البقرة · الآية 233

﴿وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ ۖ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ ۚ وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ ۚ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا ۚ لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ ۚ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَٰلِكَ ۗ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا ۗ وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُوا أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّا آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ ۗ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ

مَوقِعُ الآية: ظُهورُ الطِّفلِ في المَشهَدِ

والمُؤَكَّدُ أنَّ هذه الآيةَ واقِعةٌ في قَلبِ بَلوكِ الطَّلاقِ (228-237)، لا خارِجَه، ولَيسَ وُجودُها هُنا صُدفةً: بَعدَ أن ضَبَطَ القُرآنُ عَلاقةَ الزَّوجَينِ بَعدَ الانفِصال، فَتَحَ نافِذةَ «الطِّفل»، وهو الضَّحِيّةُ الخَفِيّةُ الأولى لِكُلِّ طَلاق. والنَّصُّ يَحمي الطِّفلَ من أن يُستَخدَمَ أداةَ ابتِزازٍ بَينَ الأبِ والأُمّ، ويَبني لَه فَضاءً من الاستِقرارِ رُغمَ انفِصالِ أبَوَيه.

جَذرُ (و ل د) وَ(ر ض ع): الأُمومةُ فِعلٌ جَسَديّ

وأوثِرَت كَلِمةُ الْوَالِدَاتُ (و ل د) على «الأمَّهات»، وهذا الاختِيارُ لافِت. و«والِدة» اسمُ فاعِلٍ من الفِعلِ «وَلَدَ»، أي الَّتي مارَسَت فِعلَ الوِلادة، وهذا يَربِطُ الأُمومةَ بِفِعلٍ جَسَدِيٍّ مَحض، لا بِهُوِيّةٍ عاطِفِيّةٍ مُجَرَّدة. والرَّضاعُ (ر ض ع) هو الفِعلُ الجَسَدِيُّ التّالي، فالأُمومةُ في هذه الآيةِ عَمَلٌ مَلموس: وِلادةٌ ثُمَّ إرضاع، وفي ذلك وَضعٌ لِلمَرأةِ فاعِلةً في خِدمةِ الطِّفل، تُعمِلُ جَسَدَها لَه.

«حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ»: الدِّقَّةُ الَّتي تَحسِمُ الخِلاف

وفي حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ دِقّةٌ في العَدَد، و«كامِلَين» تَوكيدٌ صَريحٌ يَقطَعُ كُلَّ تَأويلٍ بِنَقص. والسَّنَتانِ الكامِلَتانِ في هذا المَوضِعِ حَقٌّ لِلطِّفل، لا حُدودٌ لِلأُمّ، فالنَّصُّ يَضَعُ هذه المُدّةَ القُصوى حَقّاً ثابِتاً لِلرَّضيع، ولا تَكفي فيها تَوصِيةٌ يُؤخَذُ بِها أو تُترَك.

«المَولودُ لَه»: الوَصفُ الوَظيفيُّ للأبِ بَدَلَ هُوِيَّةِ الزَّوج

وعُدِلَ في وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ عن «الأب» و«الزَّوج»، لأنَّ الزَّواجَ انفَسَخ، فوَصفُ «الزَّوج» غَيرُ دَقيقٍ بَعدَه، و«الأب» صِفةُ هُوِيّةٍ عامّةٌ قد تَنقَطِعُ بِالإنكار. وأمّا «المَولودُ لَه» فوَصفٌ بِنيَوِيٌّ لا يَنفَكُّ عَنه، وهو مَن وُلِدَ لَه هذا الطِّفلُ بِلا تَأويل. فالنَّصُّ يَتَجاوَزُ عَلاقةَ الزَّوجِيّةِ المُنتَهيةِ إلى عَلاقةِ الأُبوّةِ الباقية، ويَبني واجِبَ النَّفَقةِ على الثّانيةِ دونَ الأولى، والأُبوّةُ أبَدِيّة، والزَّوجِيّةُ قد تَنفَصِم.

«رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ»: أجرُ الوَظيفةِ الجَسَديَّة

والمُؤَكَّدُ أنَّ الضَّميرَ «هُنَّ» في رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ عائِدٌ على الْوَالِدَاتُ، لا على الأبناء، فالنَّفَقةُ في هذا المَوضِعِ أُجرةُ الأُمِّ الَّتي تُرضِعُ طِفلَها، وليسَت «نَفَقةَ الطِّفل». والنَّصُّ يَعتَرِفُ بِالرَّضاعِ عَمَلاً يَستَحِقُّ الأجر، وهذه ثَورةٌ في المَنظور: العَمَلُ المَنزِلِيُّ الأُمومِيُّ لَه قيمةٌ اقتِصادِيّةٌ مُعتَرَفٌ بِها قُرآنِيّاً، يَدفَعُ الأبُ أُجرَتَها، وهذا يُقابِلُ السُّؤالَ الحَديثَ عن «قيمةِ عَمَلِ المَرأةِ في البَيت».

«لَا تُضَارَّ والِدةٌ بِوَلَدِها ولا مَولودٌ لَه بِوَلَدِه»: الطِّفلُ ليسَ سِلاحًا

وجاءَ لَا تُضَارَّ بِصيغةِ المَبنِيِّ لِلمَجهولِ لِيَشمَلَ كُلَّ صُوَرِ الإضرار، من الأُمِّ ومن الأبِ ومن العائِلَتَينِ ومن المُجتَمَع، وأُكِّدَ بِه المَنعُ في الاتِّجاهَين: لا أُمٌّ تَستَخدِمُ الطِّفلَ ضِدَّ الأب، ولا أبٌ يَستَخدِمُه ضِدَّ الأُمّ. والطِّفلُ ليسَ وَسيلةً لِلابتِزازِ في أيِّ اتِّجاه، وهي حِمايةٌ مُتَبادَلةٌ لا تَحامُلَ فيها على طَرَفٍ دونَ آخَر.

جَذرُ (ش و ر) وَ«تَشاوُر»: القَرارُ المُشتَرَكُ في تَربيَةِ الطِّفل

وفي فَإِنْ أَرَادَا فِصَالًا عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ كَلِمةٌ لافِتةٌ هي «التَّشاوُر» (ش و ر)، وهو تَفاعُلٌ يَستَلزِمُ رَأيَينِ مُتَكافِئَين، فالأبُ المُطَلَّقُ والأُمُّ المُطَلَّقةُ في مَقامِ المُشاوَرةِ مَعاً حَولَ الطِّفل، وليسَ أحَدُهُما صاحِبَ قَرارٍ والآخَرُ تابِعاً. وهذا يَضَعُ المَرأةَ في مَرتَبةِ الشَّريكِ الكامِلِ في قَراراتِ الحَضانةِ والفِصال، ولا تَقِفُ مَرتَبَتُها عِندَ التَّنفيذ.

«إن أرَدتُم أن تَستَرضِعوا»: بَدائِلُ الرَّضاعةِ بِالاعتِراف

ويَفتَحُ النَّصُّ القُرآنِيُّ بابَ المُرضِعاتِ البَدائِلِ (الاسترضاع) بِشَرطَين: رِضا الأبَوَين، ودَفعِ ما اتُّفِقَ عَلَيه بِالمَعروف، فلا تُكرَهُ الأُمُّ على الرَّضاعِ إن تَعَذَّرَ ذلك، ولا تُحرَمُ من حَقِّها إن رَضِيَت. والبَديلُ مَوجود، على ألّا يَقَعَ على المُرضِعةِ البَديلةِ ظُلمٌ بِنَقصِ أجرِها.

«البَصِيرٌ»: خِتامُ المُراقَبةِ على تَفاصيلِ البَيتِ الصَّغير

وخُتِمَتِ الآيةُ بِاسمِ بَصِيرٌ دونَ «عَليم»، و«البَصَرُ» (ب ص ر) مَعرِفةٌ بِالمَشهَدِ الَّذي يُرى، وفي اختِيارِ هذا الاسمِ أنَّ اللهَ يَرى تَفاصيلَ ما يَجري بَينَكُم وبَينَ طِفلِكُم مَشهَداً حَقيقِيّاً غَيرَ عِلمٍ بَعيد، وهذا يُرَسِّخُ حُضورَه في أدَقِّ لَحَظاتِ البَيتِ المُتَفَرِّق.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: «الوالِدة» وَظيفةٌ جَسَدِيّةٌ (وِلادةٌ ثُمَّ إرضاع)، ولا تَكفي فيها هُوِيّةٌ عاطِفِيّة؛ و«المَولودُ لَه» وَصفٌ بِنيَوِيٌّ لِلأبِ يَبقى بَعدَ انفِساخِ الزَّوجِيّة؛ و«رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ» اعتِرافٌ قُرآنِيٌّ بِاقتِصادِيّةِ العَمَلِ الأُمومِيّ؛ و«لَا تُضَارَّ» مَنعٌ لاستِخدامِ الطِّفلِ سِلاحاً في أيِّ اتِّجاه؛ و«تَشاوُر» شَراكةُ الأبَوَينِ في قَرارِ الفِصال؛ و«بَصِيرٌ» خِتامُ المُراقَبةِ على تَفاصيلِ البَيتِ المُنقَسِم.


حَصيلة

الآيةُ تَفتَحُ نافِذةَ الطِّفلِ في قَلبِ بَلوكِ الطَّلاق، لِتَقولَ إنَّ الفِراقَ لا يُلغي الأُبوّة. وجِذرُ و-ل-د في «الْوَالِدَاتُ» فِعلٌ جَسَدِيٌّ (وِلادةٌ ثُمَّ إرضاع) لا هُوِيّةٌ عاطِفِيّةٌ فَحَسب، وجِذرُ ر-ض-ع العَمَلُ الجَسَدِيُّ التّالي لِلوِلادة. وقَيدُ «حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ» حَقٌّ لِلطِّفل، لا حُدودٌ تَضيقُ على الأُمّ. وأمّا «المَولودُ لَه» فوَصفٌ بِنيَوِيٌّ لا يَنفَكُّ عَنه بَعدَ انفِساخِ الزَّوجِيّة، لأنَّ الأُبوّةَ أبَدِيّةٌ والزَّوجِيّةُ قد تَنفَصِم. وجِذرا ر-ز-ق وك-س-و في «رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ» يَعودُ ضَميرُهُما على الْوَالِدَاتُِ لا على الأبناء: الرَّضاعةُ عَمَلٌ يَستَحِقُّ أجراً اعتَرَفَ بِه القُرآنُ صَراحةً. وجِذرُ ض-ر-ر في «لَا تُضَارَّ» بِصيغةِ المَبنِيِّ لِلمَجهولِ يَمنَعُ التَّوظيفَ في كِلا الاتِّجاهَين: لا أُمٌّ تَستَخدِمُ الطِّفلَ ضِدَّ الأبِ ولا أبٌ يَستَعمِلُه ضِدَّ الأُمّ. وجِذرُ ش-و-ر في «تَشاوُر» يُثبِتُ لِلأُمِّ مَكانةَ الشَّريكِ الكامِلِ في قَراراتِ الفِصال. وخُتِمَتِ الآيةُ بِاسمِ «بَصِيرٌ» دونَ «عَليم»: اللهُ يَرى مَشهَدَ البَيتِ المُنقَسِمِ رُؤيةً مُباشِرة، وتَفاصيلُ ما يَجري بَينَ الوالِدَينِ وطِفلِهِما مَشهودةٌ لَه وإن خَفِيَت على غَيرِه.