الإسراء · الآية 23

﴿۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

۞ وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۚ إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا

«وَقَضَىٰ رَبُّكَ» لا «وأمَرَ رَبُّكَ»

الفِعلُ المُختارُ «قَضى». ولَو أُريدَ الأمرُ لَقيلَ «أمَرَ»، وهو أخَفُّ وأشيَعُ. والأمرُ يَبقى مُعَلَّقاً على المَأمور: يُطاعُ فيَتِمّ، ويُعصى فيَبقى أمراً. أمّا القَضاءُ فإتمامٌ يُغلِقُ البابَ على المَسألة.

فالمَقولُ بَعدَه لَيسَ اقتِراحاً يُنتَظَرُ جَوابُه. هو حُكمٌ فُرِغَ منه، والمُخاطَبُ يَدخُلُ عَلَيه بَعدَ أن أُبرِم. ولِذلك يُخبَرُ عنه بِالماضي لا بِالأمر.

و«رَبُّكَ» مُفرَدةُ الخِطاب، ثُمَّ «تَعْبُدُوا» جَمعٌ. يَضيقُ العُنوانُ إلى واحِدٍ ويَتَّسِعُ الحُكمُ إلى الكُلّ. يُقالُ لَكَ وَحدَك، ويَلزَمُ النّاسَ جَميعاً.

«أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ»: حَصرٌ بِطَرَفَين

لم يُقَلْ «أن تَعبُدوه». قيلَ نَفيٌ ثُمَّ استِثناء: «ألّا تَعبُدوا» ثُمَّ «إلّا إيّاه». وهذا بِناءٌ يَبني الحُكمَ من حافَّتَيه: يُفرَغُ المَجرى أوَّلاً، ثُمَّ يوضَعُ فيه واحِد.

و«إِيَّاهُ» ضَميرُ نَصبٍ مُنفَصِلٌ قُدِّمَ عن مَوضِعِه. لَولا الاستِثناءُ لَجاءَ مُتَّصِلاً في آخِرِ الفِعل. فالتَّركيبُ يَنزِعُ المَعبودَ من ذَيلِ الكَلامِ ويُقيمُه ظاهِراً مُنفَصِلاً. الكَلِمةُ تَقِفُ وَحدَها كَما يَقِفُ المُسَمّى بِها.

«وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا»: مَنصوبٌ بِلا فِعلٍ ظاهِر

لا فِعلَ في هذا الشَّطر. «إِحْسَانًا» مَنصوبٌ وناصِبُه مَطوِيّ. ولَو أُريدَ أمرٌ ثانٍ لَقيلَ «وأحسِنوا بِالوالِدَين» فِعلاً صَريحاً كَما قيلَ «تَعْبُدُوا». المَصدَرُ يَجيءُ عارِياً من فِعلِه، فيَبقى مُعَلَّقاً بِـ«قَضى» أوَّلَ الآية.

وهذا هو مَوضِعُ الآيةِ من الحُكم: لم يُشَرَّعْ لِلوالِدَينِ بابٌ ثانٍ إلى جانِبِ بابِ العِبادة. أُدخِلا في القَضاءِ الأوَّلِ نَفسِه. القَضاءُ الذي أغلَقَ مَسألةَ المَعبودِ هو الذي أغلَقَ هذه.

وقُدِّمَ المَجرورُ على المَصدَر: «بِالْوَالِدَيْنِ» ثُمَّ «إِحْسَانًا». يُسَمّى المَقصودُ قَبلَ أن يُسَمّى الفِعلُ الواصِلُ إليه. ومَن سَمّى الوَجهَ قَبلَ العَطاءِ لم يَجعَلِ العَطاءَ غايةً في نَفسِه.

«إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ»: شَرطٌ مُؤَكَّدٌ ومَوضِعٌ مُعَيَّن

«إِمَّا» شَرطٌ لَحِقَته «ما» فقَوِيَ، ثُمَّ لَحِقَتِ الفِعلَ نونُ التَّوكيدِ الثَّقيلة. تَوكيدانِ على شَرطٍ واحِد. والشَّرطُ حينَ يُؤَكَّدُ هكذا لا يُقالُ لِبَعيدِ الوُقوع.

و«عِندَكَ» تُعَيِّنُ المَوضِع. لَيسَ المُعتَبَرُ أن يَبلُغا الكِبَرَ فَحَسب، بَل أن يَبلُغاهُ وهُما عِندَك. الآيةُ تَضَعُ الحُكمَ في بَيتٍ لا في مِلّة.

و«أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا» تَعُدُّ الحالَتَينِ عَدّاً. لم تَقُلْ «إذا كَبِرا» فتَجعَلَ الاثنَينِ صورةً واحِدة. الواحِدُ حالةٌ تامّةٌ بِنَفسِها، لا نِصفُ حالة.

و«الْكِبَرَ» من ك-ب-ر، وهو الجَذرُ الذي قامَت عَلَيه أَكْبَرُ دَرَجَاتٍ وَأَكْبَرُ تَفْضِيلًا﴾ قَبلَ آيَتَين. هُناكَ فائِضٌ في الرُّتبة، وهُنا فائِضٌ في السِّنِّ يَتَجاوَزُ طاقةَ صاحِبِه. جَذرٌ واحِدٌ وفَيضانِ، أحَدُهُما يُرفَعُ به الإنسانُ والآخَرُ يُسَلَّمُ فيه إلى غَيرِه.

«أُفٍّ»: أصغَرُ ما يُقالُ، ثُمَّ ما فَوقَه

«أُفٍّ» لَيسَت كَلِمةً ذاتَ مَعنىً يُترجَم. هي صَوتٌ: نَفَسٌ يُدفَعُ من الصَّدرِ ضَجَراً. لا خَبَرَ فيها ولا سَبَّ ولا رَدّ. ومَعَ ذلك بَدَأَ النَّهيُ مِنها.

وجاءَت مُنَوَّنةً نَكِرة: أيُّ أُفٍّ كان. فالحَدُّ الأسفَلُ لِلمَنعِ هو أدنى ما يُصدِرُه إنسانٌ ضَجِر. وما دونَ ذلك سُكوت.

ثُمَّ «وَلَا تَنْهَرْهُمَا». والانتِهارُ (ن-ه-ر) صَوتٌ يُدفَعُ بِه المُقبِلُ فيُرَدُّ عن وَجهِه. فالنَّهيانِ طَرَفانِ: أخَفُّ ما يُسمَع، وأشَدُّ ما يُدفَعُ بِه. وما بَينَهُما داخِلٌ بَينَ الحَدَّين.

ثُمَّ «وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا». بَعدَ نَهيَينِ أمر. ولَو وَقَفَتِ الآيةُ عِندَ المَنعِ لَكانَ الصَّمتُ امتِثالاً تامّاً. والكَريمُ (ك-ر-م) ما صِينَ في مَكمَنِه ثُمَّ بُذِلَ بِلا مِنّة. فالمَطلوبُ قَولٌ مَحفوظٌ يُخرَجُ لَهُما، لا قَولٌ يُكَفُّ عنهُما.


حَصيلة

يُفتَتَحُ الحُكمُ بِـ«قَضى» لا بِـ«أمَرَ»، فيَدخُلُ المُخاطَبُ على مَسألةٍ أُبرِمَت قَبلَ دُخولِه، ويُبنى الحَصرُ من حافَّتَيه: مَجرىً يُفرَغُ بِـ«ألّا تَعبُدوا» ثُمَّ واحِدٌ يوضَعُ فيه مُنفَصِلاً ظاهِراً. ويَجيءُ «إِحْسَانًا» مَنصوباً بِلا ناصِبٍ يَظهَر، فلا يُفتَحُ لِلوالِدَينِ بابٌ ثانٍ بَل يُدخَلانِ في القَضاءِ نَفسِه، ويُقَدَّمُ اسمُهُما على اسمِ الفِعلِ الواصِلِ إلَيهِما. ثُمَّ يُشَدَّدُ الشَّرطُ مَرَّتَينِ ويُقَيَّدُ بِمَوضِعٍ («عِندَكَ») وبِعَدَدٍ يُفَصَّلُ لا يُجمَل، ويُسَمّى بُلوغُهُما بِالجَذرِ الذي سُمِّيَ بِه فَضلُ الآخِرةِ قَبلَ آيَتَين. وأخيراً يُوضَعُ الحَدُّ الأسفَلُ عِندَ صَوتٍ لا مَعنى له، ويُرفَعُ السَّقفُ إلى الدَّفعِ بِالصَّوت، ثُمَّ لا يُترَكُ المَوضِعُ فارِغاً: يُطلَبُ قَولٌ مَصونٌ يُبذَل. لا يَكفي أن يُمسِكَ اللِّسانُ عَمّا يَجرَح؛ يُطالَبُ أن يُخرِجَ ما يُصان.