آل عمران · الآية 44

﴿ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ ۚ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ

«ذَٰلِكَ مِنْ أَنبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ»: الخَبَرُ يَعبُرُ من الغَياب

والإشارةُ بـ«ذلك» إلى ما سَبَقَ من خَبَرِ مريم، ثمّ صُنِّفَ بأنّه من أنباءِ الغَيب. والنَّبأُ من ن-ب-أ، وهو انبِعاثٌ يَتَّصِلُ بالمُتَلَقّي ثمّ يَقطَعُ على مَعنىً مُؤَكَّد، والغَيبُ من غ-ي-ب غَورٌ باطِنٌ يَحتَبِسُ ما يَدخُلُه وهو قائِم، مَستورٌ عن الحُضور. وأمّا الوَحيُ، ومادّتُه و-ح-ي، فوَصلٌ يَحمِلُ حياةً مُحتَواةً ويُمدِّدُها إلى المُخاطَب، وهكذا يَخرُجُ النَّبأُ من غيرِ المَشهَدِ إلى السَّمع.

«وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ»: حَدُّ المَعرِفةِ مَذكورٌ مَرَّتَين

وتَكَرَّرَتِ الجُملةُ قبلَ إلقاءِ الأقلامِ وقبلَ الاختِصام، والنَّصُّ لا يَترُكُ مَصدرَ الخَبَرِ مُبهَماً ولا يَدَّعي للمُخاطَبِ حُضوراً لم يَكُن، ولم يَكُن لَدَيهم في الحالَين. وبهذا النَّفيِ المُزدَوَجِ يَحرسُ الوَحيُ حَدَّه، فيُثبِتُ النَّقلَ ويَنفي المُشاهَدةَ المباشرة.

«يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ»: أداةُ الكتابةِ داخِلَ الاختيار

ولم يَشرَحِ النَّصُّ طريقةً وراءَ ما قال: يُلقونَ أقلامَهم، والسؤالُ «أيُّهم يكفل مريم». والقَلَمُ من ق-ل-م، ومَعناه قَطعٌ مُحكَمٌ يَمتَدُّ ثمّ يَتَجَمَّعُ أَثَرُه، فهو أداةٌ تَفصِلُ علامةً وتُثبِّتُها، وقد دَخَلَتِ الأقلامُ هنا في مَشهَدٍ يَطلُبُ تَعيينَ صاحبِ الكَفالة.

«إِذْ يَخْتَصِمُونَ»: الكَفالةُ مَحلُّ تَدافُع

والاختِصامُ من خ-ص-م، وأصلُه اختِراقٌ يَصطَدِمُ بصَلابةٍ ثمّ تَتَجَمَّعُ أطرافُه في خُصومة، وصيغةُ الافتعالِ تُظهِرُ مُشاركةَ الأطرافِ في الفِعل، فلا يكونُ التَّنازُعُ اتِّجاهاً واحداً. ومع ذلك تُبقي الآيةُ مِحورَ الاختِصامِ في الكَفالةِ المَذكورة، ولا تَخرُجُ إلى أسمائِهم أو دَوافِعِهم.

الوَحيُ يَعبُرُ الغَيابَ ولا يُلغيه

والنَّصُّ يُثبِتُ بَقاءَ الغَيابِ ثمَّ يُثبِتُ وُصولَ نَبأٍ منه، ولا يَقولُ إنَّ الغَيبَ صارَ حُضوراً للمُخاطَب. ولهذا يَجتَمِعُ «نُوحيه إليك» معَ «ما كنت لديهم» من غيرِ تَعارُض، فالأوّلُ يُسمّي المَجرى الذي حَمَلَ الخَبَر، والثاني يَمنَعُ الخَبَرَ من أن يَدَّعي مَرجِعاً آخر. وما بينَ إلقاءِ الأقلامِ والاختِصامِ يَبقى المَعلومُ على قَدرِ ما أَظهَرَته الآية، وصِدقُ الوُصولِ لا يَمنَحُ إذناً لِمَلءِ ما سَكَتَ عنه النَّص.


حَصيلة

يُسمّي النَّصُّ ما سَبَقَ نَبأً من الغَيب، ويُبيِّنُ طريقَ وُصولِه بالوَحي، ثمّ يَرسمُ حَدَّ الحُضورِ مَرَّتَين: لم تَكُن لدى القَومِ ساعةَ الأقلامِ ولا ساعةَ الاختِصام. والثابِتُ إلقاءُ الأقلامِ والسؤالُ عن الكَفالةِ وتَدافُعُ الأطراف، فلا تُملأُ الفَجوةُ بحِكايةٍ من خارِجِ الآية.