البقرة · الآية 196

﴿وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۚ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ ۚ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۖ وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّىٰ يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ ۚ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ ۚ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ ۚ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ ۗ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ۚ ذَٰلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ۚ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ

«أتِمُّوا الحَجَّ والعُمرَةَ لله»: (ت م م) و(ح ج ج) و(ع م ر)

و«أتِمّوا» من جذرِ (ت م م)، ونُواتُه «إكمالُ الشيءِ بأن يَصِلَ إلى حَدِّه الأخير»، ومنه «تَمامُ القَمَر» حينَ يَصِلُ إلى شكلِه الكامل. والحَجُّ، كما تَبَيَّنَ في آيةِ 189، من جذرِ (ح ج ج)، ونُواتُه القَصدُ المُتَكَرِّرُ حتى تَثبُتَ الحُجّةُ عندَ القاصِد. والعُمرةُ من جذرِ (ع م ر)، ونُواتُه «إسكانُ الشيءِ وإدامةُ حُضوره»، ومنه «عَمَّرَ البيتَ» إذا جَعَلَه مَسكوناً، و«العُمر» للفَترةِ التي يَكونُ فيها الإنسانُ ساكِناً في بَدَنه. فـ«العُمرة» زيارةٌ تُعَمِّرُ البَيتَ بحُضورِ الزَّائر، وهي قَصيرةٌ في الزَّمنِ غيرَ أنّها تُحيي المَكانَ بالحَركة. والفارِقُ إذاً أنَّ الحَجَّ دَورٌ قَصدِيٌّ يَتَكرَّرُ في موسمِه، والعُمرةَ دَورٌ عِمارِيٌّ يَتَكَرَّرُ في أيِّ وَقت. وكِلاهُما «لله»، أي مَنسوبانِ إليه، فلا يَصِحُّ أن يُصرَفا لأحدٍ غيرِه ولا لمَظهَرٍ اجتماعيٍّ ولا لفَخرِ قَبيلة.

«فإن أُحصِرتُم»: (ح ص ر) والعائقُ الذي يَحبِسُ عن الدَّور

والمؤكَّدُ أنَّ «أُحصِرتُم» من جذرِ (ح ص ر)، ونُواتُه «إحاطةُ الشيءِ بما يَمنَعُه من الخُروج»، ومنه «الحَصيرُ» لأنَّه يَحصُرُ الجالِسَ في رُقعَتِه، و«حَصَرَ الخَصمَ» إذا أحاطَه بحُجَجٍ فلم يَجِد مَخرَجاً. فالمُحصَرُ هنا مَن أحاطَ به ما يَمنَعُه من إتمامِ دَوره، من مَرَضٍ أو عَدوٍّ أو عائقٍ سياسيّ. وعُدِلَ عن «فإن مَرِضتُم» و«فإن هاجَمَكم» إلى لفظٍ يَجمَعُ الحالاتِ تحتَ جَذرِ الإحاطة، وهذا يَفتَحُ البابَ لتَقدِيرِ كلِّ ما يَحبِسُ الحاجَّ عن تَمامِ دَوره.

«فما استَيسَرَ من الهَدي»: (ي س ر) و(ه د ي)

و«استَيسَر» من جذرِ (ي س ر)، ونُواتُه «السُّهولةُ وقِلّةُ المَشَقّة». وصيغةُ الاستِفعالِ في «استَيسَر» تَدُلُّ على طَلَبِ اليُسر، والمُرادُ ما وُجِدَ منه سَهلَ التَّحصيل. و«الهَدي» من جذرِ (ه د ي)، ونُواتُه «الإرسالُ إلى مَوضِعٍ بِرفقٍ وقَصد»، ومنه «الهَدِيّة» لأنَّها تُرسَلُ برِفقٍ إلى المُهدى إليه، و«الهِدايةُ» لأنَّها إرسالُ القَلبِ إلى مَوضِعِه الصَّحيح. فالهَديُ هنا ذَبيحةٌ تُرسَلُ إلى مَحَلِّها (البَيت) نَيابةً عن المُحصَر. وقاعدةُ «ما استَيسَر» تَقطَعُ بابَ التَّكلُّف: يُطلَبُ المُتاح، ولا يُطلَبُ المُستَحيل.

«ولا تَحلِقوا رُؤوسَكم حتى يَبلُغَ الهَديُ مَحِلَّه»: (ح ل ق) و(ب ل غ) و(ح ل ل)

و«تَحلِقوا» من جذرِ (ح ل ق)، ونُواتُه «الاستِدارةُ»، ومنه «الحَلقةُ» للدائرة، و«الحَلْقُ» للرأسِ لأنَّ الشَّعرَ يُزالُ عنه بحَركةٍ مُتّجِهةٍ دائرةً حولَ الرَّأس، والحَلقُ في الحَجِّ عَلامةُ انتِهاءِ دَورِ الإحرام. و«يَبلُغَ» من جذرِ (ب ل غ)، ونُواتُه «الوُصولُ إلى الغايةِ بعدَ مَسافة». و«مَحِلَّه» من جذرِ (ح ل ل)، ونُواتُه «النُّزولُ والاستِقرار»، ومنه «حَلَّ القومُ» إذا نَزَلوا، و«حَلالٌ» لما استَقَرَّ في دائرةِ الإباحة. فالآيةُ تَأمُرُ بعَدَمِ تَعجُّلِ نِهايةِ الدَّور (الحَلْق) حتى يَصِلَ الهَدي إلى مَحَلِّه (مَوضِع استِقرارِه ونَحرِه)، والرُّوحُ هنا أنَّ النِّهايةَ الطَّقسيّةَ مُرتَبِطةٌ بالاكتِمالِ المادّيّ للدَّور، فلا يُنهى الدَّورُ قبل أن يَستَقِرَّ بَديلُه.

«فمَن كان مَريضاً أو به أذىً من رأسه»: الفِديةُ بَديلاً مَرناً

ثمَّ تَنتَقِلُ الآيةُ إلى حالةِ العَجزِ البَدنيِّ الخاصّ. والمَريضُ من جذرِ (م ر ض)، والأذى من جذرِ (أ ذ ي)، ونُواتُه «ما يُؤلِمُ دونَ أن يَقتُل». فالمَحلوقُ رأسُه لِعُذرٍ يُعطى بدائلَ، «صِيامٌ أو صَدَقةٌ أو نُسُك»، ولا يُعامَلُ مُعامَلةَ مَن قَصَّر. والصِّيامُ حَبسُ النَّفسِ عن الطَّعام، والصَّدقةُ إخراجُ مالٍ مُصَدِّقٌ لصِدقِ المُعطي (من جذرِ (ص د ق))، والنُّسُكُ من جذرِ (ن س ك)، ونُواتُه «التَّخصيصُ لله»، ومنه «ناسِكٌ» لمَن خَصَّصَ وَقتَه لعبادة، و«مَنسِك» للمَوضِعِ المُخَصَّصِ للذَّبح. فالبَدائلُ الثلاثةُ تَعمَلُ على ثلاثةِ مَحاور: الجَسَدِ (صِياموالمالِ (صَدَقة)، والتَّخصيصِ الزَّمنيِّ (نُسُك)، وأيُّها تَمَّ تَمَّ به دَورُ الفِدية، لأنَّ الدَّورَ مَحفوظٌ والوَظيفةَ مَحفوظةٌ وإن تَغَيَّرَ شَكلُها.

«فإذا أَمِنتُم فمَن تَمَتَّعَ بالعُمرةِ إلى الحَجّ»: (أ م ن) و(م ت ع)

والمؤكَّدُ أنَّ «أَمِنتُم» من جذرِ (أ م ن)، ونُواتُه «ذَهابُ الخَوفِ واستِقرارُ القَلب»، ومنه «الإيمان»، وهو ذَهابُ الخَوفِ من الحَقِّ، و«الأمانةُ» لما يُودَعُ عندَ مَن يُؤمَنُ عليه. فالسِّياقُ سِياقٌ رُفِعَ عنه الإحصارُ وعادَ فيه الأمان. و«تَمَتَّع» من جذرِ (م ت ع)، ونُواتُه «الانتِفاعُ المُؤَقَّتُ بشيءٍ قبل أن يُرَدَّ»، ومنه «مَتاعُ البيت» لأنَّه يُنتَفَعُ به ثمَّ يَبقى لغيرِه، و«مُتعةُ الطَّلاق»، وهي عَطاءٌ مُؤَقَّتٌ يُسَدِّدُ به الزَّوجُ عَوَزَ المُطَلَّقة. فالمُتَمَتِّعُ في الحَجِّ مَن انتَفَعَ بالعُمرةِ ثمَّ ابتَدأَ إحرامَ الحَجِّ من مَكانه، مُنتَفِعاً بالمَدَدِ بين النُّسكَينِ انتِفاعاً مُؤَقَّتاً، وعليه هَديٌ ميسور، فإن لم يَجِد فصيامُ ثلاثةِ أيّامٍ في الحَجِّ وسَبعةٍ إذا رَجَع، «تلك عَشرةٌ كامِلة». وكمالُ العَدَدِ هنا دَوريٌّ، زيادةً على كَونِه حِسابيّاً، ومَعناه اكتِمالُ الدَّورِ الفائتِ بعَشرةٍ كاملةٍ من الصِّيامِ تَقومُ مَقامَ ما فُقِدَ.

«ذلك لمَن لم يَكُن أهلُه حاضِري المَسجِدِ الحَرام»: (أ ه ل) و(ح ض ر)

وقَصَرَتِ الآيةُ هذا الحُكمَ على البَعيدِ دارُه. و«أهلُه» من جذرِ (أ ه ل)، ونُواتُه «المُلازَمةُ في السَّكَنِ والانتِماء»، و«حاضِري» من جذرِ (ح ض ر)، ونُواتُه «الوُجودُ في مَكانٍ بعَينه»، وهو يُقابلُ «الغائبَ». فـ«حاضِرو المَسجدِ الحَرامِ» أهلُ المَسجِدِ الحَرامِ ومَن هم بقُربِه بحيثُ لا يَحتاجونَ إلى سَفَر، والتَّمَتُّعُ وبَدائلُه مَشروعةٌ لِمَن جاءَ من بُعدٍ ولم يَستَطِع إتمامَ الدَّورَينِ تَوازيّاً. فالبُعدُ عُذرٌ في الدَّور، والقُربُ لا يَستَوجِبُ نفسَ البَدائل.

«واتَّقوا اللهَ واعلَموا أنَّ اللهَ شَديدُ العِقابِ»: الخِتامُ الحَدّيّ

ويُختَمُ بالتَّقوى على مَعناها المَعروف، وهو وَضعُ حائلٍ قبلَ الضَّرر. والعِقابُ من جذرِ (ع ق ب)، ونُواتُه «ما يَأتي في آخِرِ الشيءِ ردّاً له»، ومنه «العاقبة» و«عُقوبة»، والشِّدّةُ من (ش د د). فخِتامُ الآيةِ يَضَعُ الدَّورَ كُلَّه في إطارٍ من الجِدّيّة: هذه بَدائلُ الرَّحمة، فمَن أهدَرَها أو لَعِبَ بها أو ابتَدَعَ غيرَها فالتَّبِعةُ مَوجودةٌ آخِرَ المَسار، والسِّعةُ في التَّشريعِ لا تَنفي المَحاسَبةَ على السُّلوك.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: فـ«الحَجُّ» قَصدٌ دَوْريٌّ يَتكرَّرُ في موسمه، و«العُمرةُ» عِمارةٌ زِيارِيّةٌ تَتَكَرَّرُ في أيِّ وَقت، وكِلاهُما دَورانِ لا لَقَبانِ يُنسَبُ بهما المَرءُ إلى طَبَقة. ومنطقُ الآيةِ كُلِّها مَنطقُ تَعويضٍ دَوريٍّ، لا تَعبُّديٍّ طَقسيّ: مَن حَصَرَه الطَّريقُ أرسَلَ ما تَيَسَّر، ومَن جَرَحَه رأسُه صَرَفَ البَدَلَ إلى جَسَدٍ أو مالٍ أو تَخصيصٍ زَمَنيّ، ومَن تَمَتَّعَ بين نُسُكينِ عَوَّضَ بعَشَرةٍ كامِلة. والعِبادةُ هنا دَورٌ يُحمى من السُّقوطِ بسَلسَلةِ بَدائل، ولا تُحمَلُ على هُويّةٍ جامدةٍ تَسقُطُ بسقوطِ ظاهرها. والخِتامُ بالتَّقوى والعِقابِ تَذكيرٌ بأنَّ سِعَةَ البَدائلِ ليست إهمالاً: إتقانُ الدَّورِ مَطلوبٌ، واللَّعِبُ به له تَبِعة.


حَصيلة

تَفتَتِحُ الآيةُ بـ«أتِمُّوا»، وهو بجَذرِ (ت-م-م) انغِلاقُ الدَّائرةِ على كُلِّ ما فيها، والحَجُّ والعُمرةُ سِلسِلتانِ قابِلتانِ للانقِطاع، ولذلك كانَ الأمرُ الأوَّلُ إتماماً، ولا يَقِفُ عند الأداء. والحَجُّ بجَذرِ (ح-ج-ج) قَصدٌ مُتَكَرِّرٌ حتى تَثبُتَ الحُجَّة، والعُمرةُ بجَذرِ (ع-م-ر) عِمارةٌ زِيارِيّةٌ تُحيي المَكانَ بحُضورِ الزَّائر. ثُمَّ يَبني القُرآنُ سُلَّمَ البَدائلِ على مَبدَأٍ واحِد، وهو أنَّ الدَّورَ يُحمى من السُّقوطِ ولا يُتركُ مَعلَّقاً: فإن أحاطَ العائقُ، وهو بجَذرِ (ح-ص-ر)، فالهَدي ما استَيسَر، وإن أصابَ الرَّأسَ أَذىً فالفِديةُ على ثَلاثةِ مَحاوِر: جَسَدٌ (صِيام) ومالٌ (صَدَقة) وزَمَنٌ مُخَصَّصٌ (نُسُك). والمُتَمَتِّعُ، من (م-ت-ع) بمعنى الانتِفاعِ المُؤَقَّت، بين عُمرةٍ وحَجّ يَعوِّضُ بعَشَرةٍ كاملة، و«كاملةٌ» بجَذرِ (ك-م-ل) انغِلاقُ الدَّائرةِ لا إضافةٌ بعدَ تَمام، لِئَلا تُقرأَ انتِقائيّاً. والخِتامُ بـ«شَديدُ العِقابِ» يُقرِّرُ أنَّ سِعةَ البَدائلِ لا تَعني إهمالَ الدَّور، وأنَّ كُلَّ اختِزالٍ لا يَمُرُّ عَبرَ هذه السُّلَّمِ له تَبِعة.