طه · الآية 68

﴿قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ

«قُلْنَا»: جَوابٌ عن شَيءٍ لم يُنطَقْ بِه

لم يَخرُجْ من الآيةِ التي قَبلَها صَوت، وقد وَقَعَ الأمرُ في الجَوفِ ووُصِفَ فيه ووُقِفَ عِندَه، ثُمَّ يَجيءُ القَولُ هُنا بِلا سُؤالٍ يَتَقَدَّمُه.

ولم يُطلَبْ، ولم تَذكُرِ الآيةُ أنَّه دَعا ولا أنَّه شَكا، وقد أُخبِرَ عن وِجدانِه ثُمَّ جاءَ الرَّدُّ عَلَيه.

وجاءَ الفِعلُ بِنونِ الجَماعةِ بَعدَ أن كانَ الكَلامُ في الآياتِ القَريبةِ غَيبةً وحِكايةَ قَول، وتَحَوَّلَ بِه المَقامُ من نَقلِ الكَلامِ إلى إيقاعِه.

«لَا تَخَفْ»: كَلِمَتانِ قيلَتا في هذه السّورةِ من قَبل

و«لَا تَخَفْ» نَهيٌ مَجزومٌ لا خَبَر، وعُدِلَ فيه عن «لَيسَ عَلَيكَ خَوف» إلى النَّهيِ عن الفِعلِ نَفسِه.

وأصلُ خ-و-ف فَراغٌ يَمتَدُّ في صاحِبِه فيُفَرِّقُ تَماسُكَه، فالنَّهيُ واقِعٌ على ما في الباطِنِ لا على ما يُرى.

وهاتانِ الكَلِمَتانِ قيلَتا في هذه السّورةِ في مَوضِعٍ أوَّل: قَالَ خُذْهَا وَلَا تَخَفْ﴾، قيلَتا هُناكَ عِندَ أمرٍ بِالأخذ، وتُقالانِ هُنا عِندَ إلقاءِ غَيرِه، فهو لَفظٌ واحِدٌ في مَقامَينِ مُختَلِفَين، ولا يُزادُ على ذلك.

«إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ»: ثَلاثُ عُقَدٍ في جُملةٍ واحِدة

و«إنَّ» لِلتَّوكيد، ثُمَّ «أنتَ» ضَميرٌ لا يُحتاجُ إلَيهِ لِتَمامِ الجُملة، فيُقصَرُ بِه الخَبَرُ على المُخاطَب، ثُمَّ «الْأَعْلَىٰ» مُعَرَّفاً بِالأداةِ لا مُنَكَّراً.

فهي ثَلاثةُ أحكامٍ تُشَدُّ على مَعنىً واحِد، وما شُدَّ ثَلاثاً يُقالُ لِمَن دَخَلَ في جَوفِه خِلافُه، ولا يُقالُ لِمَن هو عارِفٌ بِه.

وجاءَ الخَبَرُ بِما هو كائِنٌ الآن، قَبلَ أن يُلقِيَ شَيئاً، دونَ «سَتَعلو» أو «سَتَغلِب»، فالوَصفُ سابِقٌ لِلواقِعةِ وليسَ ثَمَرةً لَها.

مَن طَلَبَ العُلُوَّ ومَن قيلَ لَه

وقد قيلَ في هذا المَشهَدِ قَبلَ أربَعِ آيات: وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾، والجِذرُ واحِدٌ هو ع-ل-و، غَيرَ أنَّ الصّيغةَ هُناكَ استَفعَل، وهو وَزنُ الطَّلَبِ والتَّكَلُّف، فهو عُلُوٌّ يُبتَغى ويُبنى لَه الكَيدُ ويُصَفُّ لَه الصَّفّ.

والصّيغةُ هُنا أفعَلُ التَّفضيلِ مُعَرَّفةً، لا طَلَبَ فيها ولا تَكَلُّف، وقد وُصِفَ بِها مَن لم يَذكُرِ العُلُوَّ في كَلامِه، ومَن كانَ قَبلَ آيةٍ واحِدةٍ يَجِدُ في جَوفِه خِيفة.

فالذي طَلَبَ العُلُوَّ وأعَدَّ لَه لم يَنَلْه، والذي قيلَ لَه إنَّه الأعلى لم يَسأَلْه.

والفَرقُ بَينَ الصّيغَتَينِ فَرقُ ما بَينَ يَدٍ تَمتَدُّ إلى شَيءٍ ووَصفٍ يَنزِلُ على صاحِبِه.


حَصيلة

لم يُنطَقْ في الآيةِ السّابِقةِ بِحَرف، ويَجيءُ القَولُ هُنا بِلا سُؤالٍ يَسبِقُه، فيُجابُ الجَوفُ عن نَفسِه. ثُمَّ يَأتي النَّهيُ «لَا تَخَفْ» دونَ الخَبَر، وهُما الكَلِمَتانِ اللَّتانِ قيلَتا في هذه السّورةِ عِندَ أمرٍ بِالأخذ، وتُقالانِ هُنا عِندَ إلقاءِ غَيرِه. ثُمَّ «إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ»، وفيها تَوكيدٌ، ثُمَّ ضَميرٌ يَقصُرُ الخَبَرَ على المُخاطَب، ثُمَّ تَعريفٌ يَجعَلُ الوَصفَ ثابِتاً لا مُقارَناً. وقيلَ ذلك قَبلَ أن يُلقِيَ شَيئاً، فهو وَصفٌ سابِقٌ لا نَتيجةٌ لاحِقة. والجِذرُ ع-ل-و هو جِذرُ الكَلِمةِ التي قيلَت قَبلَ أربَعِ آيات، غَيرَ أنَّها هُناكَ على استَفعَل، وهو عُلُوٌّ يُطلَبُ ويُعَدُّ لَه، وهي هُنا على أفعَلِ التَّفضيلِ مُعَرَّفةً تَنزِلُ على مَن لم يَذكُرْه، فطالِبُ العُلُوِّ لم يَبلُغْه، والمَوصوفُ بِه لم يَطلُبْه.