النساء · الآية 60

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا

«أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا»: ثِقةٌ تُحكى بِلِسانِ أصحابِها

تَفتَتِحُ الآيةُ بِاستِفهامٍ يَدعو المُخاطَبَ إلى النَّظَر: «ألَم تَرَ إلى الَّذينَ»، والفِعلُ مُعَدّىً بِـ«إلى»، فهو تَوجيهٌ لِلبَصَرِ نَحوَ قَومٍ كأنَّهُم ماثِلونَ يُشارُ إلَيهِم. والمُخاطَبُ في الآيةِ مَن أُنزِلَ إلَيه، إذ تَقولُ: «بِما أُنزِلَ إلَيكَ وما أُنزِلَ من قَبلِك». والزَّعمُ من ز-ع-م، قَولٌ يُحكى عن صاحِبِه ويَبقى في عُهدَتِه، والحاكي لا يَشهَدُ لَه، فالآيةُ تَحكي إيمانَهُم بِلِسانِهِم: «يَزعُمونَ أنَّهُم آمَنوا».

ويَتَّسِعُ ما يَزعُمونَ الإيمانَ بِه حتّى يَجمَعَ ما أُنزِلَ إلى المُخاطَبِ وما أُنزِلَ من قَبلِه، فالدَّعوى تَضُمُّ المُنزَلَ قَديمَه وحَديثَه. ثُمَّ يَأتي بِلا عاطِفٍ ما يُريدونَه: «يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت»، فتَقِفُ الإرادةُ في الآيةِ إلى جانِبِ الدَّعوى، وتُري السّامِعَ ما بَينَهُما.

«يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ»: حُكمٌ يُطلَبُ عِندَ مَن جاوَزَ الحَدّ

والتَّحاكُمُ من ح-ك-م على التَّفاعُل، أن يَحمِلَ المُتَخاصِمانِ خُصومَتَهُما مَعاً إلى مَن يَفصِلُ بَينَهُما، والجِذرُ نَفسُه أُمِرَ بِه في الآيةِ الثّامِنةِ والخَمسين: «وإذا حَكَمتُم بَينَ النّاسِ أن تَحكُموا بِالعَدل»، وجُعِلَ لِلنِّزاعِ في الآيةِ التّاسِعةِ والخَمسينَ مَرجِعٌ: «فرُدّوه إلى اللهِ والرَّسول». وهؤلاءِ يُريدونَ أن يَحمِلوا حُكمَهُم «إلى الطّاغوت»، فـ«إلى» التي أوصَلَتِ الأمانةَ إلى أهلِها والنِّزاعَ إلى اللهِ والرَّسولِ تُوَجِّهُ إرادَتَهُم هُنا إلى وِجهةٍ أُخرى.

والطّاغوتُ من ط-غ-ي على بِناءِ «فَعَلوت»، والطُّغيانُ مُجاوَزةُ الحَدِّ حتّى يَعلُوَ الشَّيءُ فَوقَ ما يَنبَغي أن يَقِفَ عِندَه، والبِناءُ يُبالِغُ في هذا المَعنى فيَجعَلُه اسماً لِما بَلَغَ فيه الغاية. وقد عادَ إلَيه الضَّميرُ في هذه الآيةِ مُذَكَّراً مُفرَداً: «أن يَكفُروا بِه»، وجاءَ في مَوضِعٍ آخَرَ مَعَ الجَمع: أَوْلِيَاؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم﴾، وفي مَوضِعٍ ثالِثٍ مَعَ المُؤَنَّث: وَالَّذِينَ اجْتَنَبُوا الطَّاغُوتَ أَن يَعْبُدُوهَا﴾، فالاسمُ صِفةٌ تَصدُقُ على كُلِّ ما جاوَزَ الحَدّ، واحِداً كانَ أو كَثيراً. وقد ذَكَرَتْه السّورةُ قَبلَ ذلك في الآيةِ الحاديةِ والخَمسين: يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ﴾.

«وَقَدْ أُمِرُوا أَن يَكْفُرُوا بِهِ»: غِطاءٌ أُمِروا بِه

ثُمَّ تُذَكِّرُ الآيةُ بِما سَبَقَ إرادَتَهُم: «وقد أُمِروا أن يَكفُروا بِه». و«قد» مَعَ الفِعلِ الماضي تُثبِتُ أنَّ الأمرَ سابِقٌ لِما يُريدون، والفِعلُ «أُمِروا» مَبنيٌّ لِلمَجهول، فالمُعتَبَرُ فيه أنَّ الأمرَ قد بَلَغَهُم. والكُفرُ من ك-ف-ر، تَغطيةُ الشَّيءِ وسَترُه، والمَأمورُ بِه أن يُغَطّى الطّاغوتُ فيَسقُطَ مَوضِعُه الذي يُرجَعُ إلَيه في الحُكم.

وبِذلك يَجتَمِعُ في الآيةِ جِذرا الإيمانِ والكُفرِ على غَيرِ التَّرتيبِ الذي جاءا عَلَيه في قَولِه فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ﴾: هُناكَ تَغطيةٌ لِلطّاغوتِ وثِقةٌ بِالله، وهُنا ثِقةٌ بِالمُنزَلِ يَزعُمونَها، وإرادةٌ تَتَّجِهُ إلى ما أُمِروا بِتَغطيَتِه.

«وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا»: إرادتانِ في آيةٍ واحِدة

وفي الآيةِ إرادَتان: «يُريدونَ أن يَتَحاكَموا إلى الطّاغوت»، و«يُريدُ الشَّيطانُ أن يُضِلَّهُم ضَلالاً بَعيداً»، والآيةُ تَضَعُهُما مُتَجاوِرَتَين، فما يُريدونَه لِأنفُسِهِم يَقَعُ في طَريقِ ما يُريدُه الشَّيطانُ بِهِم. والشَّيطانُ من ش-ط-ن، وشَطَنَ بَعُدَ، ومنه «بِئرٌ شَطونٌ» بَعيدةُ القَعر، فالاسمُ نَفسُه يَحمِلُ البُعدَ الذي يُريدُ أن يُوقِعَهُم فيه: «ضَلالاً بَعيداً».

والضَّلالُ من ض-ل-ل، أن يَفقِدَ السّائرُ مَعالِمَ طَريقِه فيَتيهَ في أرضٍ لا عَلامةَ فيها، و«بَعيداً» تَصِفُه بِأنَّه يَمتَدُّ حتّى يَبعُدَ عن الطَّريقِ الذي تُرِك. والفِعلُ «يُضِلَّهُم» من الإضلال، وجاءَ بَعدَه «ضَلالاً»، وهو اسمُ ما يَقومُ بِالضّالِّ نَفسِه، فالعِبارةُ تَنتَقِلُ من فِعلِ الشَّيطانِ فيهِم إلى ما يَصيرُ حالاً لَهُم: تيهٌ يَتيهونَه هُم، بَعيدٌ عن الطَّريق.


حَصيلة

تَضَعُ الآيةُ المُخاطَبَ أمامَ قَومٍ يَحكونَ إيمانَهُم زَعماً، من ز-ع-م، دَعوى تَجمَعُ ما أُنزِلَ إلَيه وما أُنزِلَ من قَبلِه، ثُمَّ تُظهِرُ ما يُريدونَه: أن يَحمِلوا خُصومَتَهُم لِيُحكَمَ فيها، من ح-ك-م، عِندَ الطّاغوت، والطّاغوتُ من ط-غ-ي اسمٌ على «فَعَلوت» لِما جاوَزَ الحَدَّ غايةَ المُجاوَزة. وقد سَبَقَ إلَيهِمُ الأمرُ بِتَغطيَتِه، من ك-ف-ر، فاجتَمَعَ في إرادَتِهِم ما يُخالِفُ دَعواهُم. وتُجاوِرُ الآيةُ إرادَتَهُم بِإرادةِ الشَّيطان، والشَّيطانُ من ش-ط-ن اسمٌ يَحمِلُ البُعد، يُريدُ لَهُم ضَلالاً، من ض-ل-ل، يَتيهونَ فيه بَعيداً. وبِذلك تُقابِلُ الآيةُ ما قَبلَها: هُناكَ حُكمٌ بِالعَدلِ ورَدٌّ إلى اللهِ والرَّسول، وهُنا تَحاكُمٌ إلى الطّاغوتِ يَنتَهي إلى تيهٍ بَعيد.