طه · الآية 64

﴿فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا ۚ وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ

«فَأَجْمِعُوا كَيْدَكُمْ»: جَمعٌ ثانٍ، وصيغةٌ غَيرُ الأُولى

قيلَ في هذا المَشهَدِ من قَبلُ: فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾، وفيه جَمَعَ واحِدٌ كَيدَه ثُمَّ أتى، وهُنا يُقالُ لِجَماعةٍ أن تُجمِعَ كَيدَها ثُمَّ تَأتِيَ. والفِعلانِ مُتَقارِبانِ في السَّمعِ مُختَلِفانِ في الصّيغة، فـ«جَمَعَ» مُجَرَّدٌ، و«أجمَعَ» على أفعَلَ.

والمُجَرَّدُ يَقَعُ على الأشياءِ فيَضُمُّ مُتَفَرِّقَها، وأفعَلَ هُنا يَقَعُ على الأمرِ فيُحكِمُه ويَقطَعُ فيه التَّرَدُّد، يُقالُ: أجمَعَ أمرَه، إذا لم يُبقِ فيه اختِلافاً. وقَد وَقَعَ التَّنازُعُ قَبلَ آيَتَين، فالمَأمورُ بِه رَفعُ ذلك التَّنازُع.

والكَيدُ من ك-ي-د، وأصلُه كَتمٌ يُمسِكُ ما فيه ثُمَّ يُدفَعُ إلى مَن يُرادُ بِه، فهو مُدَبَّرٌ يُبنى في السِّرِّ ولا يُظهَرُ إلّا حينَ يَعمَل. وقد أُضيفَ هُنا إلى الجَماعةِ كما أُضيفَ قَبلُ إلى الواحِد.

«ثُمَّ ائْتُوا صَفًّا»: مُهلةٌ ثُمَّ هَيئةٌ واحِدة

و«ثُمَّ» لِلتَّرتيبِ والمُهلة، فلا يُؤتى إلّا بَعدَ الفَراغِ من الإحكام، والحُضورُ بِذلك آخِرُ الأمرِ لا أوَّلُه.

و«صَفّاً» حالٌ، وأصلُه مَصدَرٌ من ص-ف-ف، ومَدارُه على إطباقٍ يَحصُرُ الشَّيءَ إلى جَنبِ الشَّيءِ فلا يَبقى بَينَهُما فُرجة. وجاءَ مُفرَداً مُنَكَّراً، فهو صَفٌّ واحِدٌ لا صُفوف.

وبِهذا يَتَبَيَّنُ التَّتابُع: فالأمرُ الأوَّلُ يَرفَعُ الخِلافَ من الباطِن، والأمرُ الثّاني يَرفَعُ الفُرَجَ من الظّاهِر، فتُسَوّى النُّفوسُ أوَّلاً ثُمَّ تُسَوّى الأقدام.

«وَقَدْ أَفْلَحَ الْيَوْمَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ»: جُملةٌ على قالَبِ جُملة

وهذا الطِّرازُ قيلَ في هذا المَشهَدِ قَبلَ ثَلاثِ آيات: وَقَدْ خَابَ مَنِ افْتَرَىٰ﴾، وهو واوٌ ثُمَّ «قَد» ثُمَّ ماضٍ ثُمَّ «مَن» المَوصولةُ العامّة، فالقالَبُ واحِد، والفَمُ الذي يَقولُه هُنا غَيرُ الفَمِ الذي قالَه هُناك.

وبَينَهُما فَرقٌ واحِد، وهو زِيادةُ «الْيَوْمَ» هُنا، فالحُكمُ الأوَّلُ لم يُقَيَّدْ بِوَقت، وهذا قُيِّدَ بِيَومٍ بِعَينِه، فما قيلَ أوَّلاً جارٍ في كُلِّ زَمان، وما قيلَ هُنا مَعقودٌ بِاليَومِ الحاضِر.

ومَدارُ ف-ل-ح على شَقٍّ يَنفُذُ فيَنفَرِجُ عمّا تَحتَه، ومِنه الفَلّاحُ يَشُقُّ الأرضَ لِيَخرُجَ ما فيها، والفَلَحُ لِلشَّقِّ في الشَّفَة. فالفَلاحُ في أصلِه فَتحُ ما كانَ مُنغَلِقاً حتّى يَبدُوَ ما وَراءَه، وليسَ عُلُوّاً ولا غَلَبة.

«اسْتَعْلَىٰ»: صيغةُ الطَّلَبِ في مَوضِعِ الوَصف

وعُدِلَ عن «مَن عَلا» إلى «مَنِ اسْتَعْلَىٰ»، على وَزنِ استَفعَل، وهو وَزنُ الطَّلَبِ والتَّكَلُّف، أي أن يَبتَغِيَ الشَّيءُ لِنَفسِه عُلُوّاً.

وقائِلُ الجُملةِ يَقولُها لِنَفسِه وفي جَماعَتِه، فالعُلُوُّ عِندَه أمرٌ يُطلَبُ ويُسعى إلَيهِ ويُبنى بِالكَيدِ والصَّفّ، وعلى ذلك رُتِّبَتِ الآية: أحكِموا، ثُمَّ اصطَفّوا، ثُمَّ يُفلِحُ الطّالِب.

وسيُقابَلُ هذا اللَّفظُ في هذا المَشهَدِ بِلَفظٍ من جَذرِه، والكَلامُ فيه في مَوضِعِه، والذي يُقرَأُ هُنا أنَّ العُلُوَّ طُلِب.

ومَن جَعَلَ الفَلاحَ ثَمَرةً لِلاستِعلاءِ كانَ قد وَعَدَ الصَّفَّ بِما يَنالُه واحِد.


حَصيلة

أمرٌ بِصيغةٍ غَيرِ الصّيغةِ الأُولى، فـ«جَمَعَ» في المَوضِعِ السّابِقِ ضَمُّ المُتَفَرِّق، و«أجمِعوا» هُنا إحكامُ الأمرِ حتّى لا يَبقى فيه تَرَدُّد، وقَد وَقَعَ التَّنازُعُ قَبلَ آيَتَين. والكَيدُ (ك-ي-د) مُدَبَّرٌ مَكتومٌ يُدفَعُ إلى مَن يُرادُ بِه، وقد أُضيفَ إلى الجَماعةِ بَعدَ أن أُضيفَ إلى الواحِد. ثُمَّ تَأتي «ثُمَّ» لِلمُهلة، ثُمَّ «صَفّاً» (ص-ف-ف)، وهو إطباقٌ لا فُرجةَ فيه، جاءَ مُفرَداً مُنَكَّراً، فتُسَوّى النُّفوسُ ثُمَّ تُسَوّى الأقدام. ثُمَّ حُكمٌ عامٌّ على قالَبِ الحُكمِ الذي قيلَ قَبلَ ثَلاثِ آيات، وبَينَهُما زِيادةُ «الْيَوْمَ» التي تَعقِدُه بِيَومٍ واحِد. وف-ل-ح شَقٌّ يَنفَرِجُ عمّا تَحتَه، وليسَ غَلَبةً ولا ارتِفاعاً، و«اسْتَعْلَىٰ» على استَفعَلَ، فهو عُلُوٌّ مَطلوبٌ غَيرُ ثابِت، ووُعِدَ الصَّفُّ كُلُّه بِما لا يُقالُ إلّا لِواحِد.