العَليّ
التَّعريف الجَذريّ
قَبضٌ حَلقيٌّ يَمتَدُّ ثُمَّ يَنبَعِثُ إلى عُلوٍّ حَقيقيّ، العَليُّ من جَذرِ ع-ل-و: الشِّدَّةُ العَميقةُ تَتَعَلَّقُ وتَمتَدُّ ثُمَّ تَنصَبُّ في وَصلٍ عالٍ. لَيسَ مُجَرَّدَ ارتِفاعٍ مَكانيٍّ بَل عُلُوٌّ في الذَّاتِ والمَرتَبة.
تَعريفُ الكَلِمةِ عَبرَ مَعاني الجَذر
ثلاثةُ حُروف:
- ع: قَبضٌ حَلقيٌّ من العُمق. شِحنَتُه: قَبضٌ مُتَعَمِّقٌ يَمتَدُّ في المَضيق.
- ل: تَعَلُّقٌ وامتِداد. شِحنَتُه: جِسرٌ يَمتَدُّ ويَتَعَلَّق.
- و: وَصلٌ ورَبط. شِحنَتُه: ارتِباطٌ مُستَمِرّ.
النَّواةُ عل (ع + ل) = قَبضٌ عَميقٌ يَمتَدُّ: مَركَزٌ ينعَقِدُ في الباطِنِ ثُمَّ يَتَعَلَّقُ بِما أَمامَه. الإتمامُ بـو يُحَوِّلُ هذا الامتِدادَ إلى اتِّصالٍ عالٍ رابِط: قَبضٌ عُمقيٌّ يَمتَدُّ ويَرتَفِعُ في وَصل.
الجَذرُ حرفيّاً: العُمقُ المُمتَدُّ المُرتَفِعُ المُتَّصِل. ومنه: «عَلامة» (ما ينعَقِدُ في الباطِنِ فَيَظهَرُ عَلَماً مُمَيَّزاً)، «عِلم» (انظُر التَّعليم (عَلَّمَ))، «عالَم» (ما يَرتَفِعُ بِعَلاماتِ صانِعِه).
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: الارتِفاعُ الصّادِرُ من عُمقٍ الذي يَمتَدُّ ويَتَّصِل. العَليُّ ليسَ مُجَرَّدَ المُرتَفِعِ بَل مَن ارتَفَعَ ارتِفاعاً عُمقيّاً يَصدُرُ من ذاتِه لا من مَوضِعِه.
الصِّيَغ
- العَليّ (صِفةٌ مُشَبَّهة، وَزنُ فَعيل): الصِّفةُ الذَّاتيَّةُ الثَّابِتة: العُلُوُّ كالمَلَكةِ المُستَقِرَّة لا العارِضة.
- تَعالى (فَعاعَلَ): التَّنَزُّهُ المُطلَقُ إذ يَتَجَاوَزُ كُلَّ حَدٍّ في العُلُوّ.
- عَلا (ماضٍ): الارتِفاعُ المُنجَز.
الجَذرُ قَبلَ الوَزن: العُمقُ المُرتَفِعُ. الوَزنُ يُحَدِّدُ الثَّباتَ الذَّاتيَّ (العَليّ) أَو التَّجاوُزَ المُطلَق (تَعالى).
الفُروق المَعنويّة
- العُلُوّ: ع-ل-و: الارتِفاعُ بِاعتِبارِه حالةً أَو مَصدَراً.
- عَلا: الفِعلُ: فِعلُ الارتِفاع.
- المُتَعال: أَبلَغُ في التَّنَزُّه.
- العَليُّ في آيةِ الكُرسيِّ: الصِّفةُ الذَّاتيَّةُ المُلازِمة لا الفِعلُ المُؤقَّت.
المَواضع: مَواقعُ الكَلِمةِ في المُصحَف (إضافةٌ تَراكُميّة)
- ٢:٢٥٥ ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾: مَوضِعُ الافتِتاح. ختامُ آيةِ الكُرسيّ. بَعدَ الإحاطةِ بِالكُرسيِّ ونَفيِ التَّعَبِ عن الحِفظِ يَخلُصُ إلى الجامِعَيْن: العُلُوُّ والعَظَمة. «العَليُّ العَظيم» لا يَعنيانِ الإضافةَ بَعدَ وَصفٍ بَل يُؤطِّرانِ كُلَّ ما سَبَق: كُرسيُّه يَسَعُ السَّماواتِ والأَرضَ لأَنَّه عَليٌّ، ولا يَؤودُه الحِفظُ لأَنَّه عَظيم.
- ١٧:٤ ﴿وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: الجَديدُ: يُنسَبُ الجَذرُ إلى بَشَرٍ لِأوَّلِ مَرّةٍ في الصَّفحة، ويُقرَنُ بِالإفسادِ في الأرضِ لا بِالرِّفعة: «ولَتَعلُنَّ عُلُوّاً كَبيراً». فيَتَبَيَّنُ أنَّ العُلُوَّ في نَفسِه صورةٌ لا حُكم، وإنَّما يُحمَدُ ويُذَمُّ بِمَن قامَ بِه. وهو المَوضِعُ الذي تُقاسُ بِه ١٧:٤٣: اللَّفظانِ هُناكَ هُما اللَّفظانِ هُنا.
- ١٧:٧ ﴿وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا﴾: الجَديدُ: يُجعَلُ ما ارتَفَعوا إلَيهِ هو نَفسُه مَوضِعَ التَّدمير: «ولِيُتَبِّروا ما عَلَوا تَتبيراً». فالعُلُوُّ المَكسوبُ يُهدَمُ بِقَدرِ ما بَلَغ، وهو خِتامُ ما وُعِدوا بِه في ١٧:٤. والعُلُوُّ الذّاتيُّ الذي في ٢:٢٥٥ لا يُتَبَّر، وهذا فَرقُ ما يَصدُرُ من الذّاتِ مِمّا يُبنى في مَوضِع.
- ١٧:٤٣ ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾: الجَديدُ: يُقرَنُ «تَعالى» بِمَصدَرٍ مُؤَكِّدٍ «عُلُوّاً كَبيراً»، وهُما اللَّفظانِ اللَّذانِ وُصِفَ بِهِما عُلُوُّ المُفسِدينَ في ١٧:٤ من السّورةِ نَفسِها. فيَقَعُ اللَّفظُ الواحِدُ في المَوضِعَينِ، ويُفَرِّقُ بَينَهُما مُتَعَلَّقُهُ: هُناكَ عُلُوٌّ في أرضٍ على أهلِها، وهُنا عُلُوٌّ «عَمّا يَقولون» أي تَنَزُّهٌ عَن مَقولةٍ لا ارتِفاعٌ فَوقَ مَكان. وهذا يُصَدِّقُ ما في §٦: العُلُوُّ وَصفُ ذاتٍ لا وَصفُ مَوضِع.
- ٢٠:٤ ﴿تَنزِيلًا مِّمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَمعُ «العُلى» نَعتاً لِمَخلوقٍ لا لِخالِق، فيَثبُتُ لِلجَذرِ اتِّساعٌ يَشمَلُ ما رُفِعَ كَما يَشمَلُ مَن رَفَع. ومَوقِعُه في وَصفِ الخالِقِ بِفِعلِه: مَن خَلَقَ الأرضَ والسَّماواتِ العُلى، فيُقاسُ عُلُوُّ الصّانِعِ بِعُلُوِّ مَصنوعِه ولا يُساوى بِه.
- ٢٠:٦٤ ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾: الجَديدُ: يَرِدُ الجَذرُ على وَزنِ استَفعَل «استَعلى»، وهو طَلَبُ العُلُوِّ لا وُقوعُه، ويُجعَلُ مَناطَ الفَلاحِ في يَومٍ بِعَينِه. والقائِلُ خَصمٌ يُعَبِّئُ أصحابَه، فيُقرَأُ في اللَّفظِ ما لا يُقرَأُ في ٢:٢٥٥: العُلُوُّ هُنا نَتيجةُ مُغالَبةٍ تُطلَب، وهُناكَ صِفةٌ لا تُطلَبُ ولا تُنازَع.
- ٢٠:٦٨ ﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾: الجَديدُ: يُقالُ «الأعلى» لِبَشَرٍ مُخاطَبٍ بَعدَ أن قُرِئَ في ٨٧:١ وَصفاً لِلرَّبّ. وفي هذا تَوَتُّرٌ مَعَ ما قيلَ هُناكَ («لا شَيءَ أعلى من الله») إن أُخِذَ اللَّفظُ مُطلَقاً، ويَرفَعُه سِياقُه: التَّفضيلُ هُنا في مُواجَهةٍ بِعَينِها وفي وَقتٍ بِعَينِه، مَقرونٌ بِتَأمينٍ من خَوف، لا في الذّاتِ ولا على الإطلاق. فاللَّفظُ واحِدٌ والمُضافُ إلَيهِ التَّفضيلُ مُختَلِف.
- ٢٠:٧٥ ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾: الجَديدُ: يَصيرُ العُلُوُّ مَقاماً يُنالُ بِإيمانٍ وعَمَل: «لَهُمُ الدَّرَجاتُ العُلى». والجَمعُ هو جَمعُ ٢٠:٤ نَفسُه، فيُوصَفُ بِه ما رُفِعَ من السَّماواتِ وما يُرفَعُ من النّاس. والفَرقُ عن ٢٠:٦٤ بَيِّن: هُناكَ عُلُوٌّ يُستَعلى بِه على خَصم، وهُنا دَرَجاتٌ تُعطى بِلا مُغالَبة.
- ٨٧:١ ﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾: «الأَعلى» أَفعَلُ التَّفضيل من العُلُوّ: الرَّبُّ الأَعلى = الرَّبُّ الذي يَعلو على كُلِّ عُلُوّ. العُلُوُّ في ٢:٢٥٥ وَصفٌ ذاتيٌّ، وفي ٨٧:١ وَصفٌ تَفضيليٌّ يَجعَلُ العُلُوَّ مُقارَناً: لا شَيءَ أَعلى من الله. «سَبِّحِ اسمَ رَبِّكَ الأَعلى» = أَصِف الاسمَ كما يَستَحِقُّه مَن هو الأَعلى، التَّسبيحُ فِعلٌ لائِقٌ بِعُلُوِّه.
التَّقاطُعات
3azim: «العَليُّ العَظيم» اقتِرانٌ ثابِتٌ.qayyum: القَيُّوميَّةُ والعَليُّ: الانتِصابُ والعُلُوُّ صُورتانِ مُتَكاتِفَتان.kursi: الكُرسيُّ واسِعٌ والمالِكُ عَليّ.
الإشكالات المَفتوحة
- هَل «العَليّ» مَكانيٌّ أَم وَصفيّ؟ المَوقِف: الجَذرُ يَدُلُّ على العُمقِ المُمتَدِّ المُرتَفِع: لا يُحَدِّدُ المَكانَ بَل يَصِفُ الذَّاتَ الرَّفيعة. «العَليُّ العَظيم» وَصفانِ ذاتيَّانِ لا مَكانيَّان.