آل عمران · الآية 14

﴿زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ۗ ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ

«زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ»: زينةٌ تَقَعُ على الحُبّ

الفِعلُ «زُيِّن» مَبنيٌّ للمَفعول، وصيغةُ التفعيلِ تَجعَلُ التزيينَ شُحنةً مُتَكَرِّرةً تَعمَلُ في المَشهَد. والزِّينةُ من ز-ي-ن، وهي اهتِزازٌ خَفيفٌ يَسري على ظاهِرِ الشَّيءِ ثُمَّ يَنبَعِثُ إلى الناظِر، فتَبرُزُ الصُّورةُ أمامَه وتَجذِبُه. ونائبُ الفاعِلِ «حُبُّ الشهوات»، فلا يَقِفُ التزيينُ عندَ الأشياءِ المعدودةِ وحدَها، والذي زُيِّنَ هو التَّعَلُّقُ بها في القلب.

والحُبُّ من ح-ب-ب: احتواءٌ حارٌّ يَتَّصِلُ ثُمَّ يُضاعِفُ اتصالَه، كحَبَّةٍ يَنضَمُّ فيها باطِنُ الشيءِ إلى إمكانِ نُموِّه. وأمّا الشهوةُ فمِن ش-ه-و، ومَعناها انتِشارٌ في النَّفسِ يَخفُتُ في فَراغٍ ثُمَّ يَمتَدُّ إلى ما يَسُدُّه. فالحُبُّ يَجمَعُ القلبَ على جهة، والشهوةُ تَفتَحُه نحوَ ما يَشتهي، وحينَ يُزَيَّنُ الحُبُّ يَصيرُ الشيءُ في داخِلِ النَّفسِ صورةً تَطلُبُ الامتِلاك، ولا يَبقى خارجَها فقط.

«مِنَ النِّسَاءِ وَالْبَنِينَ... وَالْحَرْثِ»: ألوانٌ يَجمعُها التَّعَلُّق

وتَفتَحُ «مِن» قائمةَ الأنواع: علاقاتٌ بَشريّة، ومالٌ مُراكَم، ودَوابُّ مَعلَّمة، وأنعامٌ وحَرث. والذي تَقولُه الآيةُ أنَّ الحُبَّ المُزَيَّنَ يَستَطيعُ أن يَعبُرَ بينها ويَجعَلَها كُلَّها مَجاريَ لِلتَّعَلُّق، ولم تَجعَلْ هذه الأشياءَ شيئاً واحداً في ذَواتِها.

ويَظهرُ التَّكثيرُ في «القناطير المقنطرة»، وهو اسمٌ يُعادُ في وَصفِه فيُضاعِفُ هيئةَ التَّراكُم، وتَتَوالى الواواتُ فتَمنَعُ القائمةَ من أن تُغلَقَ على لونٍ واحد. والمَقصودُ كشفُ ما يَفعَلُه الحُبُّ حينَ يَستَقرُّ في الأشياءِ كأنَّها الغايةُ الأخيرة، وليس ذَمَّ ما عُدِّدَ في ذاتِه، فالآيةُ سَمَّته بَعدُ «متاعاً».

«ذَٰلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا»: قُربٌ يَمتَدُّ ثمَّ يَنفَلِت

واسمُ الإشارةِ «ذلك» يَجمعُ القائمةَ كُلَّها ثُمَّ يَحكُمُ عليها: «متاعُ الحياة الدنيا». والمَتاعُ من م-ت-ع، وأصلُه قَبضٌ على ما يُنتَفَعُ بِه في امتِدادٍ يَنقَطِعُ إذا تَمّ، أي ما يُنتَفَعُ به في مَدىً له حَد. فالكلمةُ لا تَنفي النَّفع، غيرَ أنَّها تَمنَعُه من ادِّعاءِ البَقاء.

والدُّنيا من د-ن-و: دَفعٌ يَنبَعِثُ ويَصِلُ إلى القُرب، فهي الحياةُ الأقربُ التي تَلمَسُ الحِسَّ قبلَ غيرِها، ولذلك تَشتَدُّ زينتُها في العين. والقُربُ يَشرَحُ قوَّةَ الجَذب، غيرَ أنَّه لا يُثبِتُ أنَّ الأقربَ هو الأبعَدُ غايةً.

«وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ»: الجَمالُ يُعادُ إلى الرُّجوع

وتَنقُلُ الواوُ النَّظرَ من المتاعِ القريبِ إلى «عنده». والمآبُ من أ-و-ب، ومَعناه انفِصالٌ يَمتَدُّ ثُمَّ يَعقُبُه اتِّصالٌ بما انفَصَلَ عَنه، أي رُجوعٌ يَبلُغُ مَأواه. وقد نَقَلَت الآيةُ «حُسن» المآبِ إلى عندِ الله، ولم تُخبِرْ بأنَّ الحُسنَ مَفقود.

وتَبدأُ الآيةُ بزينةٍ تُرى وتَنتَهي بحُسنٍ يُرجَعُ إليه، فالزينةُ تَعمَلُ في مَسافةِ القُرب، والحُسنُ يَظهَرُ عندَ اكتمالِ الرُّجوع. ولذلك تُطالِبُ الآيةُ بتمييزِ المتاعِ من المآب، دونَ إعدامِ الحُبّ، فما يُستَعمَلُ في الطريقِ لا يُجعَلُ هو نِهايةَ الطريق.


حَصيلة

المُزَيَّنُ في صدرِ الآيةِ هو «حُبُّ الشهوات»، أي جَمعُ القلبِ على أشياءَ يَمتَدُّ إلَيها فَراغٌ فيه لِيَسُدَّه. وتَمتَدُّ القائمةُ من الإنسانِ إلى المالِ والدابّةِ والحَرث، فيَظهَرُ أنَّ التَّعَلُّقَ قادِرٌ على اتِّخاذِ صُوَرٍ كثيرة، ثُمَّ يَجمعُها اسمُ الإشارةِ تحتَ حُكمٍ واحد: «متاعُ الحياة الدنيا»، وهو نَفعٌ قريبٌ له مَدىً ولا يَملِكُ البَقاء. ثُمَّ يَعودُ الحُسنُ في الخاتمةِ إلى المآب، فما قَرُبَ يَلمَعُ في العين، وما حَسُنَ يَثبُتُ عندَ الرُّجوع.