الأَقرَبون
الأقرَبونَ من ق-ر-ب، والجَذرُ التِئامٌ يَجري فيما بَينَ الشَّيئَينِ حتّى يَتَّصِلا. والأقرَبونَ جَمعُ أَقرَب: مَن كانَ ما بَينَهُم وبَينَ المَرءِ أتَمَّ التِئاماً من غَيرِهِم.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ق: تَعَقُّدٌ واشتِدادٌ في العُمق. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: العُقدةُ تَنعَقِدُ فيَلتَئِمُ ما كانَ بَينَ طَرَفَيها، وهو التِئام. وهذا وَجهُ «العَقدِ والالتِئامِ في العُمق».
- ر: استِرسالٌ مع تَماسُكٍ ما. ويَظهَرُ مِنه هُنا جَرَيانُه المُتَّصِل: ما يَلتَئِمُ يَمضي في التِئامِه، وهو جَرَيانٌ يَمضي. وهذا وَجهُ «الجَرَيانِ المُستَرسِل».
- ب: تَجَمُّعٌ رِخوٌ يَلتَصِق. ويَظهَرُ مِنه هُنا أوَّلُه: ما بَلَغَ الشَّيءَ يَلصَقُ بِه، وهو اتِّصال. وهذا وَجهُ «الاتِّصالِ والتَّمَسُّك».
النَّواةُ قر (ق + ر) = التِئامٌ يَجري: ما بَينَ الشَّيئَينِ يَلتَئِمُ ويَمضي في التِئامِه. والإتمامُ بـب يُنهي هذا الجَرَيانَ إلى اتِّصال. فالجَذرُ ق-ر-ب حرفيّاً: التِئامٌ يَجري فيما بَينَ الشَّيئَينِ حتّى يَتَّصِلا.
ويُقابِلُه البُعدُ في القُرآن: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ (٢١:١٠٩). وأتَمُّ هذا الالتِئامِ في القُرآن: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ﴾ (٥٠:١٦).
اختِبارُ المَعنى على مَواضِعِ الجَذرِ كُلِّها. يَرِدُ الجَذرُ في القُرآنِ في سِتّةٍ وتِسعينَ مَوضِعاً (٩٦)، على إحدى عَشرةَ صيغة. وهذه الصِّيَغُ كُلُّها، لِكُلِّ صيغةٍ عَدَدُ مَواضِعِها وشاهِد:
- قَرِبَ، يَقرَبُ (١١): ﴿وَلَا تَقْرَبَا هَٰذِهِ الشَّجَرَةَ﴾ (٢:٣٥): يُنهى آدَمُ وزَوجُه أن يَلتَئِمَ ما بَينَهُما وبَينَ الشَّجَرة. ويُنهى المُؤمِنونَ عن الصَّلاةِ في حال: ﴿لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَىٰ﴾ (٤:٤٣). ومُنتَهى هذا الالتِئامِ الاتِّصالُ نَفسُه: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾ (٢:٢٢٢). ويَرِدُ الفِعلُ في مَواضِعِه الأحَدَ عَشَرَ كُلِّها نَهياً.
- اقتَرَبَ (٥): ﴿اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ (٢١:١) و﴿اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ﴾ (٥٤:١): الالتِئامُ يَجري من الشَّيءِ نَفسِه، فما بَينَ النّاسِ وبَينَ الحِسابِ والسّاعةِ يَلتَئِم. ويَأتي أمراً لِلعَبد: ﴿وَاسْجُدْ وَاقْتَرِب﴾ (٩٦:١٩).
- قَرَّبَ، يُقَرِّبُ (٥): ﴿فَقَرَّبَهُ إِلَيْهِمْ﴾ (٥١:٢٧): يَجعَلُ ما بَينَ الشَّيءِ وغَيرِه يَلتَئِمُ حتّى يَتَّصِلَ بِه، ويَتبَعُه ﴿قَالَ أَلَا تَأْكُلُونَ﴾. ويَكونُ إلى الله: ﴿مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَىٰ﴾ (٣٩:٣).
- قُربان (٣): ﴿إِذْ قَرَّبَا قُرْبَانًا﴾ (٥:٢٧): القُربانُ ما يُقَرَّب، والآيةُ تَجمَعُ الفِعلَ واسمَ ما يَقَعُ عَلَيه، ثُمَّ ﴿فَتُقُبِّلَ مِنْ أَحَدِهِمَا﴾. ويُسَمّى بِه ما يُتَّخَذُ مَعبوداً: ﴿اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً﴾ (٤٦:٢٨).
- مُقَرَّب (٨): ﴿أُولَٰئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾ (٥٦:١١): مَن جُعِلَ ما بَينَه وبَينَ غَيرِه يَلتَئِمُ حتّى اتَّصَلَ بِه. ويَعِدُ بِه فِرعَونُ السَّحَرة: ﴿وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ (٧:١١٣، ١١٤).
- قَريب (٢٦): ﴿فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ (٢:١٨٦): ما بَينَ اللهِ وعِبادِه يَلتَئِمُ حتّى تَتَّصِلَ الدَّعوةُ بِالإجابة. ويَأتي في الزَّمان: ﴿إِلَىٰ أَجَلٍ قَرِيبٍ﴾ (٤:٧٧).
- أَقرَب (١٢): ﴿هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَىٰ﴾ (٥:٨): الأتَمُّ التِئاماً بِالشَّيء. ويَأتي في الزَّمان: ﴿كَلَمْحِ الْبَصَرِ أَوْ هُوَ أَقْرَبُ﴾ (١٦:٧٧).
- الأَقرَبون (٧): ﴿وَأَنذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ﴾ (٢٦:٢١٤): الجَمعُ يُسَمّي مَن كانَ ما بَينَه وبَينَ المَرءِ أتَمَّ التِئاماً من غَيرِه، وهُم هُنا عَشيرَتُه.
- القُربى (١٦): ﴿إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبَىٰ﴾ (٤٢:٢٣): اسمُ هذا الالتِئامِ بَينَ النّاس، وهو القَرابة. ويُضافُ إلَيه صاحِبُه: ﴿وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ﴾ (٦:١٥٢).
- مَقرَبة (١): ﴿يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ﴾ (٩٠:١٥): القَرابةُ نَفسُها، يُوصَفُ بِها يَتيمٌ يُطعَم.
- قُربة، قُرُبات (٢): ﴿وَيَتَّخِذُ مَا يُنفِقُ قُرُبَاتٍ عِندَ اللَّهِ﴾ ثُمَّ ﴿أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَّهُمْ﴾ (٩:٩٩): ما يُنفَقُ يُتَّخَذُ سَبَباً يَلتَئِمُ بِه ما بَينَ صاحِبِه وبَينَ الله، وتُثبِتُ الآيةُ أنَّه كَذلك.
من خارِجِ التَّركيب:
- من المُعجَم: القُربُ نَقيضُ البُعد، والقِرابُ جِفنُ السَّيف، والقَرَبُ طَلَبُ الماءِ لَيلاً.
- عِندَ جَبَل في النَّواةِ قر: «استقرار ما شأنه التسيب في قاع عميق أو حيز».
وما يَزيدُه الأقرَبون: يَجعَلُ التَّفضيلُ الالتِئامَ دَرَجات، والجَمعُ يُسَمّي أهلَ أتَمِّها بِالمَرء. ويَأتونَ في المُسَجَّلِ بَعدَ الوالِدَين (٢:١٨٠، ٢:٢١٥، ٤:٧، ٤:٣٣، ٤:١٣٥)، والآياتُ تُسَمّيهِم بِالتَّفضيلِ وَحدَه، فيَدخُلُ فيهِم كُلُّ مَن كانَ أتَمَّ التِئاماً بِالمَرءِ من غَيرِه. والصَّفحَتانِ qurb وqareeb تَقولانِ ما يَزيدُه القُربُ والقَريب.
الصِّيَغ
- الأَقرَبون، الأَقرَبين (جَمعُ أَفعَلِ التَّفضيل): أهلُ أتَمِّ الالتِئامِ بِالمَرء. يَرِدُ مَرفوعاً في ٤:٧ و٤:٣٣ تارِكينَ لِلمال، ومَجروراً في ٢:١٨٠ و٢:٢١٥ و٤:١٣٥.
- ذَوو القُربى (وأخَواتُها «ذو» و«أولو»): أصحابُ القَرابة، يُسَمَّونَ بِاسمِ الالتِئامِ نَفسِه، والقُربى في
qurb.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: التِئامٌ يَجري فيما بَينَ الشَّيئَينِ حتّى يَتَّصِلا. وأفعَلُ يَجعَلُه دَرَجات، والجَمعُ يُسَمّي أهلَ أتَمِّها. الوَزنُ يُحَدِّدُ: الدَّرَجةَ، والجَمعُ يُحَدِّدُ: أهلَها.
الفُروق المَعنويّة
qurb(القُرب): الجَذرُ نَفسُه. القُربى اسمُ القَرابة، والأقرَبونَ أهلُ أتَمِّها بِالمَرء. انظُر القُرب.qareeb(القَريب): الجَذرُ نَفسُه على فَعيل: مَن قامَ بِه الالتِئام، والأقرَبونَ أتَمُّ مِنه. انظُر القَريب.walidayn(الوالِدان): يَتقَدَّمونَ الأقرَبينَ في ٢:١٨٠ و٢:٢١٥ و٤:٧ و٤:٣٣ و٤:١٣٥، ويُسَمَّونَ بِالوِلادة، والأقرَبونَ بِالتَّفضيل. انظُر الوالِدان.
المَواضع: مَواقِعُ الأَقرَبينَ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:١٨٠ ﴿الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. يَدخُلُ الأقرَبونَ القُرآنَ بَعدَ الوالِدَين في وَصِيّةٍ تُكتَبُ ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾، وهي مُقَيَّدةٌ بِالمَعروف. والآيةُ تُسَمّيهِم بِالتَّفضيلِ وَحدَه، فيَدخُلُ فيهِم مَن كانَ ما بَينَه وبَينَ المُوصي أتَمَّ التِئاماً. انظُر الوَصِيَّة.
- ٢:٢١٥ ﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾: الجَديدُ: يَخرُجُ الأقرَبونَ من وَصِيّةٍ عِندَ المَوتِ في ٢:١٨٠ إلى نَفَقةٍ يُسأَلُ عَنها في الحَياة، ويَقَعونَ ثانيَ الأصنافِ بَعدَ الوالِدَين. ومَن بَعدَهُم يُسَمَّونَ بِأحوالِهِم، فيَنتَقِلُ التَّعدادُ من القَرابةِ إلى الحال. انظُر الإنفاق.
- ٤:٧ ﴿مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: الجَديدُ: الأقرَبونَ هُنا تارِكونَ لِلمال، وكانوا في ٢:١٨٠ و٢:٢١٥ مَن يُعطى. وما يَترُكونَه يُقسَمُ حِصَصاً لِلرِّجالِ والنِّساء، ﴿نَصِيبًا مَّفْرُوضًا﴾. انظُر التَّرك.
- ٤:٨ ﴿وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَىٰ﴾: الجَديدُ: يُسَمّي الجَذرُ أصحابَ القُربى حاضِرينَ لِقِسمةِ ما تَرَكَه الأقرَبونَ في ٤:٧، فالقَرابةُ على طَرَفَيها: تارِكةً هُناك، وحاضِرةً هُنا تُرزَقُ مِنها ويُقالُ لَها قَولٌ مَعروف. انظُر الحُضور / الإحضار.
- ٤:٣٣ ﴿وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ﴾: الجَديدُ: تَعودُ العِبارةُ بِحُروفِها من ٤:٧، ويُعطَفُ عَلَيها رِباطٌ يَعقِدُه النّاسُ بِأيديهِم ﴿وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ﴾. فتَقِفُ إلى جانِبِ القَرابةِ صِلةٌ يَصنَعُها العَقد، ولِأهلِها نَصيبٌ يُؤمَرُ المُخاطَبونَ بِإيتائِه. انظُر الوَليّ.
- ٤:٣٦ ﴿وَبِذِي الْقُرْبَىٰ﴾: الجَديدُ: القُربى بَعدَ الوالِدَينِ اسمٌ لِصاحِبِ قَرابة، ثُمَّ وَصفٌ لِجارٍ يُقابِلُه الجارُ الجُنُب ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ﴾، والإحسانُ واحِدٌ فيهِما. انظُر الإِحسان.
- ٤:١٣٥ ﴿وَلَوْ عَلَىٰ أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾: الجَديدُ: الأقرَبونَ في الجِهةِ التي قد تَقَعُ عَلَيها الشَّهادة، بَعدَ النَّفسِ والوالِدَين. فالشَّهادةُ لِلّهِ تَمضي على مَن كانَ ما بَينَه وبَينَ الشّاهِدِ أتَمَّ التِئاماً. انظُر الشَّهيد / الشُّهَداء.
التَّقاطُعات
wasiyya: الأَقرَبونَ مَوجِهةُ الوَصِيَّة.walidayn: الأَقرَبونَ يَتبَعونَ الوالِدَين.infaq: الأَقرَبونَ في أَولويَّاتِ الإنفاق.birr: البِرُّ يَشمَلُ إيتاءَ «ذَوي القُربى» (بِصيغةٍ مُرادِفة).
الإشكالات المَفتوحة
- هَل الأَقرَبونَ يَشمَلونَ الوارِثين؟ المَوقِف: ٢:١٨٠ لا تَذكُرُ
مِيراثاً ولا تُقَسِّمُه، وإنَّما تَجعَلُ الأَقرَبينَ مَورِدَ وَصِيَّةٍ مُقَيَّدةٍ بِـ«المَعروف»، والوَصِيَّةُ فِعلُ المُوصي لا قِسمةٌ مَفروضةٌ عَلَيه. وآياتُ المَواريثِ نُشِرَت في سورةِ النِّساء، والأقرَبونَ في ٤:٧ و٤:٣٣ هُمُ التّارِكونَ الذينَ يُقسَمُ ما تَرَكوه، ولا يُسَمَّونَ فيهِما وارِثين. فيُقرَأُ السُّؤالُ الآنَ على المَوضِعَينِ مَعَ ٢:١٨٠، ولا يُبنى على تَرتيبٍ بَينَها. مَفتوح.