التَّمام / الإتمام
**إلحاقُ الباقي بِما حَصَلَ حتّى يُطبِقَ الشَّيءُ على نَفسِه فلا يَبقى منه خارِجُه**. لَيسَ التَّمامُ في الجَذرِ وُصولاً إلى نُقطةٍ في طَريق، بَل انضِمامَ ما نَقَصَ إلى ما وُجِد. ولِذلك لا يُتَمُّ ما لم يَبدَأ: المَواضِعُ الخَمسةُ كُلُّها تَقَعُ على شَيءٍ قائِمٍ لَه بَقِيّةٌ مَعلومةُ الحَدّ.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف، والثّالِثُ تَكرارٌ لِلثّاني:
- ت: انطِباقٌ دَقيقٌ لِطَرَفِ اللِّسانِ يَقرَعُ أُصولَ الثَّنايا
العُليا قَرعاً خَفيفاً، فحَبسةٌ وَجيزةٌ بِضَغطٍ دَقيقٍ قد تَضعُفُ مُسكَتُها، فانفِتاحٌ خاطِفٌ يَقطَع. شِحنَتُه: لِقاءٌ دَقيقٌ لا يَطولُ مَسكُه فيَنقَطِعُ عنه.
- م: انطِباقٌ ضامٌّ لِلشَّفَتَينِ يُمسِكُ النَّفَسَ المَجهورَ في
جَوفٍ مُغلَقٍ ثُمَّ يُنفِذُه رَنيناً مُمتَدّاً من الأنف. شِحنَتُه: ضَمٌّ يُمسِكُ ما اجتَمَعَ ثُمَّ يَستَرسِل.
- م (مُكَرَّرة): تُضاعِفُ الضَّمَّ فيُطبِقُ المُجتَمِعُ على نَفسِه،
ولا يَبقى منه شَيءٌ خارِجَه.
النَّواةُ تَم (ت + م) = لِقاءٌ دَقيقٌ ضَعيفُ المَسكِ يُضَمُّ إليه فيُمسَك: ما مَسَّ ولم يَثبُتْ، يُجمَعُ إليه غَيرُه فيَثبُت. وتَكرارُ م يُطبِقُ هذا المَجموعَ على نَفسِه، فيَصيرُ الجَذرُ كُلُّه: ضَمُّ ما بَقِيَ إلى ما حَصَلَ حتّى يُطبِقَ الشَّيءُ على نَفسِه.
وهُنا مَوضِعٌ يَنبَغي أن يُقالَ صَريحاً لِئَلّا تَدورَ القِراءةُ على نَفسِها: القانونُ يُسَمّي أحَدَ وُجوهِ ت «القَطعَ والتَّمامَ والانفِلات»، فيَبدو كَأنَّ المَعنى مَأخوذٌ من الاسمِ لا من الحَرف. والذي في ت وَحدَها تَمامُ انقِطاع: لِقاءٌ خَفيفٌ يَضعُفُ مَسكُه فيَنفَلِتُ، أي انتِهاءٌ بِالكَفِّ عن المُتابَعة. وهذا غَيرُ الذي في الجَذر. فالذي حَوَّلَ تَمامَ الانقِطاعِ إلى تَمامِ الاستِيفاء هو الميمُ المُكَرَّرةُ بَعدَه: ضَمٌّ يُمسِكُ ثُمَّ يُضاعَفُ فيُطبِق. ولَو كانَ الحَرفُ الأوَّلُ كافِياً لَما احتاجَ الجَذرُ إلى ما بَعدَه.
ومنه في كلامِ العَرَب:
- تَمَّ الشَّيء: انضَمَّ إليه ما كانَ ناقِصاً منه فاستَوى. ولا يُقالُ
لِما لم يوجَدْ منه شَيء.
- أتَمَّتِ الحامِل: بَلَغَ حَملُها آخِرَ مُدَّتِه. والحَملُ قائِمٌ
قَبلَ ذلك، وإنَّما لَحِقَته بَقِيَّتُه.
- التَّميمة: ما كانوا يُعَلِّقونَه يَطلُبونَ بِه دَفعَ النَّقصِ عن
الشَّيء. فالاسمُ مَبنيٌّ على النَّقصِ المَخوفِ لا على الابتِداء.
- تَمَّمَ على الجَريح: أجهَزَ عليه فلم يُبقِ فيه بَقِيّة. الصّورةُ
نَفسُها في جِهَةِ الإهلاك: إلحاقُ ما بَقِيَ بِما وَقَع.
- البَدرُ في تَمامِه: ما لم يَبقَ من دائِرَتِه ناقِص. وهو أوضَحُ
الشَّواهِدِ حِسّاً: التَّمامُ انطِباقُ الشَّيءِ على نَفسِه لا وُصولُه إلى مَوضِع.
الشِّحنةُ الجامعةُ لِلجَذرِ ت-م-م: إلحاقُ الباقي حتّى يُطبِقَ الشَّيءُ على نَفسِه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في القرآنِ ويَحسِمُ ما لا يَحسِمُه ظاهِرُ اللَّفظ: أنَّ الجَذرَ لا يَرِدُ في المُسَجَّلِ لازِماً في مَوضِعٍ واحِد. المَواضِعُ الخَمسةُ كُلُّها على وَزنِ أَفعَلَ مُتَعَدِّياً، ولا يُقالُ فيها «تَمَّ» بَل «أتَمَّ»: التَّمامُ حالٌ لا يُخبَرُ عنها هُنا، والمُخبَرُ عنه فِعلُ مَن ألحَقَ الباقي. ويَشهَدُ لِلشِّحنةِ أنَّ المَفعولاتِ الخَمسةَ على اختِلافِ أجناسِها (كَلِماتٌ ابتُلِيَ بِها، ونِعمةٌ مُضافةٌ إلى مُنعِمِها، وصِيامٌ بَدَأَ من الفَجر، ونُسُكانِ شُرِعَ فيهِما، ورَضاعةٌ مَحدودةٌ بِحَولَين) تَشتَرِكُ في أمرَينِ لا ثالِثَ لَهُما: كُلُّ واحِدٍ منها قائِمٌ قَبلَ الأمرِ بِإتمامِه، ولِكُلِّ واحِدٍ منها بَقِيّةٌ مَعلومةُ الحَدّ.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- فَأَتَمَّهُنَّ (ماضي أَفعَلَ مُتَّصِلاً بِضَميرِ جَماعةِ الإناث):
مَوضِعٌ واحِد، والحَدَثُ فيه واقِعٌ مَفروغٌ منه، ومَفعولُه ضَميرٌ عائِدٌ على مَعدود.
- وَلِأُتِمَّ (مُضارِعُ أَفعَلَ مَنصوباً بِلامِ التَّعليلِ
لِلمُتَكَلِّم): مَوضِعٌ واحِد، فيَصيرُ الإتمامُ عِلّةً لِما قَبلَه لا خَبَراً عن وُقوعِه.
- أَتِمُّوا (أمرٌ من أَفعَلَ لِجَماعةِ المُخاطَبين): مَوضِعان، وفي
الثّاني بِواوِ العَطفِ وَأَتِمُّوا، وفي كِلَيهِما يُذكَرُ مَعَ المَفعولِ ما يَحُدُّه: غايةٌ بِـ«إلى» في الأوَّل، وجِهةٌ بِاللّامِ في الثّاني.
- يُتِمَّ (مُضارِعُ أَفعَلَ مَنصوباً بِـ«أن» بَعدَ فِعلِ الإرادة):
مَوضِعٌ واحِد، فيُعَلَّقُ الإتمامُ على إرادةِ فاعِلِه.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الخَمسة (إلحاقُ الباقي حتّى
يُطبِق)، ووَزنُ أَفعَلَ يُضيفُ التَّعدِيَةَ وَحدَها: التَّمامُ لا يَقومُ
في المُسَجَّلِ بِنَفسِه بَل يَقَعُ بِفاعِلٍ يُلحِقُ الباقي. ولِذلك
تَتَوَزَّعُ الصِّيَغُ على جِهاتِ الحُكمِ لا على جِهاتِ المَعنى: ماضٍ
يُخبِرُ عن وُقوعِه، ولامٌ تَجعَلُه عِلّة، وأمرٌ يَطلُبُه، و«أن» بَعدَ
إرادةٍ تَجعَلُه مَوكولاً. وأربَعُ جِهاتٍ في خَمسةِ مَواضِعَ لا تَتَغَيَّرُ
معها شِحنةُ الجَذرِ قَيدَ شَعرة.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
balagh(البُلوغ، ب-ل-غ): انتِهاءٌ إلى حَدٍّ مَقصود. والفَرقُ
بِنيَويٌّ يُقرَأُ من آخِرِ حَرفٍ في كُلِّ جَذر. ب-ل-غ يُغلَقُ بِـغ، وهي غُؤورٌ يَنفُذُ من عُمقِه، فالحَرَكةُ فيه تَمضي في خَطٍّ وتَنفُذُ حتّى تَقِفَ عِندَ نُقطة، والمَقيسُ مَسافةُ سائِرٍ إلى حَدّ. وت-م-م يُغلَقُ بِـم مُكَرَّرة، وهي ضَمٌّ يُمسِكُ ويُطبِق، فالحَرَكةُ فيه انضِمامُ جُزءٍ إلى جُزء، والمَقيسُ نَقصُ كُلٍّ عن نَفسِه. ويَتَرَتَّبُ على هذا فَرقانِ ظاهِرانِ في المُسَجَّل: البُلوغُ يَقَعُ لازِماً ويُسنَدُ إلى ما لا أجزاءَ لَه (الهَديُ، الكِتابُ، الكِبَر)، والإتمامُ لا يَقَعُ إلّا مُتَعَدِّياً وعلى ذي بَقِيّة. والذي بَلَغَ لم يَكُنْ قَبلُ ناقِصاً بَل بَعيداً، والذي أُتِمَّ كانَ قَبلُ ناقِصاً لا بَعيداً. وأصرَحُ ما يُقيمُ الفَرقَ أنَّ الجَذرَينِ اجتَمَعا في آيةٍ واحِدة (٢:١٩٦): «وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ» ثُمَّ «حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ»، فالنُّسُكُ يُتَمُّ والهَديُ يَبلُغ، ولم يُعكَسِ اللَّفظانِ ولا يَستَقيمُ عَكسُهُما: لِلهَديِ مَحِلٌّ يَنتَهي إليه، ولِلنُّسُكِ بَقِيَّةٌ تُلحَقُ بِه.
- الكَمال (ك-م-ل): ولا مَفهومَ لَه في المُعجَمِ بَعد. والتَّوزيعُ في
المَنشورِ حاسِمٌ وقابِلٌ لِلعَدّ: ك-م-ل يَرِدُ ثَلاثَ مَرّاتٍ ولا يَقَعُ في واحِدةٍ منها إلّا على مَعدود («وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ» ٢:١٨٥، «عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ» ٢:١٩٦، «حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» ٢:٢٣٣)، وت-م-م يَرِدُ خَمساً ولا يَقَعُ على عَدَدٍ قَطّ. والقِراءةُ لِهذا التَّوزيعِ من الحُروف: ك-م-ل يُغلَقُ بِـل وهي تَعَلُّقٌ ثُمَّ امتِدادٌ مُستَقِلّ، فالمُجتَمِعُ يَخرُجُ قائِماً بِنَفسِه كَما يَقومُ العَدَدُ إذا استَوفى؛ وت-م-م يُغلَقُ بِالميمِ المُضاعَفةِ فيَنطَبِقُ على نَفسِه ولا يَخرُج. فالكَمالُ حالٌ تُوصَفُ، والإتمامُ عَمَلٌ يُطلَب. وقد تَجاوَرَ الجَذرانِ في آيَتَينِ من الخَمسِ ولم يَتَبادَلا مَوقِعَهُما في واحِدةٍ منهُما.
wafa(الوَفاء، و-ف-ي): إيصالُ الشَّيءِ إلى تَمامِه بِلا نَقص.
والفَرقُ في المَنظورِ إليه: الوَفاءُ يَنظُرُ إلى حَقٍّ لِغَيرِ الموفي يُستَوفى (كَيلٌ وعَهدٌ وأجر)، فمِقياسُه ما عِندَ الآخَر؛ والإتمامُ يَنظُرُ إلى الشَّيءِ نَفسِه، فمِقياسُه ما نَقَصَ منه هو. ولِذلك اتَّصَلَ الوَفاءُ في المُسَجَّلِ بِالعَهدِ والعَقد، ولم يَتَّصِلْ بِهِما الإتمامُ في مَوضِعٍ واحِد.
fisal(الفِصال، ف-ص-ل): انفِتاحٌ صُلبٌ يَمتَدُّ فاصِلاً. وهو
مُقابِلُ الإتمامِ في المَحَلِّ لا في البِنية: ذاكَ إلحاقٌ وهذا قَطع. واجتَمَعا في ٢:٢٣٣ مُعَلَّقَينِ كِلاهُما على إرادةٍ لا على أمر، فيُقرَأُ الجَذرانِ هُناكَ بابَينِ مَفتوحَينِ لا حُكمَينِ مُتَنازِعَين.
المَواضع: مَواقعُ التَّمام في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٢٤ ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الجَديدُ: الجَذرُ يَدخُلُ القرآنَ ماضِياً واقِعاً لا مَطلوباً، ومَفعولُه ضَميرٌ عائِدٌ على كَلِمات: فأوَّلُ ما يَقَعُ عليه الإتمامُ جُملةُ أشياءَ أُلقِيَت، لا مُدّةٌ ولا مِقدار. والفاءُ تَصِلُه بِالابتِلاءِ بِلا فاصِل، فيُجعَلُ تَمامُ المُبتَلى بِه هو جَوابَ الابتِلاءِ نَفسَه: لا يُسأَلُ المُبتَلى عن شَيءٍ سِوى أن يُلحِقَ بِما وَقَعَ بَقِيَّتَه. ويَتَرَتَّبُ على الإتمامِ جَعلٌ («إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا»)، فيَكونُ التَّمامُ سَبَباً لِمَنزِلةٍ لا خاتِمةً لِعَمَل. ثُمَّ يُحَدُّ المَجعولُ بِما يَمنَعُ تَوارُثَه («لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ»)، فما تَمَّ لِواحِدٍ لا يَتِمُّ لِغَيرِه بِالنَّسَب. انظُر الكَلِمة.
- ٢:١٥٠ ﴿وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ﴾: يَنتَقِلُ الجَذرُ من الخَبَرِ إلى التَّعليل. الجَديدُ: تَدخُلُ عليه لامُ التَّعليل، فيَصيرُ الإتمامُ غايةً يُساقُ لِأجلِها حُكمٌ قَبلَه لا حَدَثاً يُخبَرُ عن وُقوعِه. وأوَّلُ إسنادٍ صَريحٍ لِلفِعلِ إلى مُتَكَلِّمٍ واحِد، ومَفعولُه مُضافٌ إليه («نِعمَتي»): لا يُتِمُّ الشَّيءَ إلّا مَن كانَ لَه، وهذا ما تَقتَضيه صورةُ الجَذر، إذ لا يُلحِقُ البَقِيَّةَ بِالحاصِلِ إلّا مَن مَلَكَ الحاصِلَ أوَّلاً. و«عَلَيكُم» تَجعَلُ المُتَمَّمَ نازِلاً على المُخاطَبينَ لا قائِماً فيهِم، فيُقرَأُ التَّمامُ من جِهَةِ المُنعِمِ لا من جِهَةِ المُنعَمِ عليه. ومَوقِعُه بَعدَ ثالِثِ أمرٍ بِتَولِيَةِ الوَجهِ شَطرَ المَسجِدِ الحَرام يَجعَلُ المُتَمَّمَ أمراً قائِماً قَبلَه، وهو شَرطُ الجَذر. انظُر النِّعمة.
- ٢:١٨٧ ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾: أوَّلُ أمرٍ بِالإتمام. الجَديدُ: يَخرُجُ الجَذرُ من الخَبَرِ والتَّعليلِ إلى الطَّلَب، ومَفعولُه لِأوَّلِ مَرّةٍ مُدّة لا مَعدودٌ ولا عَينٌ تُملَك. وتُذكَرُ لِلمُدّةِ غايةٌ بِحَرفِ «إلى» («إلى اللَّيل») ويُذكَرُ لَها مُبتَدَأٌ قَبلَها («حَتَّىٰ يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ»)، فيَقَعُ الإتمامُ بَينَ حَدَّينِ مَرسومَينِ كِلاهُما مَذكورٌ في الآية. وهذا أوضَحُ ما يُظهِرُ أنَّ الإتمامَ إلحاقُ الباقي بِالحاصِل: الصِّيامُ قائِمٌ من الفَجر، والمَأمورُ بِه إلحاقُ بَقِيَّتِه لا ابتِداؤُه. و«ثُمَّ» تَضَعُ الأمرَ بَعدَ إباحةٍ صَريحةٍ لِلأكلِ والشُّربِ إلى الفَجر، فيُعلَمُ أنَّ الباقي وَحدَه هو المَطلوب. انظُر الصِّيام.
- ٢:١٩٦ ﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ﴾: مَفعولانِ لا واحِد. الجَديدُ: يَتَصَدَّرُ الإتمامُ الآيةَ فيَقَعُ أصلاً يُبنى عليه سائِرُها، ويَتَعَدّى إلى نُسُكَين مَعطوفَينِ لا إلى مُدّةٍ ولا كَلِمات، ويُقَيَّدُ بِجِهةٍ («لِلَّهِ») لم تُذكَرْ في المَواضِعِ قَبلَه: فيَنضافُ إلى البَقِيَّةِ المَطلوبةِ وَجهٌ تُقصَدُ بِه. ثُمَّ يُعالِجُ سائِرُ الآيةِ ما يَحولُ دونَ التَّمام («فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ») وما يُجبَرُ بِه النَّقص (الهَديُ والفِديةُ والصِّيام)، فيُقرَأُ الأمرُ أصلاً وما بَعدَه بَدَلاً عِندَ التَّعَذُّر. وفي الآيةِ نَفسِها جَذرانِ يُجاوِرانِ هذا الجَذرَ ولا يَقومانِ مَقامَه: «حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ» و«تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ»، فيَنقَسِمُ في نَصٍّ واحِدٍ ما يُتَمُّ وما يَبلُغُ وما يوصَفُ بِالكَمال. انظُر الحَجّ.
- ٢:٢٣٣ ﴿لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ﴾: الإتمامُ يُعَلَّقُ على إرادة. الجَديدُ: لا خَبَرَ ولا تَعليلَ ولا أمر، بَل تَعليقٌ على إرادةِ فاعِلِه، وهو الوَجهُ الرّابِعُ في خَمسةِ مَواضِع. ومَفعولُه مُدّةٌ قد رُسِمَ حَدُّها قَبلَه بِلَفظٍ من جَذرٍ آخَر («حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ»)، فيَقَعُ الإتمامُ داخِلَ حَدٍّ وُصِفَ بِغَيرِ هذا الجَذر: يُوصَفُ العَدَدُ بِالكَمال، وتُلحَقُ البَقِيَّةُ بِالإتمام. وتَذكُرُ الآيةُ نَفسُها إمكانَ القَطعِ قَبلَ الحَدّ («فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا») مُعَلَّقاً هو أيضاً على إرادة، فيَتَقابَلُ في الآيةِ الواحِدةِ إلحاقٌ وقَطعٌ كِلاهُما مَوكولٌ لا مَفروض. فيَتَبَيَّنُ أنَّ الجَذرَ في نَفسِه لا يَقتَضي لُزوماً: هو يَصِفُ ما يُفعَلُ بِالبَقِيَّة، والإلزامُ يَجيءُ من صيغةِ الطَّلَبِ حَيثُ جاءَت لا من الجَذر. انظُر الفِصال.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ البَلاغ / البُلوغ في ٢:١٩٦: الآيةُ الواحِدةُ تَحمِلُ الجَذرَينِ
مُوَزَّعَينِ تَوزيعاً لا يَنعَكِس: النُّسُكُ يُتَمُّ والهَديُ يَبلُغُ مَحِلَّه. وهي في المُسَجَّلِ بَيتُ الأصلِ لِـbalagh أيضاً، فيَجتَمِعُ لِلجَذرَينِ في مَوضِعٍ واحِدٍ أوَّلُ تَعريفٍ لِأحَدِهِما وأوضَحُ فَرقٍ عن الآخَر.
- مَعَ ك-م-ل غَيرِ المُسَجَّلِ بَعد في ٢:١٩٦ و٢:٢٣٣: الجَذرانِ
يَتَجاوَرانِ في آيَتَين، وفي كِلتَيهِما يُوصَفُ بِالكَمالِ عَدَدٌ («عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ»، «حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ») ويُطلَبُ بِالإتمامِ غَيرُ العَدَد. فالتَّجاوُرُ نَفسُه هو الفارِق، ولا يُنتَظَرُ تَسجيلُ ك-م-ل لِيُقرَأَ البابُ من طَرَفَيه.
المُتَمَّمُ، والإمامةُ جَزاءُ التَّمام، والعَهدُ حَدُّ الجَزاءِ فلا يَنالُ الظّالِمين. فتُقرَأُ الآيةُ ثَلاثَ مَراحِلَ لا ثَلاثَ جُمَل: ما أُلقِيَ، وما تَرَتَّبَ على استيفائِه، وما لا يَجري فيه.
- مَعَ الصِّيام في ٢:١٨٧ و٢:١٩٦: المَوضِعانِ اللَّذانِ فيهِما صيغةُ
الأمرِ هُما نَفسُهُما مَوضِعا الصِّيام، مَرّةً مَفعولاً لِلإتمامِ ومَرّةً بَدَلاً عِندَ العَجزِ عن التَّمام. فيُقرَأُ الصِّيامُ في هذا الجَذرِ مَرَّةً غايةً ومَرَّةً جابِراً.
مَرَّتَينِ، مَرّةً مُفرَدةً لِلإتمامِ ومَرّةً مُثَنّاةً لِلفِصال. فما يُلحِقُ البَقِيَّةَ تَكفيه إرادةٌ واحِدة، وما يَقطَعُها لا يَقَعُ إلّا بِإرادَتَينِ عن تَراضٍ وتَشاوُر، وهو فَرقٌ في النَّصِّ لا في التَّقدير.
- مَعَ النِّعمة في ٢:١٥٠: النِّعمةُ عَطاءٌ يَنزِلُ فيَستَقِرّ،
والإتمامُ إلحاقُ بَقِيَّتِه. فيُقرَأُ من اجتِماعِهِما أنَّ النِّعمةَ في المُسَجَّلِ لا تُوصَفُ بِالابتِداءِ وَحدَه: لَها حاصِلٌ ولَها بَقِيّةٌ يُصَرَّحُ بِأنَّها مَقصودة.
الإشكالات المَفتوحة
- مَن فاعِلُ «فَأَتَمَّهُنَّ» في ٢:١٢٤؟ أقرَبُ مَذكورٍ قَبلَه
«رَبُّه»، وسِياقُ الابتِلاءِ يَقتَضي أن يَكونَ المُبتَلى هو الذي استَوفى. والآيةُ لا تُصَرِّح، وقِراءةُ الجَذرِ لا تُرَجِّحُ أحَدَهُما لِأنَّ إلحاقَ الباقي بِالحاصِلِ يَصِحُّ مِمَّن ألقى الكَلِماتِ ومِمَّن حُمِّلَها. مَفتوح.
- خُلُوُّ المُسَجَّلِ من الفِعلِ اللّازِمِ «تَمَّ»: أحُكمٌ في الجَذرِ
أم أثَرُ قِلّةِ المَواضِع؟ الخَمسةُ كُلُّها أَفعَلُ مُتَعَدٍّ، وهو اطِّرادٌ تامٌّ في المَنشور، لكنَّ خَمسةً أساسٌ ضَيِّقٌ لِلتَّعميم. يُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ فيها الجَذر. مَفتوح.
- «كَلِماتٍ» في ٢:١٢٤: أتُتَمُّ بِالعَدَدِ أم بِالعَمَل؟ لَو كانَت
تُتَمُّ بِالعَدَدِ لَكانَ ك-م-ل أولى بِها على ما جَرى عليه تَوزيعُ الجَذرَينِ في المُسَجَّل، فيُرَجَّحُ أنَّ المُلحَقَ عَمَلٌ لا رَقم. والآيةُ لا تَذكُرُ عَدَداً ولا عَمَلاً، فالتَّرجيحُ من التَّوزيعِ لا من النَّصّ. مَفتوح.
- هل الفَرقُ بَينَ ت-م-م وك-م-ل ثابِتٌ أم أثَرُ مَقامات؟ التَّوزيعُ
في المَنشورِ لا يَشِذُّ عنه مَوضِعٌ من ثَمانِيَة، ومنه آيَتانِ يَجتَمِعُ فيهِما الجَذرانِ، وهذا أقوى ما يُمكِنُ أن يُقالَ بِعَدَدٍ كَهذا. مَفتوح إلى أن تُنشَرَ سُوَرٌ أُخرى.
- **«لِأُتِمَّ نِعمَتي» في ٢:١٥٠: أالنِّعمةُ واحِدةٌ لَها بَقِيّةٌ أم
جِنسٌ يُستَوفى؟** الإفرادُ يُرَجِّحُ الأوَّل، وإضافَتُها إلى المُتَكَلِّمِ تَحتَمِلُ الثّاني. والفَرقُ لَيسَ لَفظِيّاً: على الأوَّلِ يَكونُ المُتَمَّمُ جُزءاً بِعَينِه، وعلى الثّاني يَكونُ اكتِمالَ الجِنس. مَفتوح.