طه · الآية 4
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«تَنزِيلًا»: المادّةُ نَفسُها تَعودُ بِصيغةٍ أُخرى
عادَتِ المادّةُ الّتي في الآيةِ الثانِيةِ بَعدَ آيَتَين. هُناكَ فِعلٌ على أَفعَل: «أنزَلنا». وهُنا مَصدَرٌ على تَفعيل: «تَنزيلاً». وأَفعَلَ يُعَدّي الحَدَثَ في دَفعةٍ واحِدة، وفَعَّلَ يُفَرِّقُه على دَفَعات.
صيغَتانِ لِمادّةٍ واحِدةٍ في مَطلَعٍ واحِد. الأُولى تَنظُرُ إلى الحَدَثِ جُملةً واحِدة، والثانِيةُ تَنظُرُ إلَيه مُوَزَّعاً على أوقات. ولَم يُخَيَّرْ بَينَهُما، بَل جُمِعَتا.
وجاءَ هُنا اسماً لا فِعلاً. الفِعلُ في الآيةِ الثانِيةِ دَخَلَ عَلَيه النَّفي، والمَصدَرُ هُنا لا نافِيَ عَلَيه. رُفِعَت غايةُ الفِعلِ هُناك، ثُمَّ سُمِّيَ الفِعلُ نَفسُه هُنا اسماً قائِماً. ما نُفِيَ لَه لَم يُنفَ هو.
«مِّمَّنْ»: مَبدَأٌ يُذكَرُ ولا يُسَمّى
«مِن» لِابتِداءِ الغاية: مِن أينَ جاءَ النّازِل. و«مَن» مَوصولةٌ لا تُسَمّي. فالمَصدَرُ عُلِّقَ بِمَبدَأٍ مَعروفٍ بِفِعلِه لا بِاسمِه.
وهذا ثاني مَوضِعٍ في هذا المَطلَعِ تَجيءُ فيه «مَن» مَوصولةً بِلا تَسمِية. قيلَ قَبلَها لِّمَن يَخْشَىٰ﴾ فلَم يُسَمَّ المُنتَفِع، ويُقالُ هُنا «مِمَّنْ خَلَقَ» فلا يُسَمّى المُنزِل. طَرَفا العَمَلِيّةِ مَوصوفانِ بِأفعالِهِما.
ثُمَّ تَجيءُ الآيةُ الخامِسةُ فتَبدَأُ بِاسمٍ صَريح. آيةٌ تَصِفُ بِالفِعلِ، وآيةٌ تُسَمّي. والوَصفُ سابِقٌ والاسمُ لاحِق.
«خَلَقَ»: تَقديرٌ داخِلٌ في الجَذر
الجَذرُ خ-ل-ق نُفوذٌ في مادّةٍ يُقطَعُ على قَدرٍ مَحدودٍ ثُمَّ يُطلَق. ومنه «خَلَقَ الأديمَ» قَدَّرَه قَبلَ أن يَقطَعَه. فالتَّقديرُ داخِلٌ في الجَذرِ نَفسِه، ولَيسَ الخَلقُ إخراجاً بِلا مِقدار.
والفِعلُ ماضٍ، والمَصدَرُ الّذي قَبلَه غَيرُ مُقَيَّدٍ بِزَمَن. نُسِبَ النّازِلُ إلى مَن فَرَغَ من فِعلٍ سابِق. الّذي قَدَّرَ ما تَحتَ القَدَمِ وما فَوقَ الرَّأسِ هو الّذي يَنزِلُ عنه هذا.
«الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ»: تَرتيبٌ يُلاحَظُ ولا يُبنى عَلَيه
الغالِبُ في المُصحَفِ أن تَتَقَدَّمَ السَّماواتُ على الأرض. وهُنا تَقَدَّمَتِ الأرض. هذا يُلاحَظُ ولا يُمَرُّ عَلَيه.
واقرَأْ مَوقِعَه من سِياقِه. الجُملةُ كُلُّها عن نُزول، والنّازِلُ يَبتَدِئُ من عُلوٍّ ويَنتَهي إلى أرض. فالمُنتَهى ذُكِرَ أوَّلاً والمَبدَأُ بَعدَه، والحَرفُ «مِن» في صَدرِ الجُملةِ يَشُدُّها إلى مَبدَئِها. تَرتيبُ الذِّكرِ يُقرَأُ من تَرتيبِ الكَلامِ لا من تَرتيبِ الأكوان.
ولا يُبنى على تَقديمِ الأرضِ حُكمٌ في نَشأةِ الأجرامِ ولا في تَعاقُبِها. الآيةُ تَقولُ إنَّهُما مَخلوقانِ لِواحِد، ولا تَقولُ أيُّهُما كانَ أوَّل.
«الْعُلَى»: صِفةٌ تَلحَقُ الجَمعَ وَحدَه
الأرضُ جاءَت مُفرَدةً بِلا صِفة، والسَّماواتُ جاءَت جَمعاً مَوصوفاً. و«الْعُلَى» جَمعُ «العُليا»، فلا تَعودُ إلّا على الجَمعِ الّذي يَليها.
والجَذرُ ع-ل-و ارتِفاعٌ يَبرُزُ من أسفَلَ ويوصَلُ بِأعلاهُ فيَثبُتُ عِندَه. فَلَيسَ العُلُوُّ في الجَذرِ حالاً طارِئةً بَل صُعوداً يَستَقِرّ. ووَصفُ السَّماواتِ بِأفعَلِ التَّفضيلِ يَجعَلُ الوَصفَ مُلازِماً لَها.
وعَلَيها تَقَعُ فاصِلةُ الآية. الوَصفُ الّذي يَختِمُ الجُملةَ هو الّذي يَحمِلُ صَوتَها.
حَصيلة
تَعودُ مادّةُ الإنزالِ بَعدَ آيَتَينِ بِصيغةٍ أُخرى: كانَت فِعلاً على أَفعَلَ يُعَدّي في دَفعةٍ واحِدة، وصارَت مَصدَراً على تَفعيلٍ يُفَرِّقُ الحَدَثَ على دَفَعات. وجاءَت هُنا اسماً لا يَدخُلُ عَلَيه نافٍ، فاستَقَرَّ الحَدَثُ بَعدَ أن رُفِعَت غايَتُه. ثُمَّ «مِّمَّنْ»: حَرفُ ابتِداءٍ ومَوصولٌ لا يُسَمّي، فيُعرَفُ المَبدَأُ بِفِعلِه كَما عُرِفَ المُنتَفِعُ قَبلَه بِفِعلِه، ثُمَّ تَجيءُ الآيةُ التّاليةُ فتُسَمّي. والفِعلُ من خ-ل-ق، نُفوذٌ في مادّةٍ يُقطَعُ على قَدرٍ ثُمَّ يُطلَق، فالتَّقديرُ في الجَذرِ لا يُزادُ عَلَيه. وقُدِّمَتِ الأرضُ على السَّماواتِ خِلافَ الغالِب، فيُلاحَظُ ذلك ويُقرَأُ من سِياقِ نُزولٍ يَبتَدِئُ من عُلوٍّ ويَنتَهي إلى أرض، ولا يُبنى عَلَيه حُكمٌ في نَشأةِ الأجرام. والأرضُ مُفرَدةٌ بِلا صِفة، والسَّماواتُ جَمعٌ يَلحَقُه «الْعُلَى» وَحدَه، و ع-ل-و ارتِفاعٌ يَبرُزُ ثُمَّ يوصَلُ بِما بَلَغَه فيَثبُت. آيةٌ تَذكُرُ المُنتَهى ثُمَّ المَبدَأ، وتَصِفُ ولا تُسَمّي، وتَترُكُ الاسمَ لِما بَعدَها.