البقرة · الآية 83

﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِّنكُمْ وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ

«مِيثَاق» من (و ث ق): عَقدٌ مُحكَمٌ لا وَعدٌ عامّ

الجِذرُ (و ث ق) يَحمِلُ شِدّةَ الرَّبطِ وإحكامَ العَقد، ومِنه الوَثاقُ الذي يُشَدُّ بِه الأسير. فالمِيثاقُ في لِسانِ القُرآنِ عَقدٌ مَبنودٌ، مَعلومُ الشُّروط، قابِلٌ لِلمُحاسَبةِ بَنداً بَنداً، ولا يَقِفُ عِندَ الوَعدِ أو النِّيّةِ الطَّيِّبة. والفَرقُ بَينَه وبَينَ العَهدِ أنَّ العَهدَ يَقومُ على إلزامِ النَّفسِ بِما تُقِرُّ بِه، والمِيثاقَ يَقومُ على نَصٍّ خارِجِيٍّ مُحكَم. ولِذلك عَدَّدَتِ الآيةُ بُنودَه: لا تَعبُدونَ إلّا الله، وإحسانٌ بِالوالِدَين، وذي القُربى، واليَتامى، والمَساكين، وقَولٌ حَسَنٌ لِلنّاس، وإقامةُ الصَّلاة، وإيتاءُ الزَّكاة، وهي لَوائِحُ تَنفيذٍ لا شِعاراتٌ مَفتوحة.

بِنيةُ المِيثاق: بَندٌ تَوحيديٌّ واحِدٌ وسِتَّةُ بُنودٍ اجتِماعيّة

وإذا عُدَّتِ البُنودُ كَما وَرَدَت وُجِدَ التَّوحيدُ في صَدرِها «لا تَعبُدونَ إلّا الله»، ثُمَّ تَتَوالى سِتّةُ بُنودٍ اجتِماعِيّةٍ صَريحةٍ قَبلَ أن تَنغَلِقَ اللَّوائِحُ بِالصَّلاةِ والزَّكاة. وليسَ هذا التَّوزيعُ مُصادَفةً، فهو تَعريفٌ عَمَلِيٌّ لِـ«العِبادة»، إذ انتَثَرَتِ العِبادةُ التي أُمِروا بِها في الأُسرةِ والقَرابةِ والضُّعَفاءِ والكَلامِ اليَومِيِّ مَعَ النّاس، ولم تُفرِغْ نَفسَها في الشَّعيرةِ وَحدَها. ومَن قَرَأَ المِيثاقَ بِعَينِ «الصَّلاةِ والزَّكاة» وَحدَهُما فقد أخَذَ الإطارَ وتَرَكَ المَضمون، ومَن قَرَأَه بِعَينِ البُنودِ الاجتِماعِيّةِ أدرَكَ أنَّ «الإسلامَ» هاهُنا اسمٌ لِنَمَطٍ كامِلٍ في التَّعايُش.

«وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»: (ح س ن) دَفءٌ حَيٌّ يَسيلُ ويَنبَعِثُ إلى الباطِن

والجِذرُ (ح س ن) نَواتُه «حَس»، وهي حَياةٌ حارّةٌ تَسيلُ بِدِقّة، ثُمَّ تَنبَعِثُ بِالنّونِ إلى الباطِن. فالإحسانُ أعلى من «المُعامَلةِ الحَسَنة»، وهو دَفءٌ حَيٌّ يَسيلُ ويَنبَعِثُ إلى باطِنِ المُحسَنِ إلَيه، ولا يُقصَرُ على سُلوكٍ ظاهِر. وتَقديمُ «بِالوالِدَين» في المِيثاقِ مَقصود: أوَّلُ دائِرةٍ يَختَبِرُ فيها الفَردُ عَدالَتَه هي البَيتُ الذي وُلِدَ فيه. ثُمَّ تَتَّسِعُ الدّائِرة: ذو القُربى، وهي صِلةٌ بِالنَّسَب، واليَتامى، وهُم مَنِ انقَطَعَ عَنهُم أصلُهُم من (ي ت م)، والمَساكين، وهُم مَن أسكَنَهُمُ الفَقرُ عنِ الحَرَكةِ من (س ك ن). فالخِطابُ يَتَدَرَّجُ من الحَميمِيِّ إلى العامّ، ويُعَرِّفُ الإحسانَ بِأثَرِه في الأضعَف.

«وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا»: اتِّساعُ المُخاطَبِ يَكسِرُ حُدودَ الفَريق

والجِذرُ (ق و ل) نَواتُه قَطعٌ مُحكَمٌ (ق) يَتَّصِلُ ويَربِطُ (و)، ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِاللّامِ على لَفظٍ يَمتَدّ، فالقَولُ مُخرَجُ العُمق، لا الصَّوتُ وَحدَه. وفي قَولِ الآيةِ «لِلنّاس» بِاللّامِ نَزعٌ لِشَرطِ الانتِماء، والخِطابُ لِكُلِّ إنسانٍ بَلَغَه الصَّوت، لا لِلأُسرةِ أو القَبيلةِ أو المِلّةِ فَقَط. وهذا بَندٌ لافِتٌ في مِيثاقٍ قَديم، وفيه جُعِلَ كَلامُ المَرءِ العامُّ مَعَ النّاسِ جُزءاً من العَقدِ الذي عُقِدَ عَلَيه. فالمِيثاقُ يَمتَدُّ إلى ضَبطِ اللِّسانِ في الشّارِعِ والسّوقِ والمَجلِس، زِيادةً على ضَبطِ الشَّعائِر.

«ثُمَّ تَوَلَّيْتُم… وَأَنتُم مُّعْرِضُونَ»: (و ل ي) فَكُّ التَّعَلُّقِ و(ع ر ض) وُقوفٌ بِالجانِبِ لا بِالوَجه

وقد تَقَدَّمَ أنَّ التَّوَلّيَ (و ل ي) فَكُّ الاتِّصالِ المُحيط، فهو مُضادُّ (و ث ق) تَماماً: الأوَّلُ إحكامٌ والثّاني انفِكاك. ثُمَّ جاءَ الحالُ «وَأَنتُم مُعرِضون» من (ع ر ض)، وهو الوُقوفُ بِالجَنبِ لا بِالوَجه، لِيُبَيِّنَ أنَّ الانفِكاكَ هَيئةٌ مُستَقِرّةٌ، ولم يَكُن لَحظةً عابِرة. والمُعرِضُ لا يُعلِنُ العَداوةَ صَراحةً، غَيرَ أنَّه يَرفُضُ المُواجَهة، وهذا أخطَرُ من الرَّدِّ الصَّريح، لأنَّه يَتَرَكَّبُ على الوَقت، وزاويةُ الانحِرافِ تَتَّسِعُ كُلَّ يَوم. ثُمَّ جاءَ الاستِثناءُ «إلّا قَليلاً مِنكُم» لِيُثَبِّتَ أنَّ العِبرةَ بِالثّابِتينَ على الوَجه، لا بِالأغلَبِيّة.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: المِيثاقُ عَقدٌ مَبنودٌ لا وَعدٌ عامّ، والعِبادةُ في سِتّةٍ من بُنودِه اجتِماعِيّةٌ صَريحة، و«حُسناً لِلنّاس» يَكسِرُ شَرطَ الانتِماء، و«مُعرِضون» هَيئةٌ مُستَقِرّةٌ تَبدَأُ من فَكِّ التَّعَلُّقِ وتَنتَهي إلى الوُقوفِ بِالجانِب.


حَصيلة

المِيثاقُ من و-ث-ق عَقدٌ مُحكَمٌ بِبُنودٍ مَعلومة، وما هو بِوَعدٍ قَلبِيٍّ وَحدَه، وبُنيةُ بُنودِه تَكشِفُ تَعريفاً عَمَلِيّاً لِلعِبادة: بَندٌ تَوحيدِيٌّ واحِدٌ «لا تَعبُدونَ إلّا الله»، ثُمَّ سِتّةُ بُنودٍ اجتِماعِيّةٍ صَريحةٍ قَبلَ أن تَأتيَ الصَّلاةُ والزَّكاة. والإحسانُ من ح-س-ن دَفءٌ حَيٌّ يَسيلُ ويَنبَعِثُ إلى باطِنِ المُحسَنِ إلَيه، لا سُلوكٌ ظاهِرِيٌّ فَقَط، واليَتامى من ي-ت-م مَنِ انقَطَعَ عَنهُم أصلُهُم، والمَساكينُ من س-ك-ن مَن أسكَنَهُمُ الفَقرُ عنِ الحَرَكة. وجاءَ «قُولوا لِلنّاسِ حُسناً» بِاللّامِ لا بِصيغةِ التَّخصيص، وهو لِكُلِّ مَن بَلَغَه الصَّوت، ولا يَخُصُّ فَريقاً دونَ فَريق. ثُمَّ «تَوَلَّيتُم» من و-ل-ي، وهو فَكُّ الاتِّصالِ المُحيط، مُضادُّ و-ث-ق تَماماً، والحالُ «مُعرِضون» من ع-ر-ض، وهو وُقوفٌ بِالجَنبِ لا بِالوَجه، أي هَيئةٌ مُستَقِرّةٌ تَرفُضُ المُواجَهة، وليسَ إعلانَ عَداوةٍ صَريحة. والاستِثناءُ «إلّا قَليلاً مِنكُم» يُثَبِّتُ أنَّ الحَقَّ لا يُقاسُ بِالأغلَبِيّة. والكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح: المِيثاقُ لَوائِحُ تَنفيذٍ لا شِعاراتٌ مَفتوحة، والإعراضُ هَيئةٌ تَتَرَكَّبُ على الوَقتِ لا لَحظةٌ عابِرة.