العَشر
انضِمامُ آحادٍ يُمسِكُ بَعضُها بَعضاً حَتّى تَتِمَّ وَحدةً واحِدةً تُعَدّ. المُصحَفُ المَنشورُ يُسَمّيها بِنَفسِهِ ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، فالعَقدُ يَحمِلُ التَّمامَ في اسمِه.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
- ع: القَبضُ والالتِحامُ الحَلقِيّ، ثُمَّ الجَريانُ والامتِدادُ في
المَضيق، ثُمَّ الظُّهورُ من العُمق. شِحنَتُه: قَبضٌ يَلتَحِمُ ثُمَّ يَظهَرُ من العُمقِ إلى الخارِج.
- ش: الحَصرُ والضَّمّ، ثُمَّ الجَريانُ النافِذُ المُمتَدّ، ثُمَّ
التَّفَشّي والانتِشارُ الدَّقيق. شِحنَتُه: ضَمٌّ يَحصُرُ المُتَفَرِّقَ بَعدَ انتِشارٍ دَقيق.
- ر: الجَريانُ المُستَرسِل، واللَّمسةُ الماسِكة، وخِفّةُ اللَّمسة.
شِحنَتُه: جَريانٌ مُستَرسِلٌ يُمسِكُ بِلَمسةٍ خَفيفةٍ لا تَضغَط.
النَّواةُ عش (ع + ش) = قَبضٌ يَضُمُّ ما تَفَرَّق: ما كانَ مُنتَشِراً دَقيقاً فالتَأَمَ وظَهَرَ جِسماً واحِداً. ومنه العُشُّ عيدانٌ مُتَفَرِّقةٌ تُضَمُّ حَتّى تَصيرَ بَيتاً، والعِشرةُ مُخالَطةٌ تَضُمُّ اثنَينِ فَصاعِداً. والإغلاقُ بـر يَشُدُّ هذا المَضمومَ في سِلكٍ يَجري ويُمسِك، فلا يَبقى كَومةً بَل يَصيرُ نَظماً يُعَدُّ بِهِ ويُمسَكُ بَعضُهُ بِبَعض.
ومنه في كَلامِ العَرَب: العَشيرةُ الجَماعةُ المُلتَئِمةُ التي يُمسِكُ بَعضُها بِبَعض، والمَعشَرُ الجَماعةُ يَجمَعُها أمرٌ واحِد، والعُشَراءُ النّاقةُ بَلَغَ حَملُها عَشَرةَ أشهُرٍ فتَمَّ لَها العَقد.
الشِّحنةُ الجامِعة: انضِمامُ آحادٍ يُمسِكُ بَعضُها بَعضاً حَتّى تَتِمَّ وَحدةً تُعَدُّ مَرّةً واحِدة.
وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في المُصحَف: العَشرُ لَيسَ مِقداراً أكبَرَ من تِسعٍ فَحَسبُ، بَل هو أوَّلُ عَقدٍ يَنغَلِقُ على الآحاد، فيُعَدُّ بَعدَهُ بِالعَقدِ لا بِالواحِد. ولِذلكَ جاءَ في المَنشورِ مَوصوفاً بِالكَمالِ حينَ جُمِعَ من ثَلاثٍ وسَبع، وجاءَ مَضموماً إلى مُدّةٍ أُخرى يُتِمُّها، وجاءَ مُقدَّراً في وَهمِ قَومٍ يُقَدِّرونَ لُبثَهُم.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- عَشْرَةَ (جُزءُ عَدَدٍ مُرَكَّبٍ مَبنِيٍّ مَعَ ما قَبلَه)، ٢:٦٠: لا
تَقومُ بِنَفسِها، بَل تُبنى مَعَ الاثنَتَينِ فتُعطي ما فَوقَ العَقدِ الأوَّل.
- عَشَرَةٌ (اسمُ عَدَدٍ مَرفوعٌ مُنَوَّن)، ٢:١٩٦: الوَحيدُ المَرفوعُ،
وهو خَبَرٌ عن إشارةٍ سابِقة، فالعَقدُ يُخبَرُ عَنهُ بَعدَ أن يُجمَعَ حِسابُه.
- عَشْرًا (اسمُ عَدَدٍ مَنصوبٌ مُنَوَّن)، ٢:٢٣٤ و٢٠:١٠٣: ظَرفُ مُدّةٍ
في المَوضِعَينِ، مَضمومٌ إلى ما قَبلَهُ في الأوَّلِ ومُنفَرِدٌ بَعدَ استِثناءٍ في الثاني.
- عَشْرٍ (اسمُ عَدَدٍ مَجرورٌ مُنَوَّن)، ٨٩:٢: صِفةٌ لِمَعدودٍ نَكِرةٍ
قَبلَهُ لا مُضافٌ إليه، فالعَقدُ هُنا يَصِفُ اللَّيالِيَ ولا يَحصُرُها بِإضافة.
الجَذرُ قبلَ الوَزن: العَقدُ المُنضَمُّ المُتَماسِك، من الحُروف. والصِّيَغُ
بَعدَ ذلكَ تُوَزِّعُهُ بَينَ مَعدودٍ يُخبَرُ عَنهُ وظَرفٍ يُقَدَّرُ بِهِ
ووَصفٍ يَلحَقُ مَعدوداً.
الفُروق المَعنويّة
لا فَرعَ لِلجَذرِ في المَنشور: لا عَشيرةَ ولا مَعشَرَ ولا مُعاشَرة، وإنَّما العَدَدُ وَحدَهُ في أربَعِ صِيَغ. فالمَفهومُ هُنا يَحمِلُ وَجهَ العَقدِ العَدَدِيَّ خالِصاً، ووَجهُ الجَماعةِ المُلتَئِمةِ باقٍ في الحُروفِ ولا شاهِدَ لَهُ في المَنشور.
المَواضع: مَواقعُ العَشرِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٦٠ ﴿فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. أوَّلُ دُخولٍ لِلجَذرِ دُخولٌ في
عَدَدٍ مُرَكَّبٍ لا مُفرَد: العَقدُ حاضِرٌ ومَبنِيٌّ عليه، والاثنَتانِ تَزيدانِ فَوقَه. والمَعدودُ عُيونٌ انفَجَرَت من حَجَرٍ واحِد، فالكَثرةُ تَخرُجُ من مَوضِعٍ واحِدٍ ثُمَّ تَنقَسِمُ قِسمةً مَعلومةً: ﴿قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ﴾. فالعَدَدُ هُنا لَيسَ إحصاءً بَل تَوزيعٌ يَنعَقِدُ عليهِ عِلمُ كُلِّ فَريقٍ بِمَوضِعِه.
- ٢:١٩٦ ﴿فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾: الجَديدُ: المُصحَفُ يُسَمّي العَقدَ بِاسمِهِ ويَنعَتُهُ
بِالكَمالِ بَعدَ أن يَجمَعَهُ من عَدَدَينِ مُفتَرِقَين. ثَلاثةٌ في مَوضِعٍ وسَبعةٌ في مَوضِعٍ آخَرَ وزَمَنٍ آخَر، ثُمَّ تُجمَعانِ فيُقالُ ﴿تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾. والإشارةُ بِـ«تِلْكَ» تَرُدُّ المُتَفَرِّقَ إلى واحِد، وهذا عَينُ ما تُعطيهِ الحُروف: آحادٌ يُمسِكُ بَعضُها بَعضاً حَتّى تَصيرَ وَحدةً تُشارُ إليها. والآيةُ تَفتَتِحُ بِـ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾، فالعَقدُ العَدَدِيُّ يَقَعُ تَحتَ أمرِ الإتمامِ الذي فُتِحَت بِهِ الآية.
- ٢:٢٣٤ ﴿يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا﴾: الجَديدُ: العَشرُ ضَميمةٌ لا عَدَدٌ مُستَقِلّ. الواوُ
تَعطِفُهُ على أربَعةِ أشهُر، ولم يُقَل خَمسةَ أشهُر: بَقِيَ العَقدُ مَعدوداً بِوَحدةٍ أُخرى غَيرِ وَحدةِ ما قَبلَه، فالمُدّةُ تُختَمُ بِعَقدٍ يُمسِكُ طَرَفَها. والمَعدودُ مَحذوفٌ، فالعَقدُ يُذكَرُ عارِياً عَمّا يُعَدُّ بِهِ.
- ٢٠:١٠٣ ﴿يَتَخَافَتُونَ بَيْنَهُمْ إِن لَّبِثْتُمْ إِلَّا عَشْرًا﴾: الجَديدُ: العَشرُ يَنتَقِلُ من التَّقديرِ الثابِتِ
إلى التَّقديرِ الظَّنِّيّ. المُتَكَلِّمونَ يَتَخافَتونَ بِه، والاستِثناءُ «إِلَّا عَشْرًا» يُقَلِّلُ لا يُكَثِّر: أوَّلُ مَوضِعٍ يُستَعمَلُ فيهِ العَقدُ لِتَصغيرِ المُدّةِ لا لِإتمامِها. فالعَقدُ الذي كانَ كَمالاً في الحِسابِ صارَ أدنى ما يُقَدَّرُ بِهِ اللُّبث.
- ٨٩:٢ ﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾: الجَديدُ: العَشرُ مُقسَمٌ بِهِ لا مَعدودٌ في حُكم. وهو
أوَّلُ مَوضِعٍ يَقَعُ فيهِ العَقدُ صِفةً لِنَكِرةٍ ﴿وَلَيَالٍ﴾، فلا يُعَرَّفُ ولا يُضاف، ومَعَ ذلكَ يُقسَمُ بِه. فالتَّعيينُ هُنا من جِهةِ العَقدِ نَفسِهِ لا من جِهةِ الإضافة: عَشرٌ تَنعَقِدُ فتَصيرُ مَعلومةً بِتَمامِها.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
tamam: ٢:١٩٦ تَفتَحُ بِالأمرِ بِالإتمامِ وتَختِمُ حِسابَ الفِديةِ
بِـ﴿عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ﴾، فالعَقدُ مَوضِعُ التَّمامِ في العَدَد.
hajjو3umra: العَشَرةُ في ٢:١٩٦ بَدَلٌ عَن هَديٍ لم يوجَد،
فالعَقدُ العَدَدِيُّ يَقومُ مَقامَ عَينٍ تُذبَح.
siyam: العَشَرةُ نَفسُها في ٢:١٩٦ صيامٌ مَقسومٌ بَينَ سَفَرٍ
وإياب، فالعَقدُ يَتَحَمَّلُ الانقِسامَ ولا يَنكَسِر.
tarabbus: ٢:٢٣٤ تَجعَلُ العَشرَ آخِرَ مُدّةِ التَّرَبُّص، فالعَقدُ
يُغلِقُ الانتِظارَ لا يَفتَحُه.
ajal: الآيةُ نَفسُها تُسَمّي مُنتَهى المُدّةِ أجَلاً، فالعَقدُ
العَدَدِيُّ ما يُبلَغُ بِهِ الأجَل.
laylaوfajr: ٨٩:٢ تَقَعُ بَينَ القَسَمِ بِالفَجرِ والقَسَمِ
بِالشَّفعِ والوَتر، فالعَقدُ يُقسَمُ بِهِ في نَظمٍ من الأعدادِ لا مُنفَرِداً.
asbat: العُيونُ الاثنَتا عَشرةَ في ٢:٦٠ مَقسومةٌ على أُناسٍ كُلٌّ
يَعلَمُ مَشرَبَه، فالعَقدُ يُوَزِّعُ الجَماعاتِ ولا يَخلِطُها.
الإشكالات المَفتوحة
- هل العَشرُ عَدَدٌ أم عَقد؟ المَنشورُ يُعطي الوَجهَينِ في مَوضِعَينِ
مُتَقارِبَين: ٢:٦٠ تَبني عليهِ ما فَوقَه فيَعمَلُ عَمَلَ العَقد، و٢٠:١٠٣ تَستَثنيهِ فتَجعَلُهُ أقَلَّ ما يُقَدَّر. والحُروفُ تُعطي الانضِمامَ المُمسِكَ ولا تُعطي مِقداراً بِعَينِه. مَوقِفُنا: العَقدُ هو الأصل، والمِقدارُ لازِمٌ لَهُ لا مَعناه.
- لِمَ حُذِفَ المَعدودُ في ٢:٢٣٤ و٢٠:١٠٣ وذُكِرَ في ٢:٦٠ و٨٩:٢؟ المَوضِعانِ
اللَّذانِ حُذِفَ فيهِما مَوضِعا مُدّةٍ تُنتَظَرُ أو تُقَدَّر، والمَوضِعانِ اللَّذانِ ذُكِرَ فيهِما مَوضِعا عَينٍ تُرى ولَيلٍ يُقسَمُ بِه. والسُّؤالُ قائِمٌ: أهذا لُزومٌ في الجَذرِ أم في المَقام.