الإسراء · الآية 9

﴿إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا

«إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ»: يُشارُ إليه قَبلَ أن يوصَف

تَفتَتِحُ الآيةُ بِتَوكيدٍ ثُمَّ بِإشارة. «إنَّ» تُثَبِّت، و«هذا» تَضَعُ المُشارَ إليه بَينَ يَدَيِ السامِع. ولم يُقَل «الكِتاب»، وقد قيلَ في هذه السورةِ لِغَيرِه، بَل «هذا القُرآن»: اسمٌ مَأخوذٌ من فِعلٍ لا من مادّة. والقُرآنُ من ق-ر-أ: ضَمٌّ مُحكَمٌ يَتَكَرَّرُ بِإيقاعٍ ثابِت، اجتِماعُ الحُروفِ في الصَّوتِ ثُمَّ انصِرافُها لِتَعودَ فتَجتَمِع.

فالمُشارُ إليه لَيسَ شَيئاً يُحمَلُ في اليَد. هو جَمعٌ يَحدُثُ كُلَّما قُرِئ. ولِذلك صَحَّ أن تُسنَدَ إليه أفعالٌ حَيّة: يَهدي، ويُبَشِّر. الكِتابُ يوضَع، أمّا هذا فيَعمَل.

«يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ»: دَلالةٌ إلى طَريقةٍ لا إلى شَيء

الهُدى من ه-د-ي: نَفَسٌ خافِتٌ يَضبِطُ ثُمَّ يَسري على المَسار. دَلالةٌ لا تَدفَعُ ولا تَسوق، تُصَحِّحُ الوِجهةَ ويَمشي الماشي بِقَدَمِه. وقد جَعَلَ هذا الجَذرُ نَفسُه كِتاباً آخَرَ هُدىً في هذه السورةِ عَينِها: وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. هُناكَ كِتابٌ أُوتِيَ ثُمَّ جُعِلَ هُدىً، وهُنا قُرآنٌ يَهدي بِنَفسِه.

ثُمَّ يَقَعُ الغَريب. «يَهدي» لا تُوصَلُ هُنا بِـ«إلى» بَل بِاللّام، ولا يُذكَرُ لَها مَهدِيٌّ إليه مُسَمّى. «لِلَّتي» مَوصولٌ مُؤَنَّثٌ بِلا مَوصوف: أيُّ شَيءٍ هي؟ لا تَقول. ولَيسَ في الآيةِ جِسمٌ ولا مَكانٌ ولا عَينٌ تَصلُحُ أن تُرادَ بِها. المَهدِيُّ إليه طَريقةٌ في السُّلوك، حالٌ يُقامُ عَلَيها، وتُرِكَ اسمُها فارِغاً لِيَملَأَه كُلُّ ماشٍ بِما هو فيه.

و«أَقْوَمُ» أفعَلُ تَفضيلٍ من ق-و-م. وفي «قامَ» تَنقَلِبُ الواوُ ألِفاً فلا تُسمَعُ واواً، وفي «يَقومُ» تَمتَدُّ مَدّاً، وفي «أَقْوَمُ» تَعودُ ساكِنةً صَحيحةً يَقرَعُها اللِّسان. اختارَتِ الآيةُ الصّيغةَ الوَحيدةَ التي يُنطَقُ فيها وَسَطُ الجَذرِ حينَ وَصَفَت بِه الطَّريقة. والواوُ عَقدٌ وإحاطةٌ واحتِواء، ثُمَّ انفِراجٌ وإفضاء: حَلقةٌ تَشتَمِلُ على ما فيها فلا يَنفَرِط، ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي بِه إلى ما بَعدَها. فالقِيامُ في هذا الجَذرِ مَسكُ المَجموعِ لِئَلّا يَتَبَدَّد، والانتِصابُ ثَمَرَتُه لا أصلُه: ما أُمسِكَ جُملةً هو الذي يَقِف.

فأقوَمُ الطَّرائِقِ أشَدُّها إمساكاً بِسالِكِها وأقَلُّها تَركاً لَه أن يَتَفَرَّق. ولَيسَت عُقدةً تُمسِكُ فَحَسب، فالواوُ تَنفَرِجُ بَعدَ إحاطَتِها؛ ولا يُهدى أحَدٌ إلى ما يُغلَقُ عَلَيه. وتُصَدِّقُ الآيةُ نَفسَها في شَطرِها الثاني: المَهدِيّونَ فيها يَعمَلونَ «الصّالِحات»، والصَّلاحُ رَبطٌ صُلبٌ بِالأصلِ يَمنَعُ الشَّيءَ أن يَفسُدَ فيَتَفَتَّت. كَلِمَتانِ في آيةٍ واحِدةٍ تَقولانِ شَيئاً واحِداً: ما أُمسِكَ لا يَنفَرِط.

ولم يُقَل «الأقوَم» بِالتَّعريف. تُرِكَ التَّفضيلُ مَفتوحاً كما تُرِكَ المَوصوفُ مَحذوفاً. طَريقٌ يُمسِكُ ماشِيَه ثُمَّ يُفضي بِه، لا حَبلٌ يُوثِقُه.

«وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ»: اسمٌ لا يُترَكُ وَحدَه

فِعلانِ لِفاعِلٍ واحِد: يَهدي ويُبَشِّر. الأوَّلُ يَفتَحُ الطَّريق، والثاني يَقولُ ما في آخِرِها. والبِشارةُ من ب-ش-ر: اتِّصالٌ يَنتَشِرُ على سَطحٍ ويَجري، ومنه البَشَرة. فالخَبَرُ في هذا الجَذرِ يُقاسُ بِما يَظهَرُ على الجِلدِ ساعةَ يُسمَع.

ثُمَّ لا تَقِفُ الآيةُ عِندَ الاسم. قالَت «المُؤمِنين» فأتبَعَتها «الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ». والإيمانُ من أ-م-ن ضَمُّ القَلبِ إلى مَركَزِه ثُمَّ انبِعاثُ الطُّمَأنينةِ منه، وهذا باطِنٌ لا يُرى. والعَمَلُ من ع-م-ل بُروزٌ من العُمقِ يَتَجَمَّعُ ويَتَعَلَّقُ بِأثَرٍ مُمتَدّ، وهذا ظاهِرٌ يُرى. فالوَصفُ الأوَّلُ يُسَمّي ما انعَقَدَ في الصَّدر، والثاني يُسَمّي ما خَرَجَ منه إلى اليَد.

ولو كانَ الاسمُ كافِياً لَما لَزِمَتهُ صِلة. الكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة.

«أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا»: أُجرةٌ تَتبَعُ عَمَلاً

جاءَ الأجرُ بَعدَ «يَعمَلون» على تَرتيبِه. والأجرُ من أ-ج-ر: تَجَمُّعٌ مُؤَكَّدٌ في حَيِّزٍ مَخصوصٍ ثُمَّ جَرَيانٌ إلى صاحِبِه بِاستِحقاق. لَيسَ عَطِيّةً تُبتَدَأ، بَل ما تَراكَمَ في مَوضِعِه حتّى وَجَبَ خُروجُه إلى مَن عَمِلَه.

و«كَبيراً» لا «عَظيماً». والكِبَرُ من ك-ب-ر ثِقَلٌ مَكتومٌ يَتَمَسَّكُ بِنَفسِه ثُمَّ يَجري مُتَكَرِّراً، فهو تَراكُمٌ قَبلَ أن يَكونَ حَجماً؛ ويُناسِبُ أجراً يَتَجَمَّعُ في مَوضِعِه. وقد نُكِّرَ الأجرُ فلم يُحَدَّ. ثُمَّ إنَّ الجُملةَ لم تُغلَق: «أنَّ» ما زالَت مُعَلَّقةً بِفِعلِ التَّبشير، وستُعادُ بَعدَ حَرفِ عَطف. لِلبِشارةِ خَبَرٌ ثانٍ لم يُقَل بَعد.


حَصيلة

آيةٌ تُشيرُ إلى جَمعٍ حَيٍّ ثُمَّ تُسنِدُ إليه فِعلَين. يَهدي، فيَدُلُّ بِلا دَفعٍ إلى «الَّتي هي أقوَم»: طَريقةٌ حُذِفَ اسمُها ووُصِفَت بِأفعَلَ من جَذرٍ وَسَطُه واوٌ تُحيطُ فتُمسِك، ثُمَّ تَنفَرِجُ فتُفضي، فما أُمسِكَ جُملةً هو الذي يَقوم. ويُبَشِّر، فيَحمِلُ الخَبَرَ إلى مَن ضَمَّ قَلبَه إلى مَركَزِه ثُمَّ أخرَجَ من ضَمِّه عَمَلاً يَربِطُ بِالأصلِ ولا يَدَعُ الشَّيءَ يَفسُد. والخَبَرُ أجرٌ مُنَكَّرٌ كَبير، أي مُتَراكِمٌ ثَقيلٌ لم يُحَدَّ مِقدارُه، وهو أجرٌ لا هِبةٌ لِأنَّ ما قَبلَه عَمَل. وتَقِفُ الجُملةُ هُنا ولا تَتِمّ: «أنَّ» الأولى تَنتَظِرُ أُختَها.