الفجر · الآية 2

﴿وَلَيَالٍ عَشْرٍ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَيَالٍ عَشْرٍ

«وَلَيالٍ»: قَسَمٌ مَوصولٌ بِما قَبلَه

الواوُ في صَدرِ الآيةِ واوُ القَسَم، تَعطِفُ مُقسَماً بِه على مُقسَمٍ بِه، فبَعدَ «الفَجر» تَأتي «لَيالٍ»، ويَنتَقِلُ القَسَمُ من مَطلَعٍ واحِدٍ يَشُقُّ الظُّلمةَ إلى لَيالٍ مَعدودةٍ تَتَتابَع. وعُدِلَ بِاللَّيالي عن التَّعريفِ المَحدودِ الاسمِ إلى التَّنكير: «لَيالٍ»، كأنَّها تُذكَرُ بِعَدَدِها لا بِاسمِها، فيَبقى الالتِفاتُ إلى الكَمِّ والتَّتابُعِ دونَ تَعيينٍ مُغلَق.

وجَمعُ «لَيلةٍ» على «لَيالٍ» يَزيدُ في البِنيَةِ حَرفاً ليس في المُفرَد، فكأنَّ الجَمعَ نَفسَه يُطيلُ النَّفَسَ ويَمُدُّ الظِّلال. واللَّيلُ في الكِتابِ كَثيراً ما يُقرَنُ بِالنَّهارِ ضِدّاً يُكمِلُه، غَيرَ أنَّ القَسَمَ هنا أفرَدَ اللَّياليَ وَحدَها، فتُسمَعُ ساكِنةً مَستورةً، وَقتاً يَنطَوي على ما لا يُرى في وَضَحِ النَّهار.

«لَيالٍ»: السِّترُ الذي يَلتَفّ

وأصلُ ل-ي-ل غِطاءٌ يَنسابُ مُمتَدّاً حتّى يَلتَصِقَ بِما تَحتَه فيَستُرَه، واللَّيلُ يُغَطّي الأرضَ تَغطيةً مُتَّصِلةً لا يُرى فيها حَدّ، ويَزحَفُ حتّى يَعُمّ. فهو سِترٌ يَلتَئِمُ لا قاطِعٌ يَفصِل، يُسكِنُ الحَرَكةَ ويُخفي المَعالِمَ ويُرجِئُ الكَشفَ إلى فَجرٍ آت.

ولأنَّ اللَّيلَ سِترٌ ساكِن صارَ القَسَمُ بِه قَسَماً بِزَمَنٍ يَنطَوي على عَمَلٍ خَفيّ، وما يَجري في اللَّيلِ يَجري بَعيداً عن العَين. واللَّيالي المَعدودةُ تَجعَلُ هذا السِّترَ مُتَتابِعاً مَرَّةً بَعدَ مَرَّة، فكأنَّها تُشيرُ إلى مُدّةٍ مَطويّةٍ يَنضَجُ فيها ما لا يَظهَرُ إلا في خِتامِها.

«عَشْرٍ»: عَدَدٌ يَجمَعُ ويُحيط

الجِذرُ ع-ش-ر مَدارُه على تَجَمُّعٍ يَلتَئِمُ ويُخالِطُ حتّى يَصيرَ جُملةً واحِدة، ومِنه «العَشيرةُ» لِلقَومِ المُتَلاحِمينَ المُختَلِطين، و«العِشرةُ» لِلمُخالَطةِ والمُصاحَبة، و«المُعاشَرةُ» لِالتِئامِ حَياةٍ بِحَياة. والعَشْرُ من هذا الأصلِ نَفسِه: عَدَدٌ يَجمَعُ آحادَه في عِقدٍ تامٍّ يُحيطُ بها، وهو أوَّلُ العُقودِ بَعدَ الآحاد.

فوُصِفَتِ اللَّيالي بِالعَشْرِ فاجتَمَعَت في وَحدةٍ مَعدودةٍ مَحدودةِ الطَّرَفَين، وخَرَجَت عن أن تَكونَ مَبثوثةً مُفَرَّقة: لَيالٍ لها بَدءٌ ومُنتَهى، تُحَدُّ بِعَدَدٍ يُحيطُ بها فيَجعَلُها مُدّةً قائِمةً بِذاتِها. فالقَسَمُ إذَن واقِعٌ على لَيالٍ مَجموعةٍ في عِقدٍ تامّ، وقد عُدِلَ بِه عن لَيلٍ مُطلَقٍ مُمتَدّ.


حَصيلة

عَطَفَتِ الواوُ مُقسَماً بِه جَديداً على «الفَجر»: «لَيالٍ عَشْرٍ»، مُنَكَّرةً تُذكَرُ بِعَدَدِها لا بِاسمِها. وأصلُ ل-ي-ل غِطاءٌ يَنسابُ مُمتَدّاً حتّى يَلتَصِقَ بِما تَحتَه فيَستُرَه، فاللَّيلُ سِترٌ ساكِنٌ يَنطَوي على ما لا يُرى، وأصلُ ع-ش-ر تَجَمُّعٌ يَلتَئِمُ في عِقدٍ تامٍّ يُحيط، فالعَشْرُ يَجمَعُ اللَّياليَ في مُدّةٍ مَحدودةِ الطَّرَفَين. وبِذلك تُقسِمُ الآيةُ بِزَمَنٍ مَطويٍّ مَستور، هو مَعَ ذلك مَعدودٌ مَجموعٌ في وَحدةٍ تامّة، أي سِترٌ يَتَتابَعُ مَرّاتٍ مَحصورةً، يَنضَجُ فيه ما يُكشَفُ في خِتامِه.