البينة · الآية 5

﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ ۚ وَذَٰلِكَ دِينُ الْقَيِّمَةِ

«وما أُمِروا إلّا»: الحَصرُ الذي يَكشِفُ بَساطةَ الأَصل

وصيغةُ الحَصرِ بـ«ما... إلّا» أَدَقُّ في العربيّةِ من الإثبات، فلو قِيلَ «أُمِروا أن يَعبُدوا الله» لَكانَ إخباراً، وأمّا «ما أُمِروا إلّا» فَنَفيٌ مُسَبَّقٌ ثُمَّ استِثناء، والمَعنى أنَّه ليس هُناكَ شَيءٌ آخَر، وأنَّ الباقيَ كلَّه فَرعٌ أو غِطاء.

وفي البَقَرة قَدَّمَ النَّصُّ هذا الأَصلَ في صورةِ أَمرٍ مُباشِر: وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾، وهو الأَمرُ نَفسُه، بِالفِعلَينِ أنفُسِهِما والجَذرَينِ أنفُسِهِما، وكَأنَّ سورَةَ البَيِّنةِ تُذَكِّرُ بِما لَم تَتَوَقَّف عَنه البَقَرة. والأَصلُ هو هو، والفُرقَةُ تَأتي حِين يُلتَفُّ عَلى هذا الأَصلِ بطَبَقاتٍ تُنسيه.

«مُخلِصينَ له الدِّينَ حُنَفاء»: ثَلاثَةُ شُروطٍ على فِعلٍ واحد

ولم يُكتَفَ بِـ«يَعبُدوا الله» وَحدَه، فأُضيفَت ثَلاثُ شُروطٍ تُقَيِّدُ العِبادةَ من ثَلاثِ جِهات: مُخلِصينَ له، وهو تَنقيَةُ التَّوَجُّهِ من كلِّ شَريك، والدِّين (د-ي-ن)، والمُرادُ بِه الالتِزامُ كلُّه دونَ قِطعَةٍ منه، وحُنَفاء، أي مائلونَ عَنِ الباطِلِ إلى الحَقّ، غَيرُ واقِفينَ بَينَهُما.

وأصلُ الإخلاصِ (خ-ل-ص) تَخليصُ الشَّيءِ مِمّا اختَلَطَ به، كَتَخليصِ الذَّهَبِ من خَلطِه، والدِّينُ (د-ي-ن) ضَبطٌ يَمتَدّ. وكَونُ الدِّينِ كلِّه مُخلَصاً لَه مَعناه أنَّ كلَّ ما يُلزِمُ الإنسانَ في سُلوكِه يَجري في مَجرىً واحدٍ نَقيّ. ويَختِمُ الحَنيفُ هذا بِمَيلِ القَدَمِ نَفسِه، فالحَركةُ ذاتُها تَرفُضُ الصَّفَّينِ مَعاً.

«يُقيموا الصَّلاة ويُؤتوا الزَّكاة»: إمساكٌ وإجراء

ويَعودُ الجذرُ ق-و-م في «يُقيموا» بَعدَ ظُهورِه في «قَيِّمَة» في الآيَةِ الثالِثة، فالكُتُبُ القَيِّمَةُ تُنتِجُ صَلاةً تُقام، أي تُمسَكُ مَجموعَةً فَلا تَنفَرِط، ولا تُؤَدّى ساقِطَة، ولا تُختَزَلُ في حَركَة، وهي تُمسَكُ كَما يُمسَكُ القَومُ على شَأنٍ واحِد، مُمسِكَةً لِنَفسِها، قائمَةً بشَأنِها، تُمسِكُ صاحِبَها.

والجذرُ أ-ت-ي في «يُؤتوا» هو جَذرُ «تَأتيهُمُ البَيِّنة» في الآيةِ الأولى، فالبَيِّنةُ أَتَتهُم، ويَكونُ جَوابُهم أن يُؤتوا. والإيتاءُ هنا فِعلٌ بِنيَويٌّ مُعاكِس، فما أُتيَ به إليهم يَجدونَ مَعَه في أَنفُسِهم سُيولَةً تَجري إلى غَيرِهم. وفي ز-ك-و، جَذرِ الزَّكاة، مَعنى النُّموِّ والنَّقاء، وما يُؤتى منها يَنمو فيهم وفي غَيرِهم.

«وذلك دِينُ القَيِّمة»: الإسنادُ يَجمَعُ كلَّ ما سَبَق

و«ذلك» اسمُ إشارةٍ لِلبَعيد، يُستَخدَمُ هنا للتَّعظيم، وكأنَّ الآيةَ، بَعدَ أن عَدَّت ثَلاثَ خِصال، تُشيرُ إلى المَجموعِ من بَعيد، والمَعنى أنَّ هذا الذي تَكَوَّنَ في الكَلامِ هو الدِّينُ نَفسُه، ولا شَيءَ غَيرُه يَستَحِقُّ هذا الاسم.

وفي «دِينُ القَيِّمَة» إضافَةٌ غَريبة، إذ عُدِلَ عن الوَصفِ «الدِّينُ القَيِّم» إلى الإضافَةِ «دِينُ القَيِّمَة»، وكأنَّ هُناكَ ذاتاً تُسَمّى «القَيِّمَة» يُنسَبُ الدِّينُ إليها. والقَيِّمَةُ على وَزنِ فَيعِلَة، صِفَةٌ مُؤَنَّثَةٌ على المُبالَغة، والمُرادُ بِها الجَماعَةُ التي تُمسِكُ نَفسَها، أو المِلَّةُ التي تُمسِكُ أهلَها فَلا يَتَبَدَّدون. ودِينُ هذه الجَماعَةِ هو ما تَجَمَّعَ في الآيَة من عِبادَةٍ مُخلَصَة، وصَلاةٍ مُقامة، وزَكاةٍ مُؤتاة، وهي ثَلاثَةٌ تُقيمُ الجَماعَةَ في ذاتِها وفي شَأنِها.


حَصيلة

بَعدَ الكَشفِ عن التَّفَرُّق تَكشِفُ هذه الآيةُ عَمَّا تَفَرَّقوا فيه، والجَوابُ مُفاجِئ، فقد تَفَرَّقوا عن أَمرٍ بَسيط. و«ما أُمِروا إلّا» استِثناءٌ يُبَسِّطُ التَّكليفَ كُلَّه في ثَلاثَةِ أَفعال: «لِيَعبُدوا الله» (ع-ب-د)، وهو تَذليلُ الإرادةِ لِطَريقٍ واحِد، و«مُخلِصينَ له الدِّين» (خ-ل-ص)، وهو تَنقيَةُ الطَّريقِ مِمّا يَختَلِطُ بها، و«حُنَفاء» (ح-ن-ف)، أي مائِلونَ قَصداً عن الباطِلِ إلى الحَقّ. ثُمَّ «يُقيموا الصَّلاة» (ق-و-م)، فهي تُمسَكُ بِها الحَياةُ على سِلكٍ واحِدٍ فَلا تَنفَرِط، ولا تَقِفُ عِندَ الأداء، و«يُؤتوا الزَّكاة» (أ-ت-ي)، وهي تُمَدُّ من صاحِبِها إلى مُستَقبِلِها. ثمّ يَختِمُ اسمُ الإشارَةِ في «وذلك دِينُ القَيِّمَة» جامِعاً كلَّ ما سَبَق في مَرجِعٍ واحِد. وعَودَةُ «قَيِّمة» من الآيةِ الثالثةِ تَربِطُ الكُتُبَ القَيِّمَةَ في الصُّحُفِ بالدِّينِ القَيِّم في الفِعل، فما في الكِتابِ وما على الجَوارِحِ جِنسٌ واحِد.