الزَّحزَحة
**دَفعٌ يَسيرٌ يُعادُ فيُغالِبُ مُحتَوِياً، فيُنَحّي عن مَوضِعٍ ولا يُبَلِّغُ مَوضِعاً**. لَيسَتِ الزَّحزَحةُ نَقلةً واحِدةً كَبيرة، بَل **حَرَكةً صَغيرةً مُتَعاقِبةً بَينَها مُقاوَمة**، ولِذلك جاءَ الجَذرُ رُباعِيّاً مُضاعَفاً: النَّواةُ مَقولةٌ مَرَّتَين. وهو في المُسَجَّلِ كُلِّه لا يُذكَرُ إلّا مَعَ النّارِ أو العَذاب، ولا يُذكَرُ لَه مُنتَهىً قَطُّ: في المَوضِعِ الذي فيه مُنتَهىً يَقولُه المُصحَفُ بِجَذرٍ آخَر ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
حَرفانِ اثنانِ يُقالانِ مَرَّتَين:
- ز :: مَضيقٌ يَضيقُ بَينَ طَرَفِ اللِّسانِ واللِّثةِ فيَكتَنِزُ فيه
النَّفَسُ مُتَضاغِطاً، ويَجري فيه جَرَياناً مُتَّصِلاً حادّاً نافِذاً. وُجوهُه: التَّضاغُطُ والاكتِنازُ في المَضيق، والجَرَيانُ النّافِذُ الحادّ، والاهتِزازُ الخَفيفُ المَجهور. فالمَبدَأُ ضَغطٌ يَنفُذُ نَفاذاً حادّاً.
- ح :: تَضَيُّقٌ عَميقٌ في أقصى الحَلقِ يَحتَوي النَّفَسَ الحارَّ،
فيَجري فيه جَرَياناً مُحتَكّاً جافّاً حتّى يَنفُذَ خالِصاً خارِجاً. وُجوهُه: التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن، والجَرَيانُ المُحتَكُّ في المَضيق، والنَّفاذُ والخُلوصُ خارِجاً. فالثّاني مَضيقٌ يَحتَوي ويُحاكُّ ثُمَّ يُسَلِّمُ ما فيه إلى خارِجِه.
النَّواةُ زح مُسَجَّلةٌ في القانونِ شاهِداً على وَجهِ ز «الجَرَيانُ النّافِذُ الحادّ»، فهي: دَفعةٌ حادّةٌ تَلقى مَضيقاً يَحتَوي فتَنفُذُ منه. وهذا وَحدَه يُعطي نَقلةً واحِدةً صَغيرة، لا أكثَر.
وفي الجَذرِ زِيادةٌ لا تُقرَأُ إلّا بِقِراءةِ الكَلِمةِ على تَوالي حُروفِها: ز ح ز ح. فبَينَ الدَّفعَتَينِ تَقَعُ النَّواةُ حز مَقلوبةً، وهي في القانونِ شاهِدٌ على وَجهَينِ من وُجوهِ ح مَعاً: «التَّضييقُ والاحتِواءُ في الباطِن» و«الجَرَيانُ المُحتَكُّ في المَضيق». فبِنيةُ الكَلِمةِ إذن: دَفعة، ثُمَّ تَضييقٌ واحتِكاك، ثُمَّ دَفعة. المُقاوَمةُ مَكتوبةٌ في جَوفِ اللَّفظِ بَينَ حَرَكَتَيه.
فالتَّركيبُ: نَفاذٌ صَغير، فمُحتَوٍ يُغالَب، فنَفاذٌ صَغيرٌ ثانٍ. والشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ز-ح-ز-ح: إزالةٌ عن مَوضِعٍ بِدَفَعاتٍ مُتَعاقِبةٍ تُغالِبُ مُحتَوِياً.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة ثَلاثةُ أشياءَ لا يُعطيها ظاهِرُ اللَّفظ:
الأوَّل، لِمَ اختيرَ هذا الفِعلُ بِعَينِه لِأَلفِ سَنة. لَو كانَ الجَذرُ اسماً لِلإبعادِ مُطلَقاً لَكانَ اختِيارُه في ٢:٩٦ اعتِباطاً، وأيُّ لَفظِ إبعادٍ كانَ يَسُدُّ مَسَدَّه. وعلى قِراءةِ الدَّفَعاتِ المُتَعاقِبةِ يَستَقيمُ الاختِيارُ على وَجهِه: ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾ هي صورةُ التَّراكُمِ بِالزِّياداتِ الصِّغارِ عَينُها، سَنةٌ بَعدَ سَنة. فالمُصحَفُ يَختارُ فِعلَ الزِّياداتِ الصِّغارِ لِيَنفِيَ عن الزِّياداتِ الصِّغارِ أثَرَها. والنَّفيُ حينَئِذٍ لَيسَ نَفيَ قُوّةٍ كَبيرةٍ عن العُمُر، بَل نَفيُ أدنى دَفعة.
الثّاني، لِمَ لا يَبلُغُ الجَذرُ مَوضِعاً. لَيسَ في حَرفَيه حَرفُ استِقرارٍ ولا احتِواءٍ يَنتَهي إليه: كِلاهُما يَنتَهي إلى نَفاذٍ وخُروج. ولِذلك حينَ أرادَ المُصحَفُ في ٣:١٨٥ أن يَذكُرَ المُنتَهى استَعارَ لَه جَذراً آخَرَ في الكَلِمةِ التي تَليه: ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾. جُملةٌ واحِدةٌ وحَرَكَتانِ وجَذرانِ، لِأنَّ واحِداً منهُما لا يَقولُ الحَرَكَتَين.
الثّالِث، لِمَ لا يَكونُ الإنسانُ فاعِلَه. المُقاوَمةُ المَكتوبةُ في جَوفِ اللَّفظِ (حز) تَجعَلُ الحَرَكةَ مُغالَبةً لِمُحتَوٍ، والمُحتَوى لا يُغالِبُ حَيِّزَ نَفسِه. والمُسَجَّلُ يوافِقُ هذا في المَوضِعَينِ مَعاً: في ٢:٩٦ الفاعِلُ المُدَّعى شَيءٌ يُفعَلُ بِالرَّجُلِ لا يَفعَلُه ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾، وفي ٣:١٨٥ الفِعلُ نَفسُه مَبنيٌّ لِلمَجهول ﴿زُحْزِحَ﴾. فما زَحزَحَ أحَدٌ نَفسَه في المُصحَفِ المَنشورِ مَرّةً واحِدة.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
مَوضِعانِ في السُّوَرِ المَنشورة، وصيغَتانِ لا تَتَّفِقانِ في شَيء:
- اسمُ الفاعِلِ مَجروراً بِباءٍ زائِدة «بِمُزَحْزِحِهِ» (٢:٩٦): خَبَرُ
«ما» النّافِية، ومَفعولُه ضَميرٌ مُتَّصِل، ومُتَعَلَّقُه «مِنَ الْعَذَابِ»، وفاعِلُه المُؤَخَّرُ مَصدَرٌ مُؤَوَّلٌ «أَن يُعَمَّرَ».
- الماضي مَبنِيّاً لِلمَجهول «زُحْزِحَ» (٣:١٨٥): فِعلُ شَرطٍ بَعدَ
«مَن»، ومُتَعَلَّقُه «عَنِ النَّارِ»، ولا فاعِلَ لَه مَذكور.
ولا يَرِدُ من الجَذرِ في المُسَجَّلِ مُضارِعٌ ولا أمرٌ ولا مَصدَرٌ ولا اسمُ مَفعول. وأربَعةُ أشياءَ تُقرَأُ من هذا الجَدوَلِ الصَّغيرِ وَحدَه:
أوَّلاً: الصّيغةُ المَعلومةُ مَنفِيّة، والصّيغةُ المَجهولةُ مُثبَتة. اسمُ الفاعِلِ هو الوَجهُ المَعلومُ الوَحيد، وقد دَخَلَ عَلَيه النَّفيُ والباءُ الزّائِدةُ مَعاً؛ والماضي هو الوَجهُ المَجهولُ الوَحيد، وقد وَقَعَ مُثبَتاً في فِعلِ شَرط. فالجَذرُ لا يُثبَتُ في المُسَجَّلِ إلّا حَيثُ لا يُسَمّى فاعِلُه.
ثانياً: مُتَعَلَّقُه في المَوضِعَينِ هو النّارُ أو العَذاب، ولا ثالِثَ لَهُما. فلا يُزَحزَحُ في المُصحَفِ المَنشورِ عن غَيرِ هذا.
ثالِثاً: حَرفُ الجَرِّ يَختَلِفُ: «مِنَ الْعَذَابِ» في ٢:٩٦، و«عَنِ النَّارِ» في ٣:١٨٥. و«مِن» لِلخُروجِ مِمّا هو فيه، و«عن» لِلمُجاوَزةِ والتَّباعُدِ عن جَنب. فالعَذابُ يُصَوَّرُ ظَرفاً يُخرَجُ منه، والنّارُ تُصَوَّرُ جانِباً يُبعَدُ عنه.
رابِعاً: لا مَجرورَ بَعدَه يُسَمّي المَقصِد. لا «إلى» ولا «في» ولا لامٌ، في المَوضِعَينِ جَميعاً.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الصّيغَتَين (إزالةٌ
بِدَفَعاتٍ مُتَعاقِبة)، والوَزنُ يُوَزِّعُ الجِهة: اسمُ الفاعِلِ
يَجعَلُها قُدرةً تُدَّعى فتُنفى، والماضي المَجهولُ يَجعَلُها واقِعةً
بِغَيرِ مُدَّعٍ.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
fawz(الفَوز، ف-و-ز): أقرَبُ المُجاوِرِ وأخطَرُهُم، لِأنَّ
الجَذرَينِ يَقَعانِ في جُملةٍ واحِدةٍ في ٣:١٨٥. والفَرقُ في الرُّتبة: الزَّحزَحةُ هي الحَرَكةُ نَفسُها وتَقَعُ بِالمَرءِ، والفَوزُ هو الاسمُ الذي يُعطاهُ بَعدَ وُقوعِها ويُنسَبُ إليه هو. ولِذلك جاءَ الأوَّلُ مَجهولاً والثّاني مَعلوماً في نَفَسٍ واحِد. وهُما مُتَبادِلانِ في المَوقِعِ النَّحويِّ نَفسِه: انظُر القِسمِ السّادِس.
dukhul(الدُّخول، د-خ-ل): الحَرَكةُ المُقابِلةُ في الجُملةِ
عَينِها. «أُدخِلَ» يُسَمّي الوُلوجَ في مَحَلٍّ ويَسكُتُ عَمّا خُرِجَ منه، و«زُحزِحَ» يُسَمّي المُفارَقةَ ويَسكُتُ عَمّا صيرَ إليه. فالجَذرانِ يَقتَسِمانِ حَرَكةً واحِدةً بِطَرَفَيها، ولا يُغني أحَدُهُما عن الآخَر.
naja(النَّجاة، ن-ج-و): كِلاهُما إخراجٌ من خَطَر، والفَرقُ في
آخِرِ الحُروف. النَّجاةُ تُغلَقُ بِـو الواصِلةِ المُمتَدّة، فتَنعَقِدُ في أمانٍ أعلى وتَستَقِرّ؛ والزَّحزَحةُ تُغلَقُ بِـح النّافِذةِ الخالِصةِ خارِجاً، فتَقِفُ عِندَ الخُروجِ ولا تَعِدُ بِمُستَقَرّ. ويُصَدِّقُ الفَرقَ المُسَجَّلُ نَفسُه: النَّجاةُ فيه مُتَعَدِّيةٌ بِفاعِلٍ مُسَمّىً («نَجَّيناكُم»، «فأنجَيناكُم») ومِن قَومٍ لا من نار، والزَّحزَحةُ لا فاعِلَ لَها ولا تُذكَرُ إلّا مَعَ النّار.
ikhraj(الإخراج، خ-ر-ج): وهو الشّاهِدُ الذي يُبَيِّنُ أنَّ سُكوتَ
الزَّحزَحةِ عن المَقصِدِ اختِيارٌ لا ضَرورةٌ في اللُّغة. فالمُسَجَّلُ يَملِكُ جَذراً لِلإخراجِ يَجمَعُ الطَّرَفَينِ صَريحَين: ﴿يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ﴾ (٢:٢٥٧)، مَخروجٌ منه ومَصيرٌ إليه في عِبارةٍ واحِدة. ولَو أُريدَ في ٣:١٨٥ حَرَكةٌ واحِدةٌ ذاتُ طَرَفَينِ لَكانَ هذا الجَذرُ حاضِراً. فعُدولُ المُصحَفِ عنه إلى جَذرَينِ مُتَعاقِبَينِ هو الدَّليلُ على أنَّ كُلَّ واحِدٍ منهُما يَحمِلُ طَرَفاً وَحدَه.
3umr(العُمُر، ع-م-ر): لَيسَ مُجاوِراً في المَعنى بَل هو
المُزَحزِحُ المُدَّعى في ٢:٩٦. والآيةُ تُقيمُ العُمُرَ فاعِلاً ثُمَّ تَنفي عنه الفِعل، فيَجتَمِعُ الجَذرانِ اجتِماعَ دَعوىً ورَدٍّ لا اجتِماعَ نَظيرَين.
- الحُفرةُ والشَّفا والغُرور: لا مَفهومَ لِواحِدٍ منها في المُدَوَّنِ
بَعد، وتُذكَرُ هُنا نَثراً. والذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى سُجِّلَ مَفهومُ الشَّفا: أنَّ «عن» في ٣:١٨٥ تُوافِقُ صورةَ الواقِفِ على الحافّةِ في ٣:١٠٣ ﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾، فالنّارُ في المَنشورِ يُوقَفُ عِندَ جَنبِها ويُبعَدُ عنها، لا يُخرَجُ من جَوفِها.
المَواضع: مَواقعُ الزَّحزَحةِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٩٦ ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ المَنشورَ مَنفِيّاً، فأوَّلُ ما يُقالُ بِه أنَّه لم يَقَع. والمَنفيُّ لَيسَ الفِعلَ بَل القُدرةَ عَلَيه، إذ جاءَ اسمَ فاعِلٍ مَجروراً بِباءٍ زائِدةٍ في خَبَرِ «ما»، وهذا أبلَغُ في نَفيِ الوَصفِ عن صاحِبِه من نَفيِ الفِعلِ عنه. ويُسَمّى المُزَحزِحُ المُدَّعى تَسمِيةً صَريحة: ﴿أَن يُعَمَّرَ﴾، وقد صُوِّرَ قَبلَ ذلك بِمِقدارِه ﴿لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ﴾. فالمَنفيُّ عن ألفِ سَنةٍ هو أدنى دَفعةٍ عن مَوضِعِ العَذاب، وهو المَعنى الذي يَحمِلُه هذا الجَذرُ وَحدَه دونَ ألفاظِ الإبعادِ الأُخرى. وتُفتَحُ الآيةُ بِـ﴿أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ﴾، فيَكونُ المَطلوبُ امتِداداً والمَنفِيُّ أثَرَ الامتِداد. وتُختَمُ بِـ﴿وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾، فيُرَدُّ المِيزانُ إلى العَمَلِ بَعدَ أن نُزِعَ من المُدّة. انظُر
3umrو3adhabوharasaوhayat.
- ٣:١٨٥ ﴿فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ﴾: الوَجهُ المُثبَتُ مَبنِيّاً لِلمَجهول. الجَديدُ: يَنقَلِبُ في هذا المَوضِعِ كُلُّ ما كانَ في الأوَّلِ، أربَعةَ انقِلاباتٍ في مَوضِعَينِ اثنَين: من اسمِ فاعِلٍ إلى فِعلٍ ماضٍ، ومن نَفيٍ إلى إثبات، ومن مَعلومٍ إلى مَجهول، ومن «مِن» إلى «عن». وأثقَلُها الثّالِث: في ٢:٩٦ مُزَحزِحٌ مُسَمّىً لا يَفعَل، وهُنا فِعلٌ واقِعٌ لا فاعِلَ لَه في اللَّفظِ أصلاً. فيَظهَرُ أنَّ الجَذرَ يُثبَتُ حَيثُ يُسكَتُ عن الفاعِلِ ويُنفى حَيثُ يُسَمّى. وتُتبَعُ الحَرَكةُ بِحَرَكةٍ ثانِيةٍ من جَذرٍ آخَر ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾، وهي مَبنِيّةٌ لِلمَجهولِ كَذلك، ثُمَّ يُنسَبُ إلى الرَّجُلِ فِعلٌ مَعلومٌ واحِدٌ هو ﴿فَقَدْ فَازَ﴾. والآيةُ تَفتَحُ بِـ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ﴾ وتَذكُرُ ﴿وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ﴾ وتُغلِقُ بِـ﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾، فيَعودُ ذِكرُ الحَياةِ في مَوضِعِ الجَذرِ الثّاني كَما كانَ في الأوَّل، وفي المَوضِعَينِ مَعاً تُذكَرُ الحَياةُ لِيُنفى عنها أن تَنفَعَ في هذا الباب. انظُر
fawzوdukhulوnarوjannahوmata3.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
fawzوdukhulفي ٣:١٨٥: ثَلاثةُ مَفاهيمَ في جُملةٍ
واحِدةٍ قَصيرة. dukhul يَقرَأُ الوُلوجَ في الجَنّة، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ المُفارَقةَ لِلنّار، وfawz يَقرَأُ الاسمَ الذي أُعطِيَه الرَّجُلُ بَعدَهُما. ولا تُقرَأُ الجُملةُ قِراءةً تامّةً إلّا بِالثَّلاثةِ مَعاً.
- مَعَ
inqadhفي المُقابَلةِ بَينَ ٣:١٠٣ و٣:١٨٥: هذانِ
المَوضِعانِ هُما المَوضِعانِ الوَحيدانِ في المَنشورِ اللَّذانِ يُثبِتانِ مُفارَقةً واقِعةً لِلنّارِ أو العَذابِ بِفِعلٍ ماضٍ، وكِلاهُما في آلِ عِمران. وما عَداهُما في هذا البابِ إمّا مَنفيٌّ (٢:٩٦ و٢:١٦٧ و٣:١٨٨)، وإمّا مَسؤولٌ في دُعاءٍ لم يُخبَرْ بِوُقوعِه ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾، وإمّا مَوعودٌ بِه في المُستَقبَلِ بِجَذرٍ ثالِثٍ ﴿وَسَيُجَنَّبُهَا الْأَتْقَى﴾ (٩٢:١٧)، وهذا الأخيرُ أقرَبُ الثَّلاثةِ إلى ٣:١٨٥ لِأنَّه إبعادٌ عن جَنبٍ أيضاً، ويُفارِقُه في أنَّه لم يَقَعْ بَعدُ وأنَّ فاعِلَه مَسكوتٌ عنه كَما هُنا. والفَرقُ بَينَ المُثبَتَين: هُناكَ إخراجٌ من جَوفٍ يوشِكُ أن يَبتَلِع، وهُنا إبعادٌ عن جَنبٍ يُدنى منه.
- مَعَ
3umrوharasaفي ٢:٩٦: الآيةُ تَبني دَعوىً ثُمَّ
تَهدِمُها بِثَلاثةِ مَفاهيم. harasa يَقرَأُ شِدّةَ الطَّلَبِ، و3umr يَقرَأُ المَطلوبَ وهو الامتِداد، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ الأثَرَ المُدَّعى لِلمَطلوبِ والمَنفِيَّ عنه.
- مَعَ
3adhabوnar: المَفهومانِ يَملِكانِ المُتَعَلَّقَ في
المَوضِعَين، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ حَرفَ الجَرِّ الذي يَربِطُه بِالحَرَكة. فيُقرَأُ من هُنا فَرقٌ لا يُقرَأُ من هُناك: العَذابُ يُقالُ فيه «مِن» والنّارُ يُقالُ فيها «عن».
الإشكالات المَفتوحة
- دَعوى
fawz: أيُّ الحَرَكَتَينِ يَحمِلُ اسمَ الفَوزِ في ٣:١٨٥؟
كُتِبَ في fawz أنَّ الكَلِمةَ مَحمولةٌ على ﴿زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ﴾ لا على ﴿وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ﴾، لِأنَّ ف-و-ز لا يَتَعَدّى في المُسَجَّلِ ولا مُتَعَلَّقَ لَه إلّا «مِّنَ الْعَذَابِ». والذي يَنتَهي إليه هذا المَفهومُ من جِهَتِه هو تَصديقُ الدَّعوى بِشاهِدٍ آخَر: المُصحَفُ يَكتُبُ تَركيباً واحِداً بِعَينِه ثَلاثَ مَرّاتٍ في السُّوَرِ المَنشورة، نَفيٌ ثُمَّ باءٌ ثُمَّ اسمُ إخراجٍ ثُمَّ «مِنَ» والنّارِ أو العَذاب: ﴿وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ﴾ (٢:٩٦)، ﴿وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ﴾ (٢:١٦٧)، ﴿فَلَا تَحْسَبَنَّهُم بِمَفَازَةٍ مِّنَ الْعَذَابِ﴾ (٣:١٨٨). ثَلاثةُ جُذورٍ في مَوقِعٍ نَحويٍّ واحِدٍ بِمُتَعَلَّقٍ واحِد، أحَدُها ز-ح-ز-ح وثانيها خ-ر-ج وثالِثُها ف-و-ز. والزَّحزَحةُ والخُروجُ لا يُنازَعُ في أنَّهُما مُفارَقةٌ لا وُلوج، فوُقوعُ «مَفازة» حَيثُ يَقَعانِ يَضَعُها في بابِهِما. ولَو كانَ الفَوزُ اسماً لِلوُلوجِ في الجَنّةِ لَما استَقامَ أن يَحُلَّ مَحَلَّ «خارِجين» في الجُملةِ نَفسِها. فالدَّعوى مُصَدَّقةٌ من هذه الجِهةِ بِشاهِدٍ لم يَكُنْ في ذلك المَفهوم، لِأنَّه شاهِدٌ من هذا الجَذر. ويَبقى قَيدٌ يَجِبُ التَّصريحُ بِه لِئَلّا تُوَسَّعَ الدَّعوى: الشَّرطُ في ٣:١٨٥ مَعطوفٌ حَرَكَتَينِ والجَزاءُ جَوابٌ لَهُما مَعاً، فلا يُقالُ إنَّ الآيةَ تَستَغني عن الإدخال؛ وإنَّما يُقالُ إنَّ اللَّفظَ يُسَمّي المُفارَقةَ، وإنَّ الإدخالَ شَرطٌ مَعطوفٌ لا مُسَمّىً بِه. مَفتوحٌ في هذا الحَدِّ وَحدَه.
- «مِن» و«عن»: فَرقٌ في الجَذرِ أم في مَجرورِه؟ يَحتَمِلُ أن يَكونَ
الحَرفانِ تابِعَينِ لِلاسمِ بَعدَهُما (العَذابُ حالٌ يُظرَفُ فيها، والنّارُ عَينٌ يُجاوَرُ جَنبُها) لا لِلفِعلِ قَبلَهُما. ومَوضِعانِ اثنانِ لا يَحسِمانِ، إذ لَيسَ في المُسَجَّلِ «زُحزِحَ مِن» ولا «مُزَحزِحٌ عن» لِيُقابَلَ بِهِما. يُنتَظَرُ نَشرُ سُوَرٍ فيها الجَذر.
- هَل التَّضعيفُ في الجَذرِ مَعنىً أم بِناء؟ بُنِيَت القِسمِ الأوَّل على أنَّ
إعادةَ النَّواةِ تُفيدُ تَكرارَ الحَرَكةِ وتَصغيرَها. ولا يوجَدُ في المُسَجَّلِ ثُلاثيٌّ «زَحَّ» ولا «زَحَفَ» ولا شَيءٌ من نَواةِ زح غَيرِ هذا الجَذر، فلا سَبيلَ إلى المُقابَلةِ داخِلَ المُدَوَّنة. والحُجّةُ قائِمةٌ على الحُروفِ وعلى مُوافَقةِ المَوضِعَينِ لَها، لا على نَظيرٍ مُسَجَّل. مَفتوح.
- مَوضِعانِ اثنانِ: أيَحتَمِلانِ حُكمَ غِياب؟ قيلَ في القِسمِ الثّاني إنَّ
المَعلومَ لا يُثبَتُ وإنَّ المَقصِدَ لا يُذكَر، وهُما اطِّرادانِ تامّانِ في اثنَينِ من اثنَين. واثنانِ أقَلُّ عَدَدٍ يُبنى عَلَيه اطِّراد، فالرَّصدُ مُعلَنٌ والحُكمُ مُؤَجَّلٌ إلى نَشرِ سُوَرٍ أُخرى فيها الجَذر.