البقرة · الآية 215

﴿يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ ۖ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ۗ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ

(س أ ل) مَع (ن ف ق): السُّؤالُ الذي أُعيدَ تَوجيهُه

جَذرُ (س أ ل) يَدُلُّ على طَلَبِ الخَبَر، و(ن ف ق) على إخراجِ المالِ من اليَدِ إلى حَلقةٍ خارجيّة، وهو مُشتَقٌّ من «النَّفَق»، أي المَمَرِّ الذي يَخرُجُ منه الشَّيء. وقد جاءَ السُّؤالُ «ماذا يُنفِقون» في صيغةِ الشَّيءِ المُفرَد، وكأنَّ السَّائلينَ كانوا يَنتَظِرونَ قائمةً بصِنفٍ مُعَيَّنٍ من المَال، والإجابةُ تُعيدُ صياغةَ السُّؤالِ كامِلاً: نَوعُ المالِ أقَلُّ شَأناً من الجِهةِ التي يَذهَبُ إليها. والكَلِمةُ تُقَرِّرُ أنَّ الإنفاقَ دَورٌ في الشَّبَكة، وليس تَصرُّفاً في الشَّيء.

(خ ي ر): الخَيرُ كَمالٍ ذي وَظيفة

والخَيرُ من (خ ي ر)، وهو ما فيه نَفعٌ وتَفَوُّقٌ على المُقابِلِ له. وفي «ما أنفَقتُم من خَير» أوثِرَ اسمُ «الخَير» على اسمِ «المال»، ولِلتَّسميةِ وَزنُها: المالُ يُسَمّى خَيراً حين يُنفَق، لا حينَ يُحتَفَظُ به، والمِلكيّةُ الخاصّةُ تَصيرُ «خَيراً» بمُجَرَّدِ أن تُوَجَّهَ إلى دَورٍ في الشَّبَكة. وهذا انعِكاسٌ لِلمَنطقِ الشَّائعِ الذي يَرى الخَيرَ في الاحتِفاظِ دونَ التَّصريف.

تَرتيبُ المُستَحِقّينَ كَبُنيةٍ اجتِماعيّة

وقائمةُ الآيةِ غَيرُ عَشوائيّة: (الوالِدَين) ثُمَّ (الأقرَبين) ثُمَّ (اليَتامى) ثُمَّ (المَساكين) ثُمَّ (ابنِ السَّبيل). والتَّرتيبُ يَجمَعُ مَنطِقَ القُربِ الاجتِماعيِّ (الأسرة، القَرابة) إلى مَنطِقِ الضَّعفِ البِنيَويّ (اليَتيمُ من فَقَدَ المُعيل، المِسكينُ الذي أسكَنَه الفَقرُ، ابنُ السَّبيلِ الذي انقَطَعَ عن مَوارِدِه). والمؤكَّدُ أنَّ هذا التَّرتيبَ يُصَحِّحُ تَصَوُّراً رائجاً يَجعَلُ الصَّدقةَ البَعيدةَ الأكثرَ بَريقاً، والقُرآنُ يَعكِسُ المُعادَلة: يَبدَأُ الإنفاقُ من الدَّائرةِ القَريبةِ التي تَحمِلُ عادةً ثِقَلَ التَّأييدِ اليَوميِّ لِلشَّخص، ثُمَّ يَتَوَسَّع.

(ي ت م) مَع (س ك ن) مَع (ب ن و)+(س ب ل): ثَلاثةُ أنواعٍ من الانقِطاع

و(ي ت م) يَدُلُّ على الفَردِ الذي فَقَدَ المَرجِعيّةَ الأسريّةَ الحاميَة قبلَ بُلوغِ سِنِّ الاستِقلال، و(س ك ن) يَدُلُّ على الاستِقرارِ المُفرَطِ الذي يَجمُدُ صاحِبُه من شِدّةِ الحاجة، حيث لا يَجِدُ حَرَكةَ خَيار. و«ابنُ السَّبيلِ» مُرَكَّبٌ من (ب ن و) بمَعنى الصِّلةِ و(س ب ل) بمَعنى الطَّريق، أي مَن تَعَلَّقَ مَصيرُه بالطَّريقِ نَفسِه دونَ بَيتٍ مُستَقِرّ. وهي ثَلاثةُ أنواعٍ مُتَمايِزةٍ من الانقِطاعِ يَذكُرُها القُرآن: انقِطاعٌ في المَرجِعيّةِ الأسريّة، وانقِطاعٌ في الحَرَكةِ الاقتِصاديّة، وانقِطاعٌ في الوَصلِ بالمَكان. والشَّبَكةُ الاجتِماعيّةُ لِلمُسلِمِ تَرُمُّ هذه الانقِطاعاتِ الثَّلاثةَ بآلِيّاتٍ مُختَلِفة، لا بِصَدَقةٍ واحِدةٍ عامّة.

(ف ع ل) مَع (ع ل م): الخِتامُ كَإلغاءٍ لِشَهادةِ العُمومِ الظَّاهِرة

و(ف ع ل) يَدُلُّ على الأداءِ العَمَليّ، و(ع ل م) على الإحاطةِ الدَّقيقةِ بالتَّفاصيل. وجُملةُ «وما تَفعَلوا من خَيرٍ فإنَّ اللهَ به عَليم» تَخرُجُ من خُصوصيّةِ الإنفاقِ إلى عُمومِ الفِعل، ومن خُصوصيّةِ الجِهاتِ المَعروفةِ إلى عُمومِ اطِّلاعٍ لا يَحتاجُ إعلاناً. والمؤكَّدُ أنَّ هذه الخاتِمةَ تُخرِجُ الإنفاقَ من مَنطقِ «مَن رَأى» إلى مَنطقِ «مَن يَعلَم»، ومَن أنفَقَ وهو يَبحَثُ عن شاهِدٍ اجتِماعيٍّ فقد فاتَه المَعنى، لأنَّ الشَّاهدَ الذي يَحسُبُ له الخَيرَ قائمٌ ابتِداءً، وإضافةُ أيِّ شاهِدٍ غَيرِه لَغوٌ.

فالكَلِمةُ تَسبِقُ المُصطَلَح، والدَّورُ يَسبِقُ الهُوِيّة: النَّفَقةُ اسمٌ لِدَورٍ في شَبكةِ قَرابةٍ وحاجة، وليست مَبلَغاً مُستَقِلّاً عن وَظيفَتِه، والإجابةُ القُرآنيّةُ حَوَّلَت السُّؤالَ من «ماذا» إلى «لِمَن» لِتَكشِفَ أنَّ المالَ يَصيرُ خَيراً بمُجَرَّدِ أن يَجِدَ دَورَه الصَّحيحَ في التَّوجيه.


حَصيلة

يَسأَلونَ عمّا يُنفِقون، فيُجيبُهم القرآنُ عمَّن يُنفِقون إليه، وهذا تَحويلٌ جَذريّ: الجذرُ -ن-ف-ق- أصلُه النَّفَق، وهو المَمَرُّ الذي يَخرُجُ منه الشَّيء، فالإنفاقُ إخراجٌ من اليَدِ إلى حَلقةٍ خارجيّة، وهو دَورٌ في شَبَكةٍ لا مَبلَغٌ مُستَقِلّ. ويُسَمِّي القرآنُ المالَ «خَيراً» حينَ يُنفَق، والخَيرُ من -خ-ي-ر- ما فيه نَفعٌ يَتَفَوَّقُ على المُقابِل، فالمالُ يَصيرُ خَيراً حينَ يَجِدُ دَورَه، لا حينَ يُحتَفَظُ به. ثمَّ تَأتي القائمةُ المُرَتَّبة: الوالِدَينِ أوَّلاً، ثمَّ الأقرَبين، ثمَّ اليَتامى، ثمَّ المَساكين، ثمَّ ابنَ السَّبيل، وتَرتيبُها جامِعٌ بين مَنطِقِ القُربِ الاجتِماعيِّ ومَنطِقِ الضَّعفِ البِنيَويّ: ثَلاثةُ أنواعٍ من الانقِطاع، انقِطاعٌ في المَرجِعيّةِ الأسريّةِ لليَتيمِ من -ي-ت-م-، وانقِطاعٌ في الحَرَكةِ الاقتِصاديّةِ لِلمِسكينِ من -س-ك-ن-، وانقِطاعٌ في الوَصلِ بالمَكانِ لِابنِ السَّبيل. والخِتامُ من -ع-ل-م-: وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ﴾، وهو يُخرِجُ الإنفاقَ من مَنطِقِ «مَن رَأى» إلى مَنطِقِ «مَن يَعلَم».