الشَّهوة
انتِشارٌ في الباطِنِ يَخفُتُ في فَراغٍ ثُمَّ يَمتَدُّ وَصلاً إلى ما يَسُدُّه. والجَذرُ لا يَحمِلُ حُكماً في نَفسِه: «مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنفُسُ» عَطاءٌ يُوعَدُ بِه، و«حُبُّ الشَّهَوَاتِ» زينةٌ تُوزَنُ بِالمَتاع. والمُصحَفُ المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا جَمعاً مُعَرَّفاً، «الشَّهَوات»، وفي المَرَّتَينِ يَقَعُ عَلَيه غَيرُه: حُبٌّ يُزَيَّن، واتِّباعٌ يُريدُ المَيل.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثَلاثةُ حُروف:
- ش: يَحصُرُ اللِّسانُ النَّفَسَ في مَجرىً ضَيِّقٍ عَريض، فيَجري فيه ثُمَّ
يَتَفَشّى مُنتَشِراً دَقيقاً في مُقَدَّمِ الفَم. شِحنَتُه: التفشّي والانتشارُ الدقيق.
- ه: مَجرىً يَنفَتِحُ كُلُّه خالِياً، يَجري فيه النَّفَسُ من الجَوفِ مَهموساً
ثُمَّ يَخفُتُ مُتَلاشِياً. شِحنَتُه: الفراغُ والخلاء (انفتاحُ المجرى خاليًا بلا انطباق)، والرقّةُ والخفوتُ والتلاشي.
- و: تَستَديرُ الشَّفَتانِ حَلقةً تَشتَمِلُ على مَجرى النَّفَسِ من غَيرِ سَدّ،
فيَجري فيها الصَّوتُ وَصلاً مَمدوداً يَربِطُ ما قَبلَه بِما بَعدَه. شِحنَتُه: الوصل الممدود والربط.
النَّواةُ شه (ش + ه) = انتِشارٌ يَخفُتُ في فَراغ: تَفَشٍّ دَقيقٌ يَسري في الباطِنِ ثُمَّ يَتَلاشى في خَلاءٍ لا يَملَؤُه. ثُمَّ و (الوصل الممدود والربط) تَمُدُّ من هذا الفَراغِ وَصلاً يَربِطُه بِشَيءٍ خارِجَه، والذي يَرتَبِطُ بِه الفَراغُ ما يَقَعُ فيه فيَسُدُّه. فالجَذرُ كُلُّه: انتِشارٌ في الباطِنِ يَخفُتُ في فَراغٍ ثُمَّ يَمتَدُّ وَصلاً إلى ما يَسُدُّه.
ومنه في كَلامِ العَرَب: الشَّهوةُ تَوَقانُ النَّفسِ إلى ما يُلائِمُها، واشتَهى الشَّيءَ وشَهِيَه: تاقَت نَفسُه إلَيه، والطَّعامُ الشَّهِيُّ ما تَشتَهيه النَّفس. والكَلِماتُ كُلُّها تُسَمّي نُزوعَ النَّفسِ من جِهةِ النَّقصِ الذي فيها قَبلَ أن تُسَمّيَه من جِهةِ ما تَنزِعُ إلَيه.
والقُرآنُ يَكتُبُ الجَذرَ ثَلاثَ عَشْرةَ مَرّةً في ثَلاثَ عَشْرةَ آية، وهي كُلُّها هذا الفَراغُ المُمتَدُّ إلى ما يَسُدُّه:
- الفِعلُ «اشتَهى»: ثَماني مَرّات، ولا يَأتي إلّا صِلةً لِـ«ما»:
«وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنفُسُكُمْ» (٤١:٣١). فالفِعلُ يُسَمّي الامتِدادَ ويَترُكُ ما يَسُدُّه مَفتوحاً في «ما». وسِتٌّ من الثَّماني في ما يُعطاهُ أهلُ الجَنّة، وواحِدةٌ في قَومٍ يُحالُ بَينَهُم وبَينَ ما يَسُدُّ فَراغَهُم: «وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ» (٣٤:٥٤)، وواحِدةٌ في ما يَجعَلُه قَومٌ لِأنفُسِهِم (١٦:٥٧).
- المُفرَدُ «شَهْوَة»: مَرَّتان، يُسَمّى بِه ما يَسوقُ الفِعل:
«شَهْوَةً مِّن دُونِ النِّسَاءِ» (٧:٨١، ٢٧:٥٥).
- الجَمعُ «الشَّهَوات»: ثَلاثُ مَرّات، يَقَعُ عَلَيه حُبٌّ (٣:١٤) أو
اتِّباعٌ (٤:٢٧، ١٩:٥٩).
فالمَعنى في المَواضِعِ كُلِّها واحِد: فَراغٌ يَمتَدُّ إلى ما يَسُدُّه، يُسَدُّ عَطاءً في الجَنّة، ويُحالُ بَينَه وبَينَ ما يَسُدُّه، ويَصيرُ جَمعاً من الأشياءِ حينَ يُحَبُّ أو يُتَّبَع.
الشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ش-ه-و: فَراغٌ في النَّفسِ يَمتَدُّ إلى ما يَملَؤُه. وهذا يَضبِطُ قِراءةَ الكَلِمةِ في مَسأَلَتَين:
الأولى: لِماذا يَترُكُ الفِعلُ مَفعولَه مَفتوحاً. الجَذرُ يُسَمّي الفَراغَ وامتِدادَه، والفَراغُ يُعرَفُ بِما يَسُدُّه ولا اسمَ لَه في نَفسِه. ولِذلك لا يَأتي «اشتَهى» في القُرآنِ إلّا بَعدَ «ما» المَوصولة، ولا يُسَمّى المُشتَهى في مَوضِعٍ من مَواضِعِه الثَّمانية.
الثّانية: لِماذا يُعطى المُشتَهى في الجَنّةِ ويُوزَنُ حُبُّ الشَّهَواتِ في الدُّنيا. الجَذرُ لا يَحمِلُ حُكماً، والحُكمُ يَأتي من العَلاقةِ التي يَدخُلُ فيها: في الجَنّةِ يُعطى ما يَسُدُّ الفَراغ، فيُذكَرُ الفِعلُ مَعَ «ما»، وفي المَنشورِ يَصيرُ الامتِدادُ نَفسُه مَحَلّاً لِحُبٍّ مُزَيَّنٍ (٣:١٤) ومُتَقَدِّماً يُتَّبَعُ (٤:٢٧)، فيُذكَرُ الجَمعُ مَعَ «حُبّ» و«يَتَّبِعون». والوَزنُ يَقَعُ على حُبِّ الامتِدادِ واتِّباعِه، والامتِدادُ نَفسُه عَطاءٌ في مَوضِعِه.
الصِّيَغ: كيف يَرِدُ في القرآن
- الشَّهَوات (جَمعُ شَهوةٍ على فَعَلات، مُعَرَّفٌ بِأل): الصّيغةُ الوَحيدةُ
في المَنشور، مَرَّتان: مُضافاً إلَيه بَعدَ «حُبُّ» في (٣:١٤)، ومَفعولاً بِه لِـ«يَتَّبِعون» في (٤:٢٧). الجَمعُ يَجعَلُ الفَراغَ الواحِدَ امتِداداتٍ كَثيرةً بِعَدَدِ ما يَسُدُّها، والتَّعريفُ يَجعَلُها مَعروفةً مَعدودة، ولا تَكونُ في المَرَّتَينِ فاعِلاً، فيَقَعُ عَلَيها حُبٌّ أو اتِّباع.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الامتِدادُ إلى ما يَسُدُّ الفَراغَ واحِدٌ في الصِّيَغِ
كُلِّها. وخارِجَ المَنشورِ يَأتي الفِعلُ على افتَعَلَ وَحدَه، «اشتَهى»،
والافتِعالُ يَجعَلُ النَّفسَ آخِذةً لِنَفسِها ما تَمتَدُّ إلَيه، ولا يَرِدُ
الفِعلُ المُجَرَّدُ في القُرآنِ أصلاً. ويَأتي المُفرَدُ نَكِرةً مَنصوبةً
«شَهْوَةً». فالمَنشورُ يَعرِفُ الجَذرَ اسماً مَجموعاً لِما تَمتَدُّ إلَيه
النَّفس، والفِعلُ ما زالَ خارِجَه.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
لا فَرعَ آخَرَ لِلجَذرِ في المَنشور. والقَريبُ من جُذورٍ أُخرى:
hawa(الهَوى، ه-و-ي): يُشارِكُ الجَذرَ هاءَه وواوَه. الهَوى سُقوطُ
النَّفسِ إلى جِهةٍ تَنجَذِبُ إلَيها، والشَّهوةُ فَراغٌ يَمتَدُّ إلى ما يَسُدُّه: الأوَّلُ اتِّجاه، والثّاني نَقصٌ يَطلُبُ ما يُتِمُّه.
hubb(الحُبّ، ح-ب-ب): تَعَلُّقٌ يَجمَعُ القَلبَ على مَحبوبِه، والشَّهوةُ
امتِدادٌ من فَراغٍ نَحوَ ما يَسُدُّه. والحُبُّ في (٣:١٤) هو الذي يَقَعُ على الشَّهَوات، فيَتَعَلَّقُ القَلبُ بِالامتِداداتِ نَفسِها.
raghba(الرَّغبة، ر-غ-ب): انتِقالُ النَّفسِ عن مَوضِعِها حتّى تَتَعَلَّقَ
بِما استَتَرَ عَنها، فالرَّغبةُ حَرَكةٌ إلى مَطلوبٍ غائب، والشَّهوةُ فَراغٌ في الباطِنِ يُعرَفُ بِما يَسُدُّه.
المَواضع: مَواقعُ الشَّهوةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٤ ﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. «الشَّهَوات» جَمعٌ مُعَرَّفٌ مُضافٌ إلَيه بَعدَ «حُبُّ»، والحُبُّ نائبُ فاعِلٍ لِفِعلٍ مَبنيٍّ لِما لم يُسَمَّ فاعِلُه، ثُمَّ تُفَصَّلُ الشَّهَواتُ بِـ«مِن» في قائمةٍ أوَّلُها النِّساءُ وآخِرُها الحَرث. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ جَمعاً تُسَمّى بِه أشياءُ مَعدودة، فما تَمتَدُّ إلَيه النَّفسُ لِتَسُدَّ فَراغَها يُسَمّى بِاسمِ الامتِدادِ نَفسِه. والمُزَيَّنُ الحُبُّ الواقِعُ عَلَيها، ثُمَّ يَجمَعُها اسمُ الإشارةِ في حُكمٍ واحِد: ﴿ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾، ويُنقَلُ الحُسنُ إلى ﴿وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾. انظُر الحُبّ.
- ٤:٢٧ ﴿وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾: «الشَّهَوات» بِاللَّفظِ نَفسِه مَفعولٌ بِه لِـ«يَتَّبِعون»، والمَوصولُ فاعِلٌ لِإرادةٍ تُقابِلُ إرادةَ اللهِ في صَدرِ الآية: ﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ﴾. الجَديدُ: تَنتَقِلُ الشَّهَواتُ من مَحَلٍّ يَقَعُ عَلَيه حُبٌّ مُزَيَّنٌ في (٣:١٤) إلى مُتَقَدِّمٍ يَسيرُ أمامَ أتباعِه، ويُعرَفُ القَومُ بِها وَحدَها. وتَتَعَدّى إرادةُ مُتَّبِعيها إلى غَيرِهِم: «أن تَميلوا»، فمَن يَتبَعُ الامتِدادَ يُريدُ لِغَيرِه أن يَنحَرِفَ عن الاستِواء. وأقرَبُ ما تُحمَلُ عَلَيه الشَّهَواتُ هُنا ما دارَت حَولَه الآياتُ قَبلَها من النِّساءِ ونِكاحِهِنّ. انظُر الاتِّباع.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
يَقَعُ على الشَّهَوات، فبَينَ الزّينةِ والشَّهَواتِ قَلبٌ يَتَعَلَّق، والمُزَيَّنُ هو التَّعَلُّقُ بِها في القَلب.
الشَّهَواتُ المُعَدَّدةُ في «ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»، ثُمَّ يُنقَلُ الحُسنُ إلى «وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ»: ما يَسُدُّ الفَراغَ في الحَياةِ الأقرَبِ مَتاعٌ لَه مَدى، والحُسنُ عِندَ الرُّجوع.
- مَعَ النِّساء في ٣:١٤ و٤:٢٧: النِّساءُ أوَّلُ ما يُعَدُّ من الشَّهَواتِ في
آلِ عِمران، وتَأتي الشَّهَواتُ في سورةِ النِّساءِ بَعدَ كَلامٍ طَويلٍ عن النِّساءِ ونِكاحِهِنّ.
واحِد: اللهُ يُريدُ أن يَتوبَ على المُخاطَبين، ومُتَّبِعو الشَّهَواتِ يُريدونَ أن يَميلَ المُخاطَبون، والتَّوبةُ رُجوعٌ إلى المَوضِعِ والمَيلُ انحِرافٌ عَنه. والمَيلُ من م-ي-ل، ولَيسَ لَه في المُعجَمِ مَفهومٌ يُحالُ عَلَيه.
- مَعَ الهَوى في ٤:٢٧ و٤:١٣٥: سورةُ النِّساءِ تَجعَلُ الشَّهَواتِ والهَوى
كِلَيهِما مَتبوعاً: «الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ» (٤:٢٧)، و«فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَىٰ أَن تَعْدِلُوا» (٤:١٣٥). فالمُتَّبَعُ في الأوَّلِ فَراغٌ يَمتَدّ، وفي الثّاني جِهةٌ تَسقُطُ إلَيها النَّفس، والمَنهيُّ عَنه في الثّاني مَقرونٌ بِالعَدل.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «الشَّهَوات» في (٣:١٤) الامتِداداتُ أم الأشياءُ المُمتَدُّ إلَيها؟ «مِن»
بَعدَها تُفَصِّلُها أشياءَ: نِساءً وبَنينَ وقَناطيرَ وخَيلاً وأنعاماً وحَرثاً، فالجَمعُ يُسَمّي الأشياءَ بِاسمِ الامتِدادِ إلَيها. والقِراءةُ هُنا أنَّ ما يَسُدُّ الفَراغَ يَأخُذُ اسمَ الفَراغِ الذي يَسُدُّه. مَفتوح.
- الوَزنُ في العَلاقةِ لا في الجَذر. المَنشورُ لا يَكتُبُ الجَذرَ إلّا مَعَ
حُبٍّ أو اتِّباع، وفي غَيرِ المَنشورِ يَرِدُ الفِعلُ عَطاءً في الجَنّة. فإذا نُشِرَت تِلكَ السُّوَرُ اختُبِرَت هذه القِراءة: أيَثبُتُ أنَّ الجَذرَ مُحايِدٌ حتّى تَدخُلَه عَلاقة؟ مَفتوح.