البينة · الآية 3

﴿فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ

«فيها كُتُبٌ»: ما تَحمِلُه الصَّحيفةُ النَّقيَّة

واللاّفِتُ أنَّ الكلِمَةَ هنا «كُتُب» جَمعاً، لا «كِتاب» واحِداً، والصُّحُفُ هي الأُخرى جَمع، وكأنَّ النَّصَّ يَأبى أن يَختزِلَ نَفسَه في صورةٍ واحِدَة، فالكَلامُ يَأتي صُحُفاً، وفي كلِّ صَحيفةٍ كُتُب. والتَّعَدُّدُ مَقصود، وما يَنزِلُ في هذه البَيِّنةِ يَتَفَرَّعُ بِنيَوِيّاً قَبلَ أن يَتَجَمَّعَ في غِلاف.

وفي البَقَرة يُذَكِّرُ النَّصُّ مَن أُوتيَ الكتابَ بِما يَنبَغي عَلَيه: الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ﴾، فثَمَّةَ كِتابٌ مُؤتى، وَتِلاوَةٌ تَلحَقُ بِه. أمّا هنا فالنَّصُّ يَكشِفُ ما داخِلَ الصَّحيفة، ففي كلِّ ما يُتلى كُتُبٌ تَتَفَرَّع، واللَّحاقُ بالتِّلاوةِ بِحَقِّها لَحاقٌ بهذه الكُتُبِ التي في الباطن، ولا يَكتَفي بِالقِشرة.

«قَيِّمَة»: مَسكٌ في الذاتِ وإقامةٌ لِلغَير

والجذرُ ق-و-م في اللسانِ يَدورُ على إحاطةٍ تَربِطُ ثُمَّ ضَمٍّ يُمسِك، فـ«قامَ الشَّيءُ» أمسَكَ ما جُمِعَ فيه فلَم يَنفَرِط، و«قامَ بالأمرِ» أَنجَزَه ووَفَّى به، و«أَقامَ غَيرَه» أمسَكَه على أمرِه. وقَولُنا «قامَ» لِلمُنتَصِبِ فَرعٌ عَن ذلك، وليس أصلَه، والكِتابُ لا يَنتَصِب. والصِّفةُ «قَيِّم» جامِعَةٌ لِهَذِه المَعاني الثَّلاثة: مُمسِكٌ لِما فيه، قائِمٌ بِشَأنِه، يُقيمُ غَيرَه، ولا تَكونُ كَلِمَةٌ كَذلك إلّا إذا كانَت في نَفسِها مُستَقيمَة.

وفي الآيةِ الخامِسَةِ سَيَرِدُ الجَذرُ نَفسُه مَرَّتَين: «يُقيموا الصَّلاة»، و«دِينُ القَيِّمَة»، وكأنَّ السورةَ تَبني سِلسِلةً: كُتُبٌ قَيِّمَة، تُقيمُ صَلاةً، فَيكونُ ذلك دِينَ القَيِّمَة، والقِوامُ يَنتَقِلُ من الصُّحُفِ إلى الفِعل، ومن الفِعلِ إلى الاسمِ الذي يَجمَعُه.

آيةٌ تَفتَحُ ما قَبلَها

ويَتَبَيَّنُ لِلمُتَأَنّي أنَّ السورةَ في آياتِها الأُولى تَتَدَرَّجُ في فَتحِ المُغلَق، فالآيةُ الأُولى أَخبَرَت بأنَّ بَيِّنَةً ستَأتي، والثانيةُ كَشَفَت ثَلاثَةَ أوجُهٍ لها، والثالثةُ تَنفُذُ إلى ما في باطِنِ الصَّحيفة، وكلَّما اقتَرَبَ اتَّضَح.

وهذه طَريقَةُ الكتابِ في إيقاعِه، يَفتَحُ المَعنى لِمَن أَصغى طَبَقَةً طَبَقة، ولا يُلقيه عَلَيه دُفعَةً واحِدَة. والقارِئُ الذي يَتَّبِعُ السورةَ كَلِمَةً كَلِمَة يَجِدُ نَفسَه يَنزِلُ من السَّطحِ إلى ما تَحتَه، من الإخبارِ إلى التَّعيين، ومن التَّعيينِ إلى ما في الباطن.


حَصيلة

ثَلاثُ كَلِماتٍ تَفتَحُ الصَّحيفةَ على ما في باطِنِها: «فيها» تَنقُلُ من سَطحِ الصَّحيفةِ إلى عُمقِها، و«كُتُبٌ» (ك-ت-ب) نَكِرَةٌ مَجموعَة، فهي كُتُبٌ كَثيرَةٌ تَتَفَرَّع، وليسَت كِتاباً واحِداً، والجَذرُ يَدورُ على الكِتابَةِ بِاعتِبارِها إحكامَ الرَّبطِ وتَثبيتَ الأَثَر. و«قَيِّمَةٌ» (ق-و-م) على وَزنِ فَيعِل المُبالَغة، فهي مُمسِكَةٌ لِمَضمونِها لا تَحتاجُ إلى ما يُسنِدُها، ومُمسِكَةٌ لِمَن يَأتيها فيَجتَمِعُ عِندَها ولا يَتَبَدَّد. والطُّهرُ وَصَفَ السَّطحَ في الآيةِ السابِقة، والقِوامُ يَصِفُ ما فيه. والسورَةُ تَبني صورَةً مُتَدَرِّجَة: جمودٌ ثمَّ بَيِّنَة، وبَيِّنَةٌ هي رَسولٌ يَتلو، يَتلو صُحُفاً مُطَهَّرَة، وَفيها كُتُبٌ تُمسِكُ مَضمونَها فَلا يَنفَرِط، وكلُّ آيَةٍ تَفتَحُ ما قَبلَها.