الوالِدان
مَن احتَوى ومَدَّ وأَبقى. الأَصلُ الذي منه خَرَجَ الوَلَد، والرِّباطُ الأَمتَنُ في بُنيَةِ المِيثاق.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- و: وَصلٌ ورِباط، شِحنَتُه: احتِواءٌ مُستَدام.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد، شِحنَتُه: رابِطٌ يَمتَدُّ ويَلتَصِق.
- د: ضَبطٌ وثَبات، شِحنَتُه: احتِباسٌ مُستَقِرّ.
النَّواةُ ول (و + ل) = احتِواءٌ يَتَعَلَّقُ ويَمتَدّ: ما يَضُمُّ الشَّيءَ إلى نَفسِه ويَمتَدُّ به. الإغلاقُ بـد يُثبِّتُ هذا الاحتِواءَ الممتَدَّ في مَكانِه: ما يَخرُجُ من الذّاتِ ويَلتَصِقُ بها ويَثبُتُ على ارتِباطِه بِمَصدَرِه. ومنه «الوَلَد» = ما خَرَجَ من والِدِه ولا يَنقَطِعُ عَن أَصلِه، و«الوالِد» = الأَصلُ الذي خَرَجَ منه الوَلَد، و«المَوْلِد» = المَكانُ والزَّمانُ الذي جَرى فيه هذا الخُروج.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: احتِواءٌ يَلتَصِقُ ويَثبُت. الوالِدانِ الاحتِواءُ الأَصليُّ الأَوَّل: البُنيةُ التي منها جاءَ الإنسانُ ولا يُنسَبُ إلّا إلَيها.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
- وَبِالْوالِدَينِ (مُثَنَّى مَجرور بِالياء): في ٢:٨٣ و١٧:٢٣، بِرَسمٍ واحِدٍ لا يَختَلِفُ حَرفاً. الصّيغةُ المُثَنَّاةُ تَجمَعُ الأَبَ والأُمَّ في دائِرةٍ واحِدة. وهي في المَوضِعَينِ البَندُ الثّاني بَعدَ التَّوحيدِ مُباشَرةً: الأَوَّلُ رَفعُ الوَلاءِ لِله، والثّاني إحسانٌ للوالِدَين. المَكانةُ التَّشريعيَّةُ واضِحة في الترتيب، وتَكرارُ التَّرتيبِ نَفسِه في سياقَينِ مُختَلِفَينِ (ميثاقٌ مَأخوذٌ وقَضاءٌ مُبتَدَأ) يُخرِجُه من المُصادَفة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: المُثَنَّى يُغلِقُ الدّائِرةَ الأُسَريَّةَ الأُولى. الوالِدانِ بِتَثنيَتِهِما وَحدَةٌ واحِدةٌ لا نِصفان.
الفُروق المَعنويّة
لا شَقيقَ مُتَمَيِّزَ في هذه المَرحَلة. قَد يُفرَدُ مَفهوم «وَلَد/أَولاد» لاحِقاً إن ظَهَرَ مُستَقِلاً.
المَواضع: مَواقعُ الوالِدَينِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٨٣ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. الوالِدانِ أَوَّلُ دائِرةٍ اجتِماعيَّةٍ تَلي التَّوحيدَ في بُنيَةِ المِيثاق. الباءُ في «بِالوالِدَين» باءُ المُصاحَبَة: الإحسانُ يَجري مَعَ الوالِدَين في كُلِّ حال، ولَيسَ مُقَيَّداً بِشَرط. الإحسانُ (ح-س-ن صَفاءٌ يَنبَعِثُ من الباطِن) جاءَ مُنتَصِباً: لا مُقَيَّداً بِلامٍ أو باء، بَل نَكِرةً في حالَيِ الرَّفعِ والنَّصبِ المُطلَق. الوالِدانِ بُنيةُ الاحتِواءِ الأُولى التي صَنَعَت الإنسانَ وكَفَلَت وُجودَه.
- ٢:١٨٠ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: الوالِدانِ مُتَصَدِّرانِ قائِمةَ الوَصيَّةِ المالِيَّة: أَوَّلُ مَن يُوصى لَه. الجَديدُ: ظُهورُ الوالِدَينِ في سِياقٍ ماليٍّ، الوَصلُ الوالِديُّ يَمتَدُّ إلى التَّوزيعِ المالِيِّ بَعدَ الرَّحيل.
- ٢:٢١٥ ﴿قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: الوالِدانِ أَوَّلُ أَولويَّاتِ الإنفاق. الجَديدُ: اللَّامُ في «لِلوالِدَين» لامُ الاختِصاصِ والاستِحقاق، الوالِدانِ أَحَقُّ مَن يُنفَقُ عليه.
- ٢:٢٣٣ ﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ﴾: «الوالِدات» جَمعٌ جَديد: الأُمَّهاتُ في وَظيفَتِهِنَّ الرَّضاعِيَّة. الجَذرُ ذاتُه (و-ل-د) لكنَّ الصِّيغةَ جَمعُ «والِدة»: التَّركيزُ على الوَظيفةِ لا على الشَّخص. «الوالِداتُ يُرضِعنَ» تَقريرٌ إلزامِيٌّ. الحُقوقُ والواجِباتُ مُفَصَّلةٌ للأَبِ والأُمِّ مَعاً.
- ١٧:٢٣ ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾: العِبارةُ نَفسُها خارِجَ المِيثاق. الجَديدُ: تُعادُ ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ بِرَسمِها من ٢:٨٣ وبِمَوقِعِها نَفسِه بَعدَ حَصرِ العِبادة، لَكِنَّ الفِعلَ الحاكِمَ يَتَبَدَّل: هُناكَ ﴿أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ فالحُكمُ مَأخوذٌ على قَومٍ بِعَينِهِم، وهُنا ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ﴾ فالحُكمُ مُبتَدَأٌ من الرَّبِّ بِلا طَرَفٍ يُعاهَد. فيَتَبَيَّنُ أنَّ التَّرتيبَ (تَوحيدٌ ثُمَّ والِدان) لَيسَ بَنداً في عَقدٍ خاصٍّ بَل قَضاءٌ عامّ. ويُفَصِّلُ المَوضِعُ ما أَجمَلَتهُ ٢:٨٣: يُذكَرُ بُلوغُ الكِبَرِ عِندَ الابن، ويُنهى عن أدنى لَفظٍ يُتَبَرَّمُ بِه ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ﴾، فيَنزِلُ الإحسانُ من الحُكمِ إلى القَولِ نَفسِه. انظُر الرَّبّ والإِحسان.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
ihsan: الإحسانُ بِالوالِدَين أَوَّلُ تَطبيقٍ لِلإحسانِ في المِيثاق، ٢:٨٣.mithaq: الوالِدانِ البَندُ الاجتِماعيُّ الأَوَّل في المِيثاق، ٢:٨٣.yatim: اليَتيمُ من انقَطَعَ عنه والِده؛ الوالِدانِ واليَتيمُ قُطبانِ: وُجودُ الأَصلِ وغِيابُه.
الإشكالات المَفتوحة
- هل «بِالوالِدَين إحساناً» يَشمَلُ الوالِدَينِ حتّى حينَ يَكونانِ على دِينٍ مُخالِف؟ مَوقِفُنا: الآيةُ لا تَشتَرِطُ المُوافَقةَ العَقَديَّة. بُنيةُ المِيثاقِ هُنا اجتِماعيَّةٌ وَأُسَريَّة، والإحسانُ قائِمٌ بِالأَصلِ لا بِالانتِماء.