البقرة · الآية 96

﴿وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَىٰ حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ

«وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ» (و ج د) + (ح ر ص): المَعرِفةُ بِالمُعايَنة

الجَذرُ (و ج د) يَحمِلُ حُضورَ الشَّيءِ لِلشَّيءِ حُضوراً مُباشِراً؛ فَـ«وَجَدَ» غَيرُ «عَرَفَ» أَو «عَلِمَ»: الأَوَّلُ مُعايَنة، والثّاني استِدلال، والثّالِثُ بِنيةٌ مَعرِفيّة. وباستِعمالِ (و ج د) يُوَجِّهُ القُرآنُ المُخاطَبَ إلى التَّحَقُّقِ الشَّخصيّ: لا تُسَلِّم بِقَولي، بَل انظُر وستَجِد. والجَذرُ (ح ر ص) يَدُلُّ على تَعَلُّقٍ شَديدٍ يُرافِقُهُ قَلَقُ الفَوات؛ والحَريصُ هوَ الذي يَمسِكُ الشَّيءَ بِإحكامٍ خَشيَةَ أن يَفلِتَ. وضَمُّ الجَذرَينِ في لَتَجِدَنَّهُم أَحرَصَ النّاس يَرسُمُ اختِباراً لِلمُدَّعى: مَن آمَنَ بِالدّارِ الآخِرَةِ كَما زَعَمَ، ظَهَرَ عَلَيهِ سُكونٌ مَع الحَياة؛ والمُدَّعي الذي يَتَبَيَّنُ حِرصُهُ أَشَدَّ مِن حِرصِ غَيرِه، يَنكَشِفُ بِحالِهِ لا بِقَولِه.

«وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا» (ش ر ك): المَقياسُ بِلا إطارِ الآخِرَة

الجَذرُ (ش ر ك) يَدُلُّ على إدخالِ شَريكٍ في مَوضِعٍ هوَ وَحدانِيٌّ أَصلاً. وأَهلُ الإشراكِ في مَنظومةِ القُرآنِ لا يُنكِرونَ وُجودَ اللهِ، لَكِنَّ تَصَوُّرَهُم لِلآخِرَةِ إمّا غائِبٌ وإمّا ضَعيف. فَالمُقارَنةُ هُنا تَضَعُ حالَ أَهلِ الكِتابِ المُدَّعينَ أنَّ الآخِرَةَ خالِصةٌ لَهُم إلى جانِبِ جَماعةٍ لا تُؤَطِّرُ حَياتَها بِوَعدِ ما بَعد. والمَنطِقُ: مَن لا إطارَ آخِرويَّ عِندَهُ، يُفتَرَضُ فيهِ التَّمَسُّكُ بِالحَياةِ القَريبةِ تَمَسُّكاً أَشَدَّ مِن الذي عَقيدَتُه الآخِرَةُ خالِصةٌ لَه. لَكِنَّ المُلاحَظةَ تَقلِبُ المَنطِق: المُدَّعونَ أَشَدُّ حِرصاً. هذا اختِبارٌ يَدَعُهُ القُرآنُ بِلا تَعقيبٍ زائِد، لأنَّ الواقِعةَ تَدُلُّ على نَفسِها.

«لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ» (ع م ر) + «مُزَحْزِحِهِ» (ز ح ز ح): التَّعميرُ لا يُزَحزِحُ مِن مَوضِعِ العَذاب

الجَذرُ (ع م ر) يَدُلُّ على مَلءِ الحَياةِ بِأَفعالٍ تَبنيها، وبِصيغةِ «يُعَمَّر» تَأتي الفاعِلِيَّةُ مِن خارِجٍ: يُعطى العُمرَ. وقولُهُم لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ يَكشِفُ رَغبةً في امتِدادٍ زَمَنيٍّ بِلا غايةٍ، لأنَّ الآخِرَةَ بِالنِّسبةِ لَهُم في مَوضِعِ قَلَقٍ لا مَوضِعِ رَجاء. والرَّدُّ يَأتي بِلَفظٍ نادِر: «مُزَحزِحِه». الجَذرُ (ز ح ز ح) بِتَكرارِ الحَرفَينِ يَحمِلُ مَعنى الحَرَكةِ الجانِبيَّةِ الصَّغيرة، كَأنَّكَ تُزَحزِحُ حَجَراً بِأَدنى قَدرٍ مِن جِهَتِه. واختِيارُ هذا اللَّفظِ بَلاغَةٌ قُرآنِيَّةٌ دَقيقَة: أَلفُ سَنَةٍ مِن الامتِدادِ لا تُزَحزِحُ بِأَقَلِّ الحَرَكاتِ عَن مَوضِعِ العَذاب. فَالزَّمَنُ المَديدُ ليسَ وَقوداً لِلنَّجاةِ، والنَّجاةُ ليسَت في طولِ الأَمَدِ بَل في تَغييرِ النَّمَط.

«وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ» (ب ص ر) + (ع م ل): البَصَرُ الإلَهيّ يَرى العَمَلَ لا الادِّعاء

الخاتِمةُ تُحَوِّلُ المَشهَدَ مِن المُعايَنةِ البَشَريّةِ إلى البَصَرِ الإلَهيّ. و(ب ص ر) في القُرآنِ رُؤيةٌ مَعرِفيَّةٌ تَتَعامَلُ مَعَ التَّفصيلِ لا مَعَ الظاهِرِ الكُلّيّ. فَالبَصيرُ بِما يَعمَلون يَعلَمُ كُلَّ حَرَكةٍ صَغيرةٍ يَقوم بِها الإنسانُ، لا مُجرَّدَ عُنوانِ حالِه. وبِاستِعمالِ (ع م ل) تُعادُ النَّظَرةُ إلى الأَثَرِ: الحِرصُ في القَلبِ يَظهَرُ في العَمَل، والعَمَلُ مَعلومٌ بِالبَصَرِ التّام. والاتِّجاهُ المُقابِلُ لِما زَعَموهُ في الدّارِ الآخِرَةِ: هُم قالوا إنَّها خالِصةٌ لَهُم، واللهُ يَرى ما يَعمَلونَ رُؤيةً لا تَحتَجِبُ بِاسمِ جَماعةٍ ولا بِلاَفِتةٍ مُبرَزة.

فَالوُجدانُ مُعايَنةٌ لا استِنتاج، والحِرصُ قَلَقٌ يُمسِكُ بِالحَياة، والتَّعميرُ أَمَدٌ لا يُزَحزِح، والبَصَرُ الإلَهيُّ يَرى العَمَلَ في تَفصيلِه لا في عُنوانِه.


حَصيلة

يَفتَحُ الجَذرُ (و-ج-د) القَضيَّةَ بِطَريقَةٍ لافِتة: لا يَقولُ «اعلَم» ولا «استَدِل» بَل «ستَجِد» بِالمُعايَنةِ المُباشِرة، كَأنَّ الحُجَّةَ تَكشِفُ نَفسَها لِمَن يَنظُر. وما سَيَجِدُهُ هوَ (ح-ر-ص)، تَعَلُّقٌ قَلِقٌ يُمسِكُ أيَّ حَياةٍ نَكِرَةٍ بِلا شَرطٍ ولا صِفَة. ثُمَّ يَأتي الجَذرُ (ش-ر-ك) لِيَضَعَ المِقياسَ في مَوضِعِهِ الدَّقيق: مَن لا إطارَ آخِروِيَّ عِندَهُ يُفتَرَضُ فيهِ أشَدُّ تَمَسُّكٍ بِالحَياةِ القَريبة، غَيرَ أنَّ القَلبَ المُدَّعيَ لِخُلوصِ الدّارِ الآخِرةِ جاءَ أَشَدَّ حِرصاً، وهذا وَحدَهُ بُرهانٌ يَطوي الجِدال. ويَجيءُ الجَذرُ (ع-م-ر) في صيغةِ ما بُنيَ لِلمَجهول «يُعَمَّر»: الحَياةُ تُعطى مِن خارِج، والرَّغبةُ في ألفِ سَنةٍ ليسَت طَمَعاً في البَرَكةِ بَل في مُجَرَّدِ الكَمِّ. وجاءَ اللَّفظُ النّادِرُ (ز-ح-ز-ح) لِيَقولَ بِدِقَّةٍ ما لا يَقدِرُ عَلَيهِ الأَمَدُ: حَتّى أَصغَرُ حَرَكةٍ جانِبيَّةٍ عَن مَوضِعِ العَذابِ لا يُنتِجُها عُمرٌ إضافيٌّ، لِأنَّ النَّجاةَ لَيسَت في طولِ الأَمَدِ بَل في تَغييرِ النَّمَط. والبَصيرُ بِما يَعمَلون في الخاتِمةِ يَرى بِـ(ب-ص-ر) التَّفصيلَ الخَفيَّ لا العُنوانَ الصَّريح، فَيَكونُ رَدُّهُ على ادِّعاءِ الاختِصاصِ بِالآخِرةِ: العَمَلُ الذي تَصنَعُهُ لا اللَّافِتةُ التي تَرفَعُها.