الإنقاذ
**جَوفٌ أمسَكَ، فقَطعٌ يَفُكُّ إمساكَه، فإبرازٌ إلى خارِج**. لَيسَ الإنقاذُ في هذا الجَذرِ بُلوغاً بِالمُنقَذِ إلى أمان، بَل **فَكُّ ما أمسَكَه وإخراجُه**؛ والفَكُّ قَطعٌ، والقَطعُ لا يَقَعُ إلّا من خارِجِ المُمسَك. ولِذلك لا يَرِدُ الجَذرُ في المُسَجَّلِ إلّا على وَزنِ الإفعالِ ثَلاثاً من ثَلاث: أنقَذَ، يُنقِذ، يُنقَذ. ولا يُثبَتُ لِغَيرِ اللهِ مَرّةً واحِدة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ن :: انطِباقُ طَرَفِ اللِّسانِ يَحبِسُ النَّفَسَ في الجَوفِ
فيَمتَلِئُ رَنيناً لَطيفاً، ويَنفُذُ في الآنِ نَفسِه من مَنفَذِ الأنفِ الضَّيِّقِ نَفاذاً مُتَّصِلاً لا انفِجارَ فيه. وُجوهُه: الاحتِواءُ والاحتِباسُ الجَوفيّ، والرَّنينُ الباطِنيُّ اللَّطيف، والنَّفاذُ والانبِعاثُ من الباطِنِ إلى الخارِج. فالمَبدَأُ جَوفٌ يُمسِكُ ما فيه وفيه مَنفَذٌ ضَيِّق.
- ق :: انعِقادُ أقصى اللِّسانِ على أقصى الحَنَكِ يَحتَبِسُ خَلفَه
النَّفَسُ مُشتَدّاً، ثُمَّ يَنقَطِعُ عنه بِإطلاقٍ قاطِعٍ شَديد. وُجوهُه: العَقدُ والالتِئامُ في العُمق، والاحتِباسُ والاشتِداد، والإطلاقُ القاطِع. فالوَسَطُ عُقدةٌ تُمسِكُ ثُمَّ تُفَكُّ فَكّاً قاطِعاً.
- ذ :: طَرَفُ اللِّسانِ يَبرُزُ من باطِنِ الفَمِ فيُماسُّ الأسنانَ
مُماسّةً رَخوةً، ويَجري النَّفَسُ في مَضيقِها جَرَياناً مُتَّصِلاً نافِذاً، ثُمَّ يَستَرسِلُ ناثِراً دَقيقاً حتّى يَنقَطِع. وُجوهُه: الإبرازُ والمُماسّةُ الرَّخوة، والنَّفاذُ الحادُّ المُتَّصِل، والاسترسالُ والنَّثرُ بِدِقّة. فالمُنتَهى إبرازٌ من الباطِنِ إلى الظّاهِرِ يَستَرسِلُ ولا يَنعَقِد.
النَّواةُ نق مُسَجَّلةٌ في القانونِ شاهِداً على وَجهَينِ من وُجوهِ ن مَعاً: «الاحتِواءُ والاحتِباسُ الجَوفيّ» و«النَّفاذُ والانبِعاثُ من الباطِنِ إلى الخارِج». فهي بِنَفسِها مَحبوسٌ في جَوفٍ يَطلُبُ النَّفاذ. والنَّواةُ الثّانِيةُ قذ مُسَجَّلةٌ شاهِداً على وَجهِ ق «الإطلاقُ القاطِع». فالكَلِمةُ مَبنِيّةٌ على نَواتَينِ مُتَداخِلَتَينِ تَقولانِ شَيئاً واحِداً بِطَرَفَيه: مَحبوسٌ، وإطلاقٌ يَقطَع.
فالتَّركيبُ: إمساكٌ في جَوف، ففَكٌّ قاطِعٌ لِلإمساك، فإبرازٌ إلى الخارِجِ بِلا مُستَقَرّ. والشِّحنةُ الجامِعةُ لِلجَذرِ ن-ق-ذ: نَزعُ المُمسَكِ بِقَطعِ ما أمسَكَه.
وما تَدفَعُه هذه القِراءة ثَلاثةُ أشياءَ لا يُعطيها لَفظُ «الخَلاص» ولا لَفظُ «الإنجاء»:
الأوَّل، لِمَ لا يَرِدُ الجَذرُ إلّا على وَزنِ الإفعال. الوَسَطُ قافٌ، وشَأنُها احتِباسٌ ثُمَّ إطلاقٌ قاطِع؛ والقَطعُ فِعلٌ يَقَعُ على العُقدةِ من خارِجِها، ولا يَقطَعُ المَحبوسُ قَبضةَ الحابِسِ عن نَفسِه. فالوَزنُ الذي يُنشِئُ الفِعلَ في غَيرِ فاعِلِه هو الوَزنُ الوَحيدُ الذي يَحتَمِلُه الجَذر. والمُسَجَّلُ يوافِقُ ذلك ثَلاثاً من ثَلاث: «فَأَنقَذَكُم» و«يُنقِذُونِ» و«يُنقَذُونَ»، ولا ثُلاثِيَّ لَه ولا مُطاوِعَ ولا اسمَ فاعِلٍ ولا مَصدَر.
الثّاني، لِمَ يَجيءُ الجَوفُ مَذكوراً حَيثُ يُذكَرُ الفِعلُ. أوَّلُ حُروفِ الجَذرِ حَرفُ الاحتِواءِ الجَوفيّ، والمَوضِعانِ اللَّذانِ لِلفِعلِ فيهِما مَشهَدٌ يَذكُرانِ حابِساً مُجَوَّفاً: ﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ﴾ في ٣:١٠٣، و﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ﴾ في ٣٦:٤٣. حُفرةٌ وماءٌ يُطبِق: كِلاهُما جَوفٌ يُمسِكُ ما وَقَعَ فيه. ولَو كانَ الجَذرُ اسماً لِلخَلاصِ مُجَرَّداً لَما اقتَضى حابِساً بِعَينِه، ولَجازَ أن يُقالَ في كُلِّ شِدّة.
الثّالِث، لِمَ يَسكُتُ عن المَصير. آخِرُ حُروفِه ذالٌ، وشَأنُها إبرازٌ واسترسالٌ ونَثر، لا وَصلٌ ولا احتِواءٌ ولا عَقد. فلَيسَ في الجَذرِ حَرفٌ واحِدٌ يُسَمّي مَحَلّاً يُنتَهى إليه. والمُسَجَّلُ يوافِق: مُتَعَلَّقُه الوَحيدُ «مِّنْهَا» في ٣:١٠٣، ولا يَرِدُ لَه «إلى» ولا «في» في مَوضِعٍ واحِد.
الصِّيَغ: كيف يَردُ في القرآن
ثَلاثةُ مَواضِعَ في السُّوَرِ المَنشورة، وثَلاثُ صِيَغٍ من وَزنٍ واحِد:
- الماضي بِالإفعالِ مُتَّصِلاً بِفاءٍ وضَميرِ المُخاطَبين
«فَأَنقَذَكُم» (٣:١٠٣): فاعِلُه ضَميرُ الجَلالةِ من الجُملةِ قَبلَه، ومُتَعَلَّقُه «مِّنْهَا».
- المُضارِعُ المَعلومُ مَنفِيّاً بِنونِ الوِقاية «يُنقِذُونِ»
(٣٦:٢٣): فاعِلُه جَمعٌ يُتَّخَذُ من دونِ الله، ومَفعولُه ياءُ المُتَكَلِّم، ولا مُتَعَلَّقَ لَه.
- المُضارِعُ المَجهولُ مَنفِيّاً «يُنقَذُونَ» (٣٦:٤٣): نائِبُ
فاعِلِه «هُم»، ولا فاعِلَ لَه ولا مُتَعَلَّق.
وخَمسةُ أشياءَ تُقرَأُ من هذا الجَدوَلِ وَحدَه:
أوَّلاً: الوَزنُ واحِدٌ ثَلاثاً من ثَلاث. لا ثُلاثِيَّ «نَقَذَ»، ولا «انتَقَذَ»، ولا مَصدَرَ، ولا اسمَ فاعِلٍ ولا مَفعول. فالجَذرُ في المُسَجَّلِ فِعلٌ يوقَعُ ولا حالٌ توصَف.
ثانياً: مُثبَتٌ مَرّةً ومَنفِيٌّ مَرَّتَين. والمُثبَتُ وَحدَه هو الذي فاعِلُه الله. فلا يُنسَبُ هذا الفِعلُ واقِعاً إلى أحَدٍ سِواه في المَنشورِ كُلِّه.
ثالِثاً: «مِن» لا تَرِدُ إلّا مَعَ المُثبَت. حَيثُ وَقَعَ الفِعلُ سُمِّيَ ما أُخرِجَ منه، وحَيثُ نُفِيَ لم يُسَمَّ شَيء؛ لِأنَّ المَنفِيَّ قُدرةٌ لا واقِعة، والقُدرةُ لا مَخرَجَ لَها يُسَمّى.
رابِعاً: الفاعِلُ يَتَناقَصُ في المَواضِعِ الثَّلاثةِ حتّى يَنعَدِم: فاعِلٌ مُسَمّىً يَفعَل (٣:١٠٣)، ثُمَّ فاعِلٌ مُسَمّىً يُنفى عنه الفِعل (٣٦:٢٣)، ثُمَّ فِعلٌ يُنفى بِلا فاعِلٍ يُذكَرُ أصلاً (٣٦:٤٣). وهذا الأخيرُ أعَمُّ النَّفيَين: نَفيُ الفاعِلِ المُعَيَّنِ يَدَعُ غَيرَه، ونَفيُ الفِعلِ في المَجهولِ لا يَدَعُ أحَداً.
خامِساً: الجَذرُ لا يَلزَمُ النّار. مَوضِعانِ في النّارِ ومَوضِعٌ في الغَرَق، فالمُمسِكُ عِندَه جِنسٌ لا عَينٌ واحِدة.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الشِّحنةُ واحِدةٌ في الثَّلاثةِ (نَزعُ
المُمسَكِ بِقَطعِ ما أمسَكَه)، والصِّيَغُ تُوَزِّعُ الجِهاتِ
الثَّلاثَ لِلفِعلِ الواحِد: واقِعاً، ومُدَّعىً مَنفِيّاً، ومَرجُوّاً
مَنفِيّاً.
الفُروق المَعنويّة: مَفاهيمُ مُجاوِرةٌ من جُذورٍ أُخرى
naja(النَّجاة، ن-ج-و): أقرَبُ المُجاوِرِ وأدَقُّهُم فَرقاً،
ويَشتَرِكانِ في ن الجَوفِيّةِ ابتِداءً ويَفتَرِقانِ في المُنتَهى. النَّجاةُ تُغلَقُ بِـو الواصِلةِ المُمتَدّة، فتَنعَقِدُ في أمانٍ أعلى وتَستَقِرّ؛ والإنقاذُ يُغلَقُ بِـذ النّاثِرةِ المُستَرسِلة، فيَقِفُ عِندَ الإخراجِ ولا يَعِدُ بِمُستَقَرّ. فالنَّجاةُ اسمٌ لِلمَآل، والإنقاذُ اسمٌ لِلانتِزاع. ويُصَدِّقُ الفَرقَ المُسَجَّلُ في حَرفِ التَّعدِيَةِ لا في صورةِ المَخرَج: النَّجاةُ تَحمِلُ «إلى» فيُسَمّى مُنتَهاها ﴿فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ﴾ (١٧:٦٧)، والإنقاذُ لا «إلى» لَه ولا «في» في مَوضِعٍ واحِد، ومُتَعَلَّقُه الوَحيدُ «مِّنْهَا». وأمّا المَخرَجُ فجَوفٌ في البابَين: النَّجاةُ في ١٧:٦٧ من بَحرٍ يُطبِق، والإنقاذُ من حُفرةٍ ومن غَرَق. والجَذرانِ لا يَجتَمِعانِ في آيةٍ واحِدةٍ في المَنشورِ كُلِّه.
isma(العِصمة، ع-ص-م): والمَوضِعُ يَجمَعُهُما في آيةٍ واحِدةٍ
بِطَرَفَيها، فالفَرقُ مَنصوصٌ لا مُستَنبَط: ٣:١٠٣ تَفتَحُ بِـ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا﴾ وتَنتَهي إلى ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾. والاعتِصامُ على وَزنِ الافتِعال، فهو قَبضٌ يَقَعُ من العَبدِ بِيَدِه؛ والإنقاذُ على وَزنِ الإفعال، فهو نَزعٌ يَقَعُ بِيَدِ غَيرِه. والتَّرتيبُ في اللَّفظِ عَكسُ التَّرتيبِ في الأمر: يُؤمَرونَ بِالقَبضِ أوَّلاً ويُذَكَّرونَ بِالنَّزعِ آخِراً، لِأنَّ النَّزعَ ماضٍ وقَعَ والقَبضَ مَطلوبٌ الآن. ومَن كانَ في الجَوفِ لا يَعتَصِمُ، وإنَّما يُعتَصَمُ بَعدَ الإخراج.
ighraq(الإغراق، غ-ر-ق): والجَذرانِ يَلتَقِيانِ في ٣٦:٤٣
مُتَقابِلَينِ تَقابُلَ حَدٍّ ونَقيضِه. ighraq مَقروءٌ في المُدَوَّنةِ استِتاراً عَميقاً يَكتَمِلُ بِإغلاقٍ لا مَخرَجَ منه، والإنقاذُ هو المَخرَجُ بِعَينِه. فالآيةُ تُقيمُ الإغلاقَ ثُمَّ تَنفي المَخرَج، ونَفيُها لَيسَ تَحصيلَ حاصِلٍ لِأنَّ المَنفِيَّ لَيسَ إمكاناً في الماءِ بَل يَداً تُنتَظَرُ من خارِجِه.
shafa3a(الشَّفاعة، ش-ف-ع): والمَوضِعُ يَجمَعُهُما في ٣٦:٢٣ في
نَفَسٍ واحِد. الشَّفاعةُ ضَمُّ حاضِرٍ إلى صاحِبِ الحاجةِ حتّى يَصيرا اثنَين، وعَمَلُها بِالقَولِ عِندَ من بِيَدِه الأمر؛ والإنقاذُ قَطعٌ يَقَعُ على المُمسِكِ نَفسِه، وعَمَلُه بِاليَد. فنَفيُهُما مَعاً يَسُدُّ البابَينِ جَميعاً على ما يُتَّخَذُ من دونِ الله: لا كَلِمةٌ تُقالُ فيه ولا يَدٌ تُمَدُّ إليه.
zahzaha(الزَّحزَحة، ز-ح-ز-ح): الجَذرانِ يَقتَسِمانِ في
المُسَجَّلِ بابَ الإخراجِ من النّار، ويَفتَرِقانِ في صورةِ المَحَلّ. الزَّحزَحةُ إبعادٌ عن جَنبٍ يُدنى منه، وحَرفُها «عن»؛ والإنقاذُ نَزعٌ من جَوفٍ يُمسِك، وحَرفُه «مِن». ولِذلك جاءَتِ الزَّحزَحةُ بِدَفَعاتٍ صِغارٍ مُتَعاقِبةٍ وجاءَ الإنقاذُ بِقَطعةٍ واحِدة: المُجاوِرُ يُنَحّى قَليلاً قَليلاً، والمَحبوسُ لا يُخرَجُ إلّا بِفَكِّ ما أمسَكَه دَفعةً واحِدة.
- الصَّريخُ والحُفرةُ والشَّفا: لا مَفهومَ لِواحِدٍ منها في
المُدَوَّنِ بَعد، وتُذكَرُ هُنا نَثراً. والفَرقُ الذي يُنتَظَرُ تَحقيقُه مَتى سُجِّلَ مَفهومُ الصَّريخ: أنَّ ٣٦:٤٣ تَنفي الصَّوتَ قَبلَ أن تَنفِيَ اليَد، وهُوَ تَرتيبُ ما يَفعَلُه الغَريقُ نَفسُه.
المَواضع: مَواقعُ الإنقاذِ في القرآن (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٣:١٠٣ ﴿وَكُنتُمْ عَلَىٰ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾: قاعِدةُ البَيت. الجَديدُ: يَدخُلُ الجَذرُ المُصحَفَ المَنشورَ مُثبَتاً وماضِياً وفاعِلُه اللهُ ومَفعولُه جَماعةٌ مُخاطَبة، فهو المَوضِعُ الوَحيدُ في المَنشورِ كُلِّه الذي يُخبَرُ فيه بِوُقوعِ إخراجٍ من النّارِ لِقَومٍ بِأعيانِهِم وفي ماضٍ مَعلوم. ويُسَمّى المَحَلُّ تَسمِيةً مُرَكَّبةً على ثَلاثِ دَرَجات: حُفرةٌ، وهي من نار، وهُم على شَفاها لا في قَعرِها. فالنَّزعُ واقِعٌ قَبلَ السُّقوطِ لا بَعدَه، وهذا ما يُفَسِّرُ اجتِماعَ الحُفرةِ مَعَ فِعلِ الجَوف: الحابِسُ مُعَدٌّ ومَفتوحٌ ولَمّا يُطبِقْ. ويُقَيَّدُ الفِعلُ بِـ«مِّنْهَا» ولا يُذكَرُ لَه مَصيرٌ، فيُسكَتُ عن المُنتَهى كَما تُسكِتُ عنه حُروفُه. والآيةُ تَذكُرُ فِعلَينِ لِلفاعِلِ نَفسِه بِفاءَين: ﴿إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ ثُمَّ ﴿فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا﴾، أحَدُهُما جَمعٌ لِمُتَفَرِّقٍ والآخَرُ نَزعٌ من مُمسِك، وكِلاهُما تَحتَ ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾. انظُر
narوni3maوukhuwwaوisma.
- ٣٦:٢٣ ﴿لَّا تُغْنِ عَنِّي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا وَلَا يُنقِذُونِ﴾: نَفيُ القُدرةِ عَمّا يُتَّخَذُ من دونِه. الجَديدُ: أوَّلُ نَفيٍ لِلجَذرِ، وأوَّلُ مَرّةٍ يُنسَبُ الفِعلُ إلى فاعِلٍ غَيرِ الله، والمَوضِعُ الوَحيدُ الذي يَقَعُ مَفعولُه ياءَ مُتَكَلِّمٍ: فالقائِلُ يَمتَحِنُ الدَّعوى على نَفسِه لا على غَيرِه، ولا يُخاصِمُ في غائِبٍ بَل في حالِه هو. والمَوضِعُ الوَحيدُ كَذلك الذي لا «مِن» فيه ولا مَخرَجَ مُسَمّى، لِأنَّ المَنفِيَّ قُدرةٌ لا واقِعة. والمُمسِكُ المُقابِلُ مَذكورٌ قَبلَه بِاسمِه ﴿إِن يُرِدْنِ الرَّحْمَٰنُ بِضُرٍّ﴾، فتَستَقيمُ الحُجّةُ على حُروفِ الجَذرِ نَفسِها: الإنقاذُ قَطعُ ما أمسَك، ومَن لا يَملِكُ القَطعَ عَمّا أمسَكَ الرَّحمنُ لا يُنقِذ. ويُقرَنُ النَّفيُ بِنَفيِ الشَّفاعةِ في نَفَسٍ واحِدٍ، فيُسَدُّ بابُ القَولِ وبابُ الفِعلِ مَعاً، وقد صُدِّرَتِ الجُملةُ بِاستِفهامِ إنكارٍ ﴿أَأَتَّخِذُ مِن دُونِهِ آلِهَةً﴾. انظُر
shafa3aوilahوrahman.
- ٣٦:٤٣ ﴿وَإِن نَّشَأْ نُغْرِقْهُمْ فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ وَلَا هُمْ يُنقَذُونَ﴾: المَجهولُ بِلا فاعِلٍ وخارِجَ النّار. الجَديدُ: الوَجهُ المَبنِيُّ لِلمَجهولِ الوَحيد، فلا يُنفى الفِعلُ عن فاعِلٍ بِعَينِه بَل يُنفى عن كُلِّ فاعِل، وهو أعَمُّ ما بَلَغَه النَّفيُ في المَواضِعِ الثَّلاثة. وهو المَوضِعُ الوَحيدُ الذي يَخرُجُ فيه الجَذرُ من بابِ النّارِ إلى بابِ الماء، فيَتَبَيَّنُ أنَّ المُقتَضى ليسَ نَوعَ العَذابِ بَل صورةَ الحابِس: ما أطبَقَ وأمسَك. ويُسَمّى الإطباقُ بِجَذرٍ آخَرَ قَبلَه ﴿نُغْرِقْهُمْ﴾، فيَقَعُ نَفيُ الإنقاذِ في مَوضِعِ الشَّرحِ لِذلك الإطباقِ من جِهَتِه الأُخرى. ويَتَقَدَّمُه نَفيٌ ثانٍ ﴿فَلَا صَرِيخَ لَهُمْ﴾، فيُقطَعُ الصَّوتُ قَبلَ أن تُقطَعَ اليَد. وكُلُّ ذلك مُعَلَّقٌ بِـ«وَإِن نَّشَأْ»، فالمَنفِيُّ ليسَ خُروجاً يُعجِزُ الماءَ بَل خُروجاً يُعارِضُ مَشيئة. انظُر
ighraqوmashiaوnar.
التَّقاطُعات: مَواضعُ التَّجاوُرِ مع مَفاهيمَ أُخرى
- مَعَ
ukhuwwaفي ٣:١٠٣: المَفهومانِ يَقتَسِمانِ آيةً واحِدةً
قِسمةً صَريحة. ukhuwwa يَقرَأُ ما صُنِعَ بِهِم («فأصبَحتُم بِنِعمَتِه إخواناً»)، وهذا المَفهومُ يَقرَأُ ما نُزِعوا منه («على شَفا حُفرةٍ مِنَ النّار»). ورِباطُ القُلوبِ وحافّةُ الحُفرةِ في جُملةٍ واحِدة، والفاءُ التي بَينَهُما هي النِّعمةُ نَفسُها.
- مَعَ
ismaوhablفي ٣:١٠٣: ثَلاثةُ مَفاهيمَ على خَطٍّ
واحِدٍ من الآية: حَبلٌ يُمَدّ، وقَبضٌ عَلَيه من العَبد، ونَزعٌ سابِقٌ من اللهِ جَعَلَ لِلقَبضِ مَحَلّاً. ومن قَرَأَ الثَّلاثةَ مَعاً رَأى أنَّ الأمرَ بِالاعتِصامِ مَبنِيٌّ على الإخراجِ لا مُقارِنٌ لَه.
- مَعَ
ighraqفي ٣٦:٤٣: المَفهومانِ يَقرَآنِ نِصفَي جُملةٍ
واحِدة. وقد أعلَنَ ighraq في سِجِلِّه أنَّ المَوضِعَ يُقرَأُ «من جِهةِ ما يَنقَطِعُ بِه من نَجدةٍ لا من جِهةِ الماءِ نَفسِه»، وهذا المَفهومُ يوفي ذلك الدَّينَ بِتَسمِيةِ النَّجدةِ المَقطوعةِ وقِراءةِ حُروفِها.
- مَعَ
shafa3aفي ٣٦:٢٣: الآيةُ تَجمَعُ ما يُرجى بِالقَولِ وما
يُرجى بِاليَد، وتَنفيهِما بِنَفيٍ واحِدٍ مُكَرَّرٍ بِالواو. فيُقرَأُ كُلُّ مَفهومٍ تَعريفاً سالِباً لِلآخَر: الشَّفاعةُ ما لا يُخرِجُ، والإنقاذُ ما لا يُقالُ فيه شَيءٌ بَل يُفعَل.
- مَعَ
zahzahaفي المُقابَلةِ بَينَ ٣:١٠٣ و٣:١٨٥: هذانِ
المَوضِعانِ هُما المَوضِعانِ الوَحيدانِ في السُّوَرِ المَنشورةِ اللَّذانِ يُثبِتانِ إخراجاً من النّارِ أو العَذاب، وكِلاهُما في سورةِ آلِ عِمران. وسائِرُ البابِ إمّا مَنفيٌّ (٢:٩٦ و٢:١٦٧ و٣:١٨٨) وإمّا مَسؤولٌ في دُعاءٍ لم يُخبَرْ بِوُقوعِه ﴿وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. فالمَفهومانِ يَحمِلانِ بَينَهُما كُلَّ ما أُثبِتَ في هذا البابِ في المُدَوَّنة.
الإشكالات المَفتوحة
- عَلامَ يَعودُ «مِّنْهَا» في ٣:١٠٣؟ أقرَبُ مَذكورٍ الحُفرة،
ويَحتَمِلُ النّارَ لِأنَّها المُضافُ إليها. والحاصِلُ واحِدٌ والصّورةُ تَختَلِف: على الأوَّلِ النَّزعُ من الوِعاء، وعلى الثّاني من مادّةِ ما فيه. والمَفهومُ يَقِفُ عِندَ ما تَقولُه الآيةُ ولا يَقطَعُ بِأحَدِهِما. مَفتوح.
- هَل يَطَّرِدُ أنَّ الجَذرَ لا يُثبَتُ لِغَيرِ الله؟ الاطِّرادُ
تامٌّ في ثَلاثةٍ من ثَلاثة، لكنَّ الاثنَينِ المَنفِيَّينِ هُما ما يُقيمُ الحُكم، وثَلاثةُ مَواضِعَ أقَلُّ من أن يُبنى عَلَيها حُكمُ غِياب. ويُختَبَرُ عِندَ نَشرِ سُوَرٍ فيها الجَذر: إن وَرَدَ مُثبَتاً لِبَشَرٍ وَجَبَ تَضييقُ ما في القِسمِ الثّاني.
- **٣٦:٢٣ بِلا «مِن»: هَل يَجوزُ لِلجَذرِ أن يُستَعمَلَ بِلا
مَخرَجٍ مُسَمّى؟** قُرِئَ هُنا أنَّ سُكوتَ الآيةِ عن المَخرَجِ تابِعٌ لِكَونِ المَنفِيِّ قُدرةً لا واقِعة. ويَحتَمِلُ أن يَكونَ المَخرَجُ مَفهوماً من «بِضُرٍّ» قَبلَه فحُذِفَ لِلعِلمِ بِه، فلا يَكونُ في المَوضِعِ دَليلٌ على شَيء. والمَوضِعانِ الآخَرانِ لا يَحسِمان، إذ في أحَدِهِما «مِن» وفي الآخَرِ نَفيٌ في المَجهول. مَفتوح.
- **الوَزنُ الواحِدُ ثَلاثاً من ثَلاث: خُصوصِيّةٌ في الجَذرِ أم
قِلّةُ العَدَد؟** بُنِيَ في القِسمِ الأوَّل على أنَّ القافَ تَقتَضي قاطِعاً من خارِج، فلا يَستَقيمُ لِلجَذرِ ثُلاثيٌّ لازِم. وهذا يَبقى حُجّةَ حُروفٍ ما لم يُنشَرْ مَوضِعٌ يَنقُضُه. مَفتوح.