البقرة · الآية 234

﴿وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا ۖ فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ

تَحَوُّلُ المَوضوع: مِن انفِصالِ الطَّلاقِ إلى انفِصالِ المَوت

وقد عالَجَتِ الآياتُ السّابِقةُ (228-233) انفِصالَ الزَّوجَينِ بِالطَّلاق، وتَنتَقِلُ هذه الآيةُ إلى انفِصالٍ آخَر، وهو مَوتُ الزَّوج. فالبَلوكُ التَّشريعِيُّ يَبني بِنيةً شامِلةً تَحمي المَرأةَ في كُلِّ سُقوطٍ لِلعَقدِ الزَّوجِيّ: سُقوطٍ بِإرادةِ الرَّجُلِ (الطَّلاق)، وسُقوطٍ بِإرادةِ اللهِ (المَوتولِكُلٍّ مِنهُما «عِدّة»، غَيرَ أنَّ تَفاصيلَها مُختَلِفة.

جَذرُ (و ف ي) وَ«يُتَوَفَّوْنَ»: المَوتُ كَاستِرجاعٍ للأمانة

وفي يُتَوَفَّوْنَ دَلالةٌ تَتَبَيَّن، ومادّةُ (و ف ي) تَحمِلُ مَعنى الوَفاءِ والتَّمام، و«تَوَفّاه اللهُ» أي استَرَدَّ مِنه الرّوحَ كَدَينٍ مُؤَدّىً بِتَمامِه. فالمَوتُ في القُرآنِ وَفاءٌ مِنَ اللهِ بِاستِرجاعِ ما أودَعَه، وليسَ عَدَماً، وهذه النَّظرةُ تَحفَظُ كَرامةَ المَيِّتِ وتُحَرِّرُ الأرمَلةَ من مُعاناةٍ إضافِيّةٍ قائِمةٍ على الخَوفِ والتَّشاؤُم.

جَذرُ (و ذ ر) وَ«يَذَرُونََ أزواجًا»: التَّسليمُ للتَّدبيرِ الإلهيّ

وأوثِرَ فِعلُ يَذَرُونَ على «يَترُكون» و«يُخَلِّفون»، و«وَذَرَ» في اللُّغةِ تَركٌ مَعَ تَسليمٍ كامِلٍ لِأمرِ الله. فالرَّجُلُ تَرَكَ زَوجَتَه رَغماً عَنه بِتَدبيرٍ إلَهِيّ، ولم يَختَرِ المَوت، وهذا الاختِيارُ اللَّفظِيُّ يَحمي الأرمَلةَ من وَصمةِ «زَوجَ المَتروكة»، ويُذَكِّرُ الجَميعَ بِأنَّ الانفِصالَ فَعَلَه اللهُ لا الزَّوج.

«يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ»: المَرأةُ فاعِلةً على حِدادِها

والمُؤَكَّدُ أنَّ التَّعبيرَ نَفسَه الَّذي وَرَدَ في آيةِ المُطَلَّقاتِ (228) يَتَكَرَّرُ هُنا: يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ، والمَرأةُ فيه هي الَّتي تَرقُبُ نَفسَها وتَعيشُ الحِدادَ وتَحفَظُ هذه المُدّة، وليسَ على زَوجِ المُتَوَفّى ولا أهلِه أن يُراقِبوها أو يَفرِضوا عَلَيها شَيئاً. وفاعِلِيَّتُها على جَسَدِها وزَمَنِها ثابِتةٌ في كِلا الحالَتَين.

«أربَعةَ أشهُرٍ وَعَشرًا»: مُدَّةٌ مَضبوطةٌ لا رَقمٌ عَشوائيّ

وهذه المُدّةُ قد تَكونُ مُدّةً يَتَّضِحُ فيها أمرُ الحَملِ إن وُجِد، فتُصانُ بِها الأنسابُ وتُحفَظُ حُقوقُها، ولا تَبدو رَقماً شَعائِرِيّاً عَشوائِيّاً. وتُوَحِّدُ الآيةُ المُدّةَ لِلجَميعِ ولَو لم تَكُنِ المَرأةُ في سِنِّ الحَمل، لِسَترِ الأوضاعِ الخاصّةِ دونَ تَفريقٍ يَكشِفُ أحوالَ النِّساء.

«فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ»: خِطابُ تَركٍ للمُجتَمَع

والخِطابُ في فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ مُوَجَّهٌ إلى المُجتَمَعِ (أقارِبِ الزَّوج، والأهل، والحُكّام)، لا إلى الأرمَلةِ نَفسِها، والمَعنى: لا تَعتَرِضوا ولا تُؤَنِّبوا ولا تَطلُبوا التَّفسير. وقَراراتُها بَعدَ انقِضاءِ المُدّةِ «في أنفُسِهِنَّ» شَأنٌ لَها لا لَكُم، والرِّجالُ (وحَتّى النِّساءُ من المُجتَمَعِ الَّذي يَحشُرُ أنفَه) مَأمورونَ بِالتَّنَحّي، وهذا أخطَرُ من التَّرخيصِ لِلأرمَلة: هو تَقييدٌ لِلمُجتَمَعِ عن التَّدَخُّل.

«بِالْمَعْرُوفِ»: المِعيارُ الضَّابِطُ للحُرِّيَّة

وحُرِّيّةُ الأرمَلةِ في قَراراتِها غَيرُ عَشوائِيّة: قَيدُ بِالْمَعْرُوفِ حاضِرٌ فيها، فلا تَفعَلُ ما يَمَسُّ كَرامَتَها، ولا ما يَخرِقُ قِيَمَ المُجتَمَعِ الَّتي يَعرِفُها النّاسُ عَدلاً. غَيرَ أنَّ تَحديدَ «المَعروف» هُنا اجتِماعِيٌّ ضَميرِيٌّ، لا ذُكورِيٌّ قَهرِيّ، فهي تَفعَلُ بِالْمَعْرُوفِ دونَ التَّبَعِيّة.

جَذرُ (خ ب ر) وَ«خَبِيرٌ»: الخِتامُ الدَّقيق

ولإيثارِ خَبِيرٌ على «عَليم» و«بَصير» دَلالة، و«الخَبِيرٌ» (خ ب ر) عالِمٌ بِالتَّفاصيلِ الدَّقيقة، ومَعرِفَتُه مَبنِيّةٌ على الاختِبار. فاللهُ يَعلَمُ بِدِقّةٍ ما تَفعَلونَ بَعدَ انقِضاءِ العِدّة: هل تَرَكتُمُ الأرمَلةَ حُرّةً أم ضَغَطتُم عَلَيها بِشَكلٍ خَفِيّ، وهل احتَرَمتُم قَراراتِها أم تَحايَلتُم عَلَيها، والخَبيرُ يَعلَمُ كُلَّ التَّفاصيلِ المَخفِيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «يُتَوَفَّوْنَ» مَوتٌ كاستِرجاعِ أمانةٍ إلَهِيّةٍ لا فَجيعةٌ وَحدَها؛ و«يَذَرُونَ» تَركٌ بِتَسليمٍ لا خِيارٌ زَوجِيّ؛ و«أربَعةَ أشهُرٍ وَعَشرًا» مُدّةٌ مَضبوطةٌ قد تَكشِفُ الحَملَ وتَحفَظُ حُرمةَ الحِداد؛ و«لا جُناحَ عَليكُم فيما فَعَلنَ» خِطابُ تَنَحٍّ لِلمُجتَمَعِ عن التَّدَخُّلِ في قَراراتِ الأرمَلة؛ و«خَبِيرٌ» خِتامُ المُراقَبةِ على تَفاصيلِ الضَّغطِ الخَفِيّ.


حَصيلة

تَنتَقِلُ الآيةُ من انفِصالِ الطَّلاقِ إلى انفِصالِ المَوت، لِتُكمِلَ البِنيةَ الحامِيةَ لِلمَرأةِ في كُلِّ سُقوطٍ لِلعَقد. وجِذرُ و-ف-ي في «يُتَوَفَّوْنَ» يَجعَلُ المَوتَ استِرجاعاً مِنَ اللهِ لِأمانةِ الرّوحِ وَفاءً بِالأجَلِ المَكتوبِ لا فَجيعةً عَبَثِيّة، وجِذرُ و-ذ-ر في «يَذَرُونَ» تَركٌ قَسرِيٌّ بِتَسليمٍ لا اختِيارٌ إرادِيٌّ من الزَّوج، فيَصونُ وَصفَ «أزواج» دونَ «أرامِل» لِيَحفَظَ كَرامةَ مَن خَلَّفَهُنّ. وعِبارةُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ﴾ تُعيدُ الفاعِلِيّةَ إلى المَرأةِ كَما في 228. والمُدّةُ «أربَعةَ أشهُرٍ وَعَشراً» مَضبوطةٌ قد تَكشِفُ الحَملَ وتَحفَظُ حُرمةَ الحِداد. وأمّا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ﴾ فخِطابُ تَنَحٍّ مُوَجَّهٌ إلى المُجتَمَعِ لا إلى الأرمَلة: لا اعتِراضَ ولا مُساءَلة، وقَراراتُها «في أنفُسِهِنَّ» شَأنُها وَحدَها بَعدَ انقِضاءِ الأجَل. وجِذرُ خ-ب-ر في «خَبِيرٌ» مَعرِفةٌ بِالتَّفاصيلِ المَبنِيّةِ على الاختِبار، أي إنَّ اللهَ يَرى كُلَّ ضَغطٍ خَفِيٍّ يُمارَسُ على الأرمَلةِ بَعدَ انقِضاءِ المُدّة.