آل عمران · الآية 185

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۖ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ ۗ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ

«كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ»: الاستغراقُ يَوزّعُ الذوقَ على كلِّ نفس

تَفتَحُ «كلّ» جملةً اسميّةً وتُضافُ إلى «نفس» نكرة، فتَستغرقُ النفوسَ واحدةً واحدة. والخبرُ «ذائقة» اسمُ فاعلٍ مؤنَّثٌ أُضيفَ إلى مفعولِه، فاجتَمعَ في الكلمةِ الواحدةِ فاعلُ الذوقِ ومَذوقُه. والذوقُ مادّتُه ذ-و-ق، وهي مُباشَرةٌ لَيِّنةٌ تَمتَدُّ حتّى تَنعَقِدَ في الباطِنِ فيَقَعَ بها الإدراك، والمضافُ إليه «الموت» يُعيّنُ المذوق. والإضافةُ في «كلّ نفس» تُوزِّعُ الحكمَ على الأفرادِ واحداً واحداً، واسمُ الفاعلِ يَجعلُ الذوقَ صفةً لاحقةً بكلِّ واحدةٍ منها.

«وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ»: تَمامُ الأَجرِ يَنتَظِرُ اليَومَ المُسَمّى

وتَعطفُ الواوُ حصرَ «إنّما»، والفعلُ «توفّون» مبنيٌّ للمجهولِ موجَّهٌ إلى جماعةِ الخطاب. والتوفيةُ إيصالٌ كاملٌ يَمتَدُّ إلى التمام، والتضعيفُ في «تُوَفَّون» يُتابِعُ الإيصالَ حتى يَستوفيَ حدَّه، فلا يَنقطعُ عندَ دَفعةٍ من الأجر. والمفعولُ «أجوركم» يَحفظُ تعدّدَ الأجرِ وإضافتَه إلى أصحابِه، والظرفُ «يوم القيامة» يَضعُ تمامَ التوفيةِ فيه. وحصرُ «إنّما» يَجعلُ تمامَ التوفيةِ موقوتاً بذلك اليوم، فيَبقى ما قبلَه دونَ التمام.

«فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ»: الفَوزُ يَحمِلُ إبعاداً وإدخالاً

وتُنتجُ الفاءُ شرطاً موصولاً بـ«من»، والفعلُ الأوّلُ فيه مبنيٌّ للمجهول: زحزح عن النار. والزحزحةُ من ز-ح-ز-ح تضاغطٌ يَدخُلُ احتواءً ثمّ يَتكرّرُ البناءُ كلُّه، فيَحمِلُ إبعاداً متدرّجاً. وتَعطفُ الواوُ فعلاً مبنيّاً للمجهولِ آخر: أُدخل الجنة. والشرطُ يَجمعُهما للشخصِ نفسه، ولا يُكتفى فيه بالابتعادِ وحدَه ولا بالدخولِ منفصلاً. والنارُ والجنةُ مذكورتانِ بلفظِهما، والحركتانِ إليهما مبنيّتانِ للمجهول، فصاحبُهما مفعولٌ في الجملتَين: مُزَحزَحٌ ومُدخَل.

«فَقَدْ فَازَ»: الجوابُ يَحصرُ النجاحَ في الحركةِ السابقة

وتأتي الفاءُ جواباً للشرط، وتُحقِّقُ «قد» الماضيَ «فاز». والفوزُ من ف-و-ز عُبورٌ نافِذٌ يَمضي حتّى يُجاوِزَ ما يَعتَرِضُه ويَبلُغَ مَطلوبَه، فيَحمِلُ بلوغاً ناجحاً. والفاعلُ مستترٌ يعودُ إلى «من» التي اجتمعَ لها الإبعادُ عن النارِ والإدخالُ إلى الجنة. وجوابُ الشرطِ يَجعلُ الحركةَ المزدوجةَ حدَّ الفوزِ الملفوظ، أي إبعاداً عن النارِ وإدخالاً إلى الجنةِ للشخصِ الواحدِ نفسِه.

«وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ»: القصرُ يَزنُ الدنيا أمامَ الفوز

وتَختمُ الواوُ بقصرِ «ما...إلا». والحياةُ موصوفةٌ بالدنيا، أي الجهةِ الأقرب، وخبرُها المحصورُ «متاع الغرور». والمتاعُ شيءٌ يُنتفَعُ به مدّة، والغرورُ من غ-ر-ر غَورٌ يَجري نافذاً ثمّ يُكثِّفُ تكرارُ الراءِ تغطيةَ الحقيقة. والإضافةُ تَجعلُ المتاعَ متعلّقاً بالغرور، وهي تَحصرُ وزنَ الحياةِ الأقربِ في هذا المتاعِ أمامَ تمامِ الأجورِ والفوز، ولا تَنفي وجودَ منافعَ دنيويّة.


حَصيلة

تَستغرقُ «كلّ» النفوسَ في ذوقِ الموت، ثمّ تَحصرُ الآيةُ تمامَ توفيةِ الأجورِ في يومِ القيامة. ويأتي معيارُ الفوزِ في شرطٍ مزدوج: مَن أُبعِدَ عن النارِ وأُدخلَ الجنةَ فقد فاز. وتَبقى الأسماءُ الأربعةُ على إطلاقِها: موتٌ، وأجورٌ، ونارٌ، وجنّة. وتَختمُ الموازنةُ بقصرِ الحياةِ الدنيا على متاعِ الغرور، فتَضعُ القربَ الزائلَ بإزاءِ التوفيةِ والفوز. والحركةُ من نفسٍ منفردةٍ إلى خطابٍ جمعيٍّ ثمّ إلى موصولٍ مفتوحٍ تُبقي الحكمَ شاملاً لكلِّ داخلٍ في هذه الصِّيَغ.