البقرة · الآية 204

﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَىٰ مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ

(ع ج ب): الإعجابُ حَرَكةٌ في المُتَلَقّي، لا شَهادةٌ على المُتَكَلِّم

ومَدارُ (ع ج ب) على حَرَكةٍ داخِليّةٍ تَنشَأُ في النَّفسِ حينَ تَرى ما لم تَكُنْ تَتَوَقَّعُه، والتَّعَجُّبُ اندِهاشٌ وليس حُكماً بِالصِّدق، والعَجيبُ ما خَرَجَ عن المَألوف.

والخِطابُ بِالكافِ في «يُعجِبُك» مُوَجَّهٌ إلى المُخاطَبِ لِيَكشِفَ لَه أنَّ الإعجابَ إحساسٌ في داخِلِه هو، لا دَليلٌ على المُتَكَلِّم. فكَم من قَولٍ جَميلٍ مَبنيٍّ على باطِل، وكَم من قَولٍ ثَقيلٍ مَبنيٍّ على حَقّ، والإعجابُ لا يُثبِتُ عن المُتَكَلِّمِ شَيئاً إلّا أنَّه أتقَنَ التَّأثيرَ في السّامِع.

(ق و ل) في السِّياقِ الدُّنيويّ: البَلاغةُ في نِطاقِ القَضايا الحاضِرة

وتَخصيصُ «فِي الحَياةِ الدُّنيا» قَيدٌ دَلاليٌّ وليس حَشواً، ومِنَ النّاسِ مَن يُجيدُ الكَلامَ في قَضايا الحَياةِ القَريبة، كالسِّياسةِ والتِّجارةِ والخِلافاتِ القَبَليّةِ ومَصالِحِ اليَوم، وفي هذا النِّطاقِ يَبرُزُ بَلاغةً وتَأثيراً.

وهذا التَّخصيصُ تَشخيصٌ دَقيق: ذَكاءُ الدُّنيا قد يَكونُ مُتاحاً لِمَن لا يَملِكُ عُمقَ الآخِرة، والبَلاغةُ في قَضايا اليَومِ لا تَضمَنُ بَلاغةً في قَضايا الجَوهَر. والقرآنُ يُفَرِّقُ بَينَ الذَّكاءِ الدُّنيَويِّ المَحدودِ والحِكمةِ الشّامِلةِ التي تَستَوعِبُ الحَيِّزَين.

(ش ه د) كَورَقةٍ بَلاغيّة: استِعمالُ اللهِ كَدَليل

وأصلُ (ش ه د) الحُضورُ والمُعايَنة، والشّاهِدُ هو الحاضِرُ المُعايِن، والاستِشهادُ طَلَبُ الشّاهِدِ لِتَقويةِ المَوقِف.

وفي «يُشهِدُ اللهَ على ما في قَلبِه» فَضيحةٌ لَفظيّةٌ خَفيّة: يَجعَلُ صاحِبُ هذا القَولِ اللهَ وَسيلةَ إثباتٍ في يَدِه، كأنَّ اللهَ شاهِدٌ يَستَدعيه المُتَحَدِّثُ وَقتَما يَشاء، وهذا قَلبٌ لِطَبيعةِ العَلاقة، إذِ اللهُ يَشهَدُ على المَرء، لا المَرءُ يَستَشهِدُ الله.

وهذا النَّمَطُ شائِعٌ في الخُصومات: «واللهِ يَعلَمُ ما في قَلبي»، والجُملةُ حَقٌّ تُستَعمَلُ في سِياقٍ خاطِئ. واللهُ يَعلَمُ حَقّاً ما في القَلب، ومَعنى ذلك أنَّ هذا العِلمَ هو الذي يَكشِفُ صاحِبَها، وليس هو الذي يَحميه.

(ل د د) و(خ ص م): أَلَدُّ الخِصامِ كَشَخصيّةٍ مُلتَوية

ومادّةُ (ل د د) الالتِواءُ في الخِصامِ والعَجزُ عن الإنصاف، واللَّدودُ الخَصمُ الذي لا يَقبَلُ الحَقَّ مَهما لاحَ لَه، و«ألَدُّ» أفعَلُ تَفضيلٍ مَعناه أشَدُّ النّاسِ في هذه الصِّفة.

والخِصامُ من (خ ص م)، وهو قِتالٌ بِالكَلامِ وجَدَلٌ حادّ، فـ«ألَدُّ الخِصام» يَجمَعُ صِفَتَين: حِدّةَ الخُصومة، ومَنعَ الإنصافِ فيها، وهذا هو النّاطِقُ البَليغُ في ظاهِرِه، المُلتَوي الخَصِمُ في باطِنِه.

وهذه الصِّفةُ لا تَحمِلُ نَسَباً ولا صِنفاً تاريخيّاً مُحَدَّداً، وقد تَظهَرُ في المَسجِدِ والمَجلِسِ والمَحكَمةِ والمِنبَرِ على السَّواء، كُلَّما استُعمِلَ اسمُ اللهِ سِتاراً لِخُصومةٍ باطِنيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: النِّفاقُ حالةُ نُطقٍ تَصقُلُ القَولَ في قَضايا الدُّنيا لِتَغطيةِ خِصامٍ باطِنيّ، وليس صِنفاً اجتِماعيّاً مَوسوماً، واستِشهادُ اللهِ في المُلاسَنةِ انقِلابٌ لِحَقيقةِ العَلاقةِ بَينَ الإنسانِ وبَينَ مَن يَعلَمُ ما في قَلبِه.


حَصيلة

تَرسُمُ هذه الآيةُ شَخصيّةَ الخَصمِ الخَفيِّ بِأربَعةِ جُذور. والجِذرُ -ع-ج-ب- يَكشِفُ أثَرَ القَولِ في السّامِع، ولا يَشهَدُ لِلمُتَكَلِّم: وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، فالإعجابُ حَرَكةٌ في المُتَلَقّي لا دَليلٌ على صِدقِ القائِل. وقَيدُ «في الحَياةِ الدُّنيا» قَيدٌ دَلاليٌّ لا حَشو، وذَكاءُ قَضايا اليَومِ لا يَضمَنُ صِدقَ الجَوهَر. ثُمَّ يَنقَلِبُ الجِذرُ -ش-ه-د-، فـ«يُشهِدُ اللهَ على ما في قَلبِه» فَضيحةٌ لَفظيّةٌ خَفيّة، إذِ الشّاهِدُ هو الحاضِرُ المُعايِنُ الذي يَرى، وصاحِبُنا يَجعَلُ اللهَ وَسيلةَ إثباتٍ في يَدِه، وهو قَلبٌ لِطَبيعةِ العَلاقة: اللهُ يَشهَدُ على المَرءِ لا المَرءُ يَستَشهِدُ الله. وأمّا الجِذرانِ -ل-د-د- و-خ-ص-م- فيَجمَعانِ في «ألَدُّ الخِصام» صِفَتَينِ مَعاً: حِدّةَ المُواجَهةِ من -خ-ص-م-، وتَمَسُّكاً يَمنَعُ الإنصافَ من -ل-د-د-. وهذه الشَّخصيّةُ غَيرُ مَوسومةٍ بِزَمَنٍ أو صِنف، تَظهَرُ في المَسجِدِ والمَجلِسِ والمَحكَمةِ حَيثُما استُعمِلَ اسمُ اللهِ سِتاراً لِخُصومةٍ باطِنيّة.