُ ضَمانَه ولا شَيءَ في الآيةِ يَرُدُّه. الجَوابُ العامِل: الجَذرُ يُلصِقُ القَولَ بِقائِلِه ولا يَحكُمُ عَلَيه، والرِّيبةُ من الرَّدِّ الذي يَتلوه. ويَختَبِرُ ذلك كُلُّ مَوضِعٍ يُنشَرُ بَعدُ. مَفتوح.
- «كَمَا زَعَمْتَ» في ١٧:٩٢: ما المَزعوم؟ المَفعولُ مَحذوف، والمُطالِبونَ يَنسِبونَ إلى المُخاطَبِ قَولاً في سُقوطِ السَّماءِ عَلَيهِم ولا تَذكُرُ الآيةُ لَفظَه. الجَوابُ العامِل: الحَذفُ يُبقي في الكَلامِ الالتِصاقَ وَحدَه، فالمُخاطَبُ يُطالَبُ بِما نُسِبَ إلَيه أيّاً كانَ لَفظُه. مَفتوح.