الإسراء · الآية 56
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«قُلِ ادْعُوا»: أمرٌ داخِلَ أمر
أمرانِ في كَلِمَتَين. الأوَّلُ إلى المُخاطَبِ أن يُبَلِّغ، والثّاني إلى غَيرِه أن يَفعَل. والمَأمورُ بِه في الثّاني هو الشَّيءُ الذي جاءَتِ السّورةُ تَنهى عنه.
ولا يَستَقيمُ أن يُقرَأَ طَلَباً على ظاهِرِه، لِأنَّ الجَوابَ يَتلوهُ بِالفاءِ في الحال: «فَلَا يَمْلِكُونَ». الفاءُ لا تُمهِل. فالدَّعوةُ يُؤذَنُ فيها لِأنَّ نَتيجَتَها مُعلَنةٌ قَبلَ وُقوعِها، والإذنُ نَفسُه هو الحُجّة. مَن أُمِرَ بِالتَّجرِبةِ وقيلَ له سَلَفاً ما تَنتَهي إليه، فقد أُوقِفَ على الحُكمِ لا على الفِعل.
«الَّذِينَ زَعَمْتُم»: زَعمٌ حُذِفَ مَزعومُه
لم تَقُلِ الآيةُ ما الذي زُعِم. «زَعَمْتُم» فِعلٌ يَطلُبُ مَفعولاً فلَم يُذكَرْ له مَفعول. فبَقِيَ الزَّعمُ عارِياً، قَولاً بِلا مَقول.
وهذا أشَدُّ من أن يُقالَ المَزعوم. لَو ذُكِرَ لَصارَ الكَلامُ في صِحَّتِه وفَسادِه، ولَكانَ لِلقائِلِ ما يُدافِعُ عنه. وإذ حُذِف، لم يَبقَ إلّا الفِعلُ مَنسوباً إلى فاعِلِه: أنتُم زَعَمتُم. الوَصفُ عائِدٌ إلى القائِلينَ لا إلى المَقولِ فيهِم.
والجَذرُ ز-ع-م يَدورُ على قَولٍ يَخرُجُ مُهتَزّاً فيَلصَقُ بِصاحِبِه. ومنه «الزَّعيم» الكَفيلُ الذي يَلزَمُه ما ضَمِن. فالزّاعِمُ كالكَفيل: يَحمِلُ قَولَه ولا يَنفَكُّ عنه، سواءٌ وَفّى القَولُ أم خانَه. ما خَرَجَ من فَمِك عَلِقَ بِك.
«مِّن دُونِهِ»: مَنزِلةٌ ما دونَه، لا مَوضِعٌ بَدَلاً منه
لم يُقَلْ «بَدَلاً منه» ولا «مَعَه». قيلَ «مِن دُونِه»، وهو ظَرفٌ يَضَعُ المَدعُوِّينَ في مَرتَبةٍ أسفَلَ، لا في مَقعَدِه.
فالآيةُ لا تُقيمُ خُصومةً بَينَ طَرَفَينِ مُتَكافِئَين. تُثبِتُ أوَّلاً أنَّ الطَّرَفَ الثّانيَ دونَ الأوَّلِ في المَنزِلة، ثُمَّ تَسألُ عمّا يَملِكُه من هو دون. والسُّؤالُ عن مِلكِ الأدنى قد أُجيبَ قَبلَ أن يُسأل.
«فَلَا يَمْلِكُونَ»: النَّفيُ يَقَعُ على المِلك
اقرَأْ ما نُفِيَ بِدِقّة. لم يُقَلْ «فلا يَسمَعون»، ولا «فلا يُجيبون»، ولا «فلا وُجودَ لَهُم». قيلَ «فَلَا يَمْلِكُونَ».
والمِلكُ غَيرُ الإرادةِ وغَيرُ القُدرةِ على المُحاوَلة. هو أن يَكونَ الشَّيءُ تَحتَ يَدِك تَتَصَرَّفُ فيه. فالنَّفيُ لم يَقَعْ على ذَواتِهِم ولا على استِجابَتِهِم؛ وَقَعَ على أن يَكونَ هذا الأمرُ بِأيديهِم. ولا يُفيدُ سَماعُ من لا يَملِك.
«كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلَا تَحْوِيلًا»: رَفعٌ ونَقل
نَفيانِ لا واحِد، وحَرَكَتانِ مُختَلِفَتانِ في الجِهة.
الأولى «كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ». والكَشفُ رَفعُ غِطاءٍ عمّا تَحتَه، فالضُّرُّ في هذه الصّورةِ ثَوبٌ مُلقىً عَلَيك، و«عَنكُمْ» تُبَيِّنُ الجِهة: إلى فَوق، بَعيداً عن المَحَلّ. والضُّرُّ من ض-ر-ر: ضَغطٌ كَثيفٌ يَلزَمُ ولا يُفارِق. فالمَطلوبُ رَفعُ ما لَزِق.
والثّانيةُ «وَلَا تَحْوِيلًا». والتَّحويلُ نَقلُ الشَّيءِ من مَوضِعٍ إلى مَوضِعٍ بِإدارَتِه عنه، لا رَفعُه. فإن عَجَزوا عن أن يَرفَعوهُ عنك، أفيَقدِرونَ أن يُزَحزِحوهُ إلى جانِب؟
وانظُرْ إلى صيغةِ النَّفيَين. الأولى مُقَيَّدةٌ: كَشْفُ الضُّرِّ عنكُم، فالمَكشوفُ مُسَمّىً والمَكشوفُ عنه مُسَمّى. والثّانيةُ نَكِرةٌ مُطلَقةٌ عارِيةٌ من كُلِّ قَيد: «تَحْوِيلًا»، بِلا مَفعولٍ ولا جِهة. فالنَّفيُ الأوَّلُ يَسُدُّ باباً بِعَينِه، والثّاني يَسُدُّ كُلَّ تَحويلٍ أيّاً كان. ضاقَ اللَّفظُ فاتَّسَعَ المَنفيّ.
حَصيلة
أمرٌ يُبَلَّغُ ثُمَّ أمرٌ يُوَجَّه، وجَوابُه يَلحَقُ بِالفاءِ فلا يُمهَلُ المُجَرِّبُ حتّى يُجَرِّب. والمَدعُوُّونَ يُوصَفونَ بِفِعلِ الدّاعينَ لا بِأنفُسِهِم: «زَعَمْتُم»، ولا يُذكَرُ ما زُعِم، فيَبقى القَولُ عارِياً لاصِقاً بِقائِلِه كما يَلصَقُ الضَّمانُ بِالزَّعيم. ثُمَّ يُوضَعونَ «مِن دُونِهِ»، في مَرتَبةٍ أسفَلَ لا في مَقعَدٍ بَديل. ثُمَّ يَقَعُ النَّفيُ على المِلكِ وَحدَه، لا على الذَّواتِ ولا على السَّمع: لَيسَ الأمرُ بِأيديهِم. ثُمَّ يُقسَمُ العَجزُ قِسمَين: لا رَفعَ لِلضُّرِّ عنك، ولا تَحويلَ لَه أصلاً؛ الأوَّلُ مُقَيَّدٌ بِمَحَلِّه والثّاني مُطلَقٌ بِلا قَيد. ما لا يُزَحزَحُ عن مَوضِعِه لا يُرجى مَن يَرفَعُه عنك.