طه · الآية 75

﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِنًا قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ

«وَمَن يَأْتِهِ»: الاسمُ يُذكَرُ مَرَّةً ثُمَّ يُكتَفى بِالهاء

الشَّرطُ نَفسُه، والفِعلُ نَفسُه، والجَزمُ نَفسُه. وتَغَيَّرَ المَفعول: قيلَ في الأُولى «رَبَّهُ» وقيلَ هُنا «هِ».

ولَم يُعَد الاسم. مَن جاءَ حامِلاً وَصفَه ذُكِرَ لَه المُنتَهى بِلَفظِه، ومَن جاءَ على الوَجهِ الآخَرِ كَفاهُ ضَميرٌ واحِد. التَّسمِيَةُ وَقَعَت مَرَّةً، والباقي يَعرِفُ إلى مَن يَعود.

«مُؤْمِنًا»: حالٌ في مُقابَلةِ حال

اسمُ فاعِلٍ مَنصوبٌ على الحال، على وَزنِ ما قابَلَه في الآيةِ السّابِقة. صيغةٌ واحِدةٌ في مَوضِعٍ واحِدٍ من الجُملة.

والجِذرُ أ-م-ن ضَمٌّ مُحكَمٌ يَنبَعِثُ أثَرُه إلى الخارِج. فالآتي على هذا الوَصفِ يَأتي مَضمومَ الدّاخِلِ لا مُتَفَرِّقاً، ومِن ضَمِّه يَخرُجُ ما يُؤمِنُ غَيرَه.

فالمِيزانُ في المَوضِعَينِ حالٌ لا حادِثة. لا يُسأَلُ عَن الطَّريقِ بَل عَمّا وَصَلَ بِه.

«قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ»: جُملةٌ زائِدةٌ لا نَظيرَ لَها في المُقابِل

في الآيةِ قَبلَها حالٌ واحِدةٌ ثُمَّ الجَواب. وهُنا حالٌ ثُمَّ جُملةٌ ثانِيَةٌ قَبلَ الجَواب. كِفَّةٌ فيها وَصفٌ وكِفَّةٌ فيها وَصفٌ وسِجِلّ.

و«قَدْ» مَعَ الماضي تُقَرِّبُ الفِعلَ وتُحَقِّقُه. فالعَمَلُ مَفروغٌ منه قَبلَ المَجيء، لا يُستَأنَفُ عِندَ البُلوغِ ولا يُوعَدُ بِه.

و«الصَّالِحَاتِ» بِالتَّعريفِ والجَمع. لَم يُقَل «صالِحاً» ولا سُمِّيَ الرَّجُلُ صالِحاً، بَل ذُكِرَ ما عَمِلَ. الوَصفُ لِلعَمَلِ والحالُ لِلعامِل.

«فَأُولَٰئِكَ لَهُمُ»: مُفرَدٌ يَدخُلُ فيَخرُجُ جَمعاً

دَخَلَ الشَّرطُ بِمُفرَدٍ: «مَن يَأْتِهِ ... مُجْرِمًا» في الأُولى و«مَن يَأْتِهِ ... مُؤْمِنًا» هُنا. وخَرَجَ الجَوابُ في الأُولى مُفرَداً كَما دَخَل، وخَرَجَ هُنا جَمعاً.

وذلك انتِقالٌ يُقرَأُ ولا يُمَرُّ عَلَيه. الآتي على الحالِ الأُولى بَقِيَ وَحدَه إلى آخِرِ الجُملة، والآتي على الحالِ الثّانِيَةِ صارَ في جَماعةٍ يُشارُ إلَيها.

وبَقِيَتِ اللّامُ في مَوضِعِها من التَّركيب: فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ﴾ هُناكَ و«لَهُمُ الدَّرَجَاتُ» هُنا. الاختِصاصُ قَبلَ المُختَصِّ بِه في الحالَين.

«الدَّرَجَاتُ الْعُلَىٰ»: مَراتِبُ في مُقابَلةِ اسمٍ واحِد

هُناكَ اسمٌ واحِدٌ مُفرَدٌ مَعروف، وهُنا جَمعٌ مُعَرَّفٌ بِوَصف. مَوضِعٌ واحِدٌ يُسَمّى ولا يُوصَف، ومَراتِبُ تُوصَفُ ولا تُعَدّ.

والدَّرَجَةُ من د-ر-ج دَفعٌ يَمتَدُّ بِلَمَساتٍ ماسِكةٍ ثُمَّ تُجمَعُ في مُتَراكِب. فهي ما لا يُبلَغُ طَفرَةً: خُطوةٌ تُمسِكُ ثُمَّ تَدفَع.

و«الْعُلَىٰ» جَذرُها ع-ل-و، وهو جَذرٌ يَتَرَدَّدُ في هذا المَشهَدِ في ثَلاثةِ أفواه. قيلَ مَنِ اسْتَعْلَىٰ﴾ على وَزنِ استَفعَلَ وهو وَزنُ الطَّلَب، وقيلَ لِآخَرَ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَىٰ﴾ بِلا طَلَبٍ منه، وتُختَمُ هُنا الدَّرَجاتُ بِـ«الْعُلَىٰ» عَطاءً لِمَن لَم يُذكَر أنَّه سَألَها.

وهي الكَلِمةُ التي وُصِفَت بِها السَّماواتُ في أوَّلِ السّورة: الْأَرْضَ وَالسَّمَاوَاتِ الْعُلَى﴾. وَصفٌ واحِدٌ لِما فَوقَ الرُّؤوسِ ولِما يُنالُ بِالدَّرَج.


حَصيلة

الشَّرطُ والفِعلُ والجَزمُ كَما كانَت، وتَغَيَّرَ المَفعولُ وَحدَه: اسمٌ صَريحٌ هُناكَ وضَميرٌ هُنا، فالتَّسمِيَةُ وَقَعَت مَرَّةً وكَفى الباقي أن يَعودَ إلَيها. و«مُؤْمِنًا» حالٌ بِإزاءِ حالٍ على صيغةٍ واحِدةٍ ومَوضِعٍ واحِدٍ من الجُملة، والجِذرُ أ-م-ن ضَمٌّ مُحكَمٌ يَنبَعِثُ أثَرُه إلى الخارِج. ثُمَّ تُزادُ جُملةٌ لا نَظيرَ لَها في المُقابِل: «قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ»، فكِفَّةٌ فيها وَصفٌ وكِفَّةٌ فيها وَصفٌ وسِجِلّ، و«قَدْ» تُحَقِّقُ الفِعلَ قَبلَ المَجيءِ فلا يُستَأنَفُ عِندَ البُلوغ، والتَّعريفُ على العَمَلِ لا على العامِل. ثُمَّ يَدخُلُ الشَّرطُ مُفرَداً ويَخرُجُ الجَوابُ جَمعاً، وقَد خَرَجَ في الآيةِ قَبلَها مُفرَداً كَما دَخَل. وتَبقى اللّامُ في مَوضِعِها: اختِصاصٌ قَبلَ المُختَصِّ بِه في المَوضِعَين. والمُختَصُّ هُناكَ اسمٌ يُقالُ بِلا وَصف، وهُنا مَراتِبُ من د-ر-ج لا تُبلَغُ طَفرَةً، مَوصوفةٌ بِـ«الْعُلَىٰ»: الكَلِمةُ التي طَلَبَها فَمٌ فلَم يَنَلْها، وقيلَت لِفَمٍ لَم يَطلُبْها، ووُصِفَت بِها السَّماواتُ في أوَّلِ السّورة.