النساء · الآية 27

﴿وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا

«وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ»: إرادةٌ تُفرَدُ فتُواجِهُ غَيرَها

تُعيدُ الآيةُ من إراداتِ الآيةِ السّابِقةِ واحِدةً، التَّوبةَ، وتُفرِدُها في صَدرِها، ويَتَقَدَّمُ فيها اسمُ اللهِ على الفِعل: «واللهُ يُريدُ»، وقد تَقَدَّمَ الفِعلُ على الاسمِ في السّابِقة: «يُريدُ الله». وتَقَدُّمُ الاسمِ هُنا يُهَيِّئُ لِمُقابَلة، فالآيةُ تَضَعُ إرادةً في مُواجَهةِ إرادةٍ أُخرى تُسَمّيها بَعدَها. وجاءَ الفِعلُ بَعدَه بِـ«أن»: «أن يَتوبَ عَلَيكُم»، فالتَّوبةُ هي المُرادُ نَفسُه.

والتَّوبةُ من ت-و-ب رُجوعٌ بَعدَ إفلات، وقد اتَّصَلَت في الآيةِ بِـ«عَلَيكُم»، فالرّاجِعُ هُنا هو اللهُ على المُخاطَبين، وهُم مَحَلُّ هذا الرُّجوع. فالفِعلُ في الشَّطرِ الأوَّلِ فِعلُ الله، يَقَعُ عَلَيهِم ويَصِلُ إلَيهِم، وقد عادَ لَفظُه بِعَينِه بَعدَ أن جاءَ في الآيةِ السّابِقةِ ثالِثَ ثَلاثة، فانفَرَدَ هُنا لِيُقابِلَ ما بَعدَه.

«وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ»: قَومٌ يُعرَفونَ بِما يَسيرونَ خَلفَه

ثُمَّ «ويُريدُ الذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَوات»، فأعادَتِ الفِعلَ نَفسَه وأسنَدَته إلى فاعِلٍ آخَر، فصارَ في الآيةِ إرادَتان. وتُعَرِّفُ الآيةُ أصحابَ الإرادةِ الثّانيةِ بِصِفَتِهِم وَحدَها: «الذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَوات». والاتِّباعُ من ت-ب-ع، سَيرٌ خَلفَ شَيءٍ يَتَقَدَّمُ ولِحاقٌ بِأثَرِه، والافتِعالُ فيه تَكَلُّفٌ لِهذا اللِّحاق، والمُتَقَدِّمُ الذي يَسيرونَ خَلفَه هُنا «الشَّهَوات»، فهُم تابِعونَ يَقودُهُم ما يَشتَهون.

والشَّهَواتُ جَمعُ شَهوة، من ش-ه-و، نُزوعُ النَّفسِ إلى ما تَشتَهيه، والجِذرُ يَرسُمُ انتِشاراً يَخفُتُ في فَراغٍ ثُمَّ يَمتَدُّ إلى ما يَسُدُّه. وأوَّلُ ما عَدَّتهُ آلُ عِمرانَ من الشَّهَواتِ النِّساء: زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاءِ﴾، والآيةُ هُنا تَأتي في آخِرِ حَديثٍ طَويلٍ عن النِّساءِ ونِكاحِهِنّ، فأقرَبُ ما تُحمَلُ عَلَيه الشَّهَواتُ هُنا ما دارَت حَولَه الآياتُ قَبلَها.

«أَن تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا»: مَيلٌ لَه جِرمٌ وثِقَل

ومُرادُ هؤلاءِ «أن تَميلوا مَيلاً عَظيماً». والمَيلُ من م-ي-ل، انحِدارُ الشَّيءِ عن استِوائِه إلى أحَدِ جانِبَيه. وقد جاءَ الفِعلُ في الشَّطرِ الأوَّلِ فِعلاً لِلّهِ يَقَعُ على المُخاطَبين، وجاءَ هُنا فِعلاً لِلمُخاطَبينَ أنفُسِهِم: «تَميلوا»، فالذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَواتِ يُريدونَ من المُخاطَبينَ أن يَفعَلوا، واللهُ يُريدُ أن يَفعَلَ هو بِهِم. والرُّجوعُ والمَيلُ حَرَكَتانِ مُتَعاكِستان: الأولى تَعودُ إلى المَوضِع، والثّانيةُ تَنحَرِفُ عَنه.

وأُكِّدَ الفِعلُ بِمَصدَرِه ووُصِفَ: «مَيلاً عَظيماً»، والعَظيمُ من ع-ظ-م، ومنه العَظمُ لِما اشتَدَّ في البَدَنِ وثَقُل، فالمَيلُ المُرادُ مَيلٌ يَكبُرُ حتّى يَصيرَ لَه جِرمٌ وثِقَل. وفي السّورةِ حَديثٌ عن المَيلِ بَينَ النِّساء: فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ﴾، وفي صَدرِها ذَٰلِكَ أَدْنَىٰ أَلَّا تَعُولُوا﴾، فالسّورةُ تَزِنُ المَيلَ وتُقَدِّرُه، ومُتَّبِعو الشَّهَواتِ يُريدونَه مَيلاً يَخرُجُ عن كُلِّ وَزن: «مَيلاً عَظيماً».


حَصيلة

تُعيدُ الآيةُ إرادةَ التَّوبةِ وَحدَها، ويَتَقَدَّمُ فيها اسمُ اللهِ لِيُقابِلَ إرادةً أُخرى، إرادةَ الذينَ يَتَّبِعونَ الشَّهَوات، والاتِّباعُ من ت-ب-ع سَيرٌ خَلفَ مُتَقَدِّم، والشَّهَواتُ من ش-ه-و فَراغٌ يَمتَدُّ إلى ما يَملَؤُه، وأقرَبُ ما تُحمَلُ عَلَيه ما دارَت حَولَه الآياتُ من النِّساءِ ونِكاحِهِنّ. والإرادَتانِ مُتَعاكِستان: اللهُ يُريدُ فِعلاً يَفعَلُه هو، رُجوعاً عَلَيهِم، وأولئكَ يُريدونَ من المُخاطَبينَ فِعلاً يَفعَلونَه، مَيلاً من م-ي-ل عن الاستِواء، مُؤَكَّداً بِمَصدَرِه ومَوصوفاً بِالعِظَمِ من ع-ظ-م، في سورةٍ تَزِنُ المَيلَ وتُقَدِّرُه.