الإسراء · الآية 92
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ»: الطَّلَبُ يُغادِرُ الأرضَ ويُسنَدُ إليه ما فَوقَها
«أو» تَعُدُّ بَنداً ثالِثاً. وكانَ ما قَبلَه في الأرضِ وفيما يَنبُتُ مِنها، فصارَ الآنَ فيما فَوقَ الرُّؤوس.
والفِعلُ على أفعَلَ: تُسْقِطَ لا «تَسقُط». والفاعِلُ في هذه الصّيغةِ غَيرُ الواقِع، فالمَطلوبُ أن يَكونَ هو الذي يُوقِع. والجِذرُ س-ق-ط إفلاتٌ من مُمسِكٍ ثُمَّ وُقوعٌ ثَقيلٌ يَنبَسِطُ حَيثُ وَقَع. فالمَطلوبُ أن تُفلِتَ يَدُه ما تُمسِكُه السَّماء.
والسَّماءُ من س-م-و امتِدادٌ يَعلو ويَبقى مَوصولاً بِما دونَه. فالمَطلوبُ قَطعُ ذلك الوَصلِ من أعلاه. وقد كانَ أوَّلُ المَطالِبِ شَقّاً في ثِقَلِ الأرضِ تَحتَ القَدَم، وهذا إفلاتٌ لِما عَلا فَوقَ الرَّأس. طَرَفانِ يُطالَبُ بِهِما رَجُلٌ واحِد.
«كَمَا زَعَمْتَ»: قَولٌ يُنسَبُ إليه داخِلَ قَولِهِم
تَعتَرِضُ الجُملةُ بَينَ الفِعلِ ومُتَعَلَّقِه. قيلَ تُسْقِطَ السَّمَاءَ، ولم يُقَلْ بَعدَه عَلَيْنَا كِسَفًا إلّا بَعدَ فاصِل. والفاصِلُ نِسبةٌ تُلقى عَلَيه.
والجِذرُ ز-ع-م قَولٌ يَخرُجُ مُهتَزّاً فيَلصَقُ بِصاحِبِه. وقد وَرَدَ هذا الجِذرُ في هذه السّورةِ قَبلاً مُسنَداً إلى جَماعةِ المُخاطَبين، ويَعودُ هُنا مُسنَداً إلى مُخاطَبٍ واحِد. اللَّفظُ نَفسُه يُدارُ فيَقَعُ على وَجهٍ آخَر.
ومَفعولُ زَعَمْتَ مَحذوف. لم يُقَلْ ما الذي زُعِم، فلا يُقالُ عنه شَيء. والذي في الآيةِ أنَّ الطَّلَبَ مَبنِيٌّ على قَولٍ يَعيشُ داخِلَ جُملَتِهِم هُم. ويُقرَأُ هذا كما وَرَد: بَندٌ يُبنى على ما نَسَبَه الطّالِبُ إلى المَطلوبِ منه.
«عَلَيْنَا كِسَفًا»: يُشتَرَطُ أن يَقَعَ عَلَيهِم، وأن يَقَعَ قِطَعاً
«على» لِلاستِعلاءِ والوُقوع. طُلِبَ أن يَنزِلَ الثِّقَلُ عَلَيهِم هُم. وهذا مَوضِعٌ يُقرَأُ ولا يُمَرُّ عَلَيه: الأوَّلُ سُئِلَ ماءً لَنَا، وهذا يُسألُ سُقوطاً عَلَيْنَا. اللّامُ لِلمَنفَعةِ و«على» لِما يَقَعُ فَوق.
وكِسَفًا حالٌ من ك-س-ف: كُتلةٌ مُمسَكةٌ تَنفَصِلُ قِطَعاً مُتَفَرِّقة. فلَم يُطلَبْ أن تَنزِلَ السَّماءُ واحِدةً بَل أن تَتَفَصَّلَ في نُزولِها. شُرِطَ الوُقوعُ ثُمَّ شُرِطَت هَيئَتُه.
«أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ»: الباءُ نَفسُها التي طُلِبَ بِها المِثل
«أو» رابِعةً. والفِعلُ تَأْتِيَ مُعَدّىً بِالباء، والباءُ تُلصِقُ المَحمولَ بِحامِلِه. وهذه هي الصّيغةُ التي وَقَعَت قَبلَ أربَعِ آياتٍ في أَن يَأْتُوا بِمِثْلِ هَٰذَا الْقُرْآنِ﴾. هُناكَ كانَ الإتيانُ مَطلوباً منهُم، وهُنا صارَ مَطلوباً منه.
والجِذرُ أ-ت-ي بُلوغٌ يَنبَثِقُ فيَلقى مَحَلَّه ثُمَّ يَمتَدّ. فالمَطلوبُ إحضارٌ يُلقى بَينَ الأيدي، لا خَبَرٌ يُقالُ ولا وَصفٌ يُبَيَّن. وقد جُعِلَ المَحمولُ في هذا البَندِ ما لا يُحمَل.
«قَبِيلًا»: مُواجَهةٌ تُشتَرَطُ بَعدَ الإحضار
ق-ب-ل التِقاءُ وَجهٍ بِوَجهٍ يُمسَكُ عَلَيه. ومنه القِبلةُ جِهةً تُستَقبَل، والمُقابَلةُ وُقوفاً بِإزاء.
فلَم يَكفِ الإحضار. اشتُرِطَ مَعَه أن يَقَعَ بِإزائِهِم وَجهاً لِوَجه، كما اشتُرِطَ في السَّماءِ أن تَقَعَ عَلَيهِم قِطَعاً. في كُلِّ بَندٍ شَرطٌ ثُمَّ شَرطٌ على الشَّرط.
وجاءَت قَبِيلًا مُفرَدةً بَعدَ مَعطوفَين، فالمُواجَهةُ حالٌ واحِدةٌ تَعُمُّ ما ذُكِر. ومَن اشتَرَطَ أن يُواجَهَ فقد جَعَلَ عَينَه هي الميزان.
حَصيلة
بَندانِ في آيةٍ واحِدةٍ تَعُدُّهُما «أو» مَرَّتَين. الأوَّلُ يُغادِرُ الأرضَ إلى ما فَوقَها: تُسْقِطَ على أفعَلَ فالفاعِلُ غَيرُ الواقِع، وس-ق-ط إفلاتٌ من مُمسِكٍ ثُمَّ وُقوعٌ ثَقيلٌ يَنبَسِط، والسَّماءُ من س-م-و امتِدادٌ يَعلو ويَبقى مَوصولاً بِما دونَه. ثُمَّ تَعتَرِضُ كَمَا زَعَمْتَ بَينَ الفِعلِ ومُتَعَلَّقِه، وز-ع-م قَولٌ يَخرُجُ مُهتَزّاً فيَلصَقُ بِصاحِبِه، ومَفعولُه مَحذوفٌ فلا يُقالُ ما المَزعوم: البَندُ مَبنِيٌّ على نِسبةٍ تَعيشُ داخِلَ جُملَتِهِم. ثُمَّ عَلَيْنَا بَعدَ لَنَا في أوَّلِ القائِمة: هُناكَ نَفعٌ يُطلَبُ وهُنا ثِقَلٌ يُستَدعى فَوقَ الرُّؤوس، وكِسَفًا من ك-س-ف كُتلةٌ تَنفَصِلُ قِطَعاً مُتَفَرِّقة، فشُرِطَتِ الهَيئةُ بَعدَ الوُقوع. ثُمَّ البَندُ الرّابِعُ يُعيدُ باءَ الإتيانِ التي طُلِبَ بِها المِثلُ قَبلَ أربَعِ آيات، فينقَلِبُ الطَّلَبُ عَلَيه، وأ-ت-ي بُلوغٌ يَلقى مَحَلَّه فيَمتَدّ. ثُمَّ قَبِيلًا من ق-ب-ل التِقاءُ وَجهٍ بِوَجهٍ يُمسَكُ عَلَيه، حالاً مُفرَدةً تَعُمُّ المَعطوفَين. في كُلِّ بَندٍ شَرطٌ ثُمَّ شَرطٌ على الشَّرط، والعَينُ هي التي تَكتُبُ الشُّروط.