الأعلى · الآية 1

﴿سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾

📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل

سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى

«سَبِّح»: إجراءُ الاسمِ بلا عائق

الجِذرُ س-ب-ح في حِسِّه الأوَّلِ حَرَكةُ المُنطَلِقِ في فَضاءٍ مائِعٍ لا يَحبِسُه، فالسّابِحُ في الماءِ يَدفَعُ الماءَ بِيَدَيه فيَنفُذ، والنُّجومُ تَسبَحُ في فَلَكِها فلا يَعتَرِضُها سَدّ. ومِنه التَّسبيح، وهو تَنزيهُ الاسمِ عن أن يَعلَقَ بِه ما يَنقُص. والفِعلُ على وَزنِ فَعَّلَ بِتَضعيفٍ في العَين، وهي مُبالَغةٌ تَجعَلُ التَّنزيهَ مَوصولاً، لا لَفظةً تُقالُ ثُمَّ تَنقَطِع.

والقارِئُ إذا نَطَقَ هذا الفِعلَ وَجَدَ نَفسَه مَأموراً بِأن يُجرِيَ الاسمَ مَجرى الماءِ في حَلقِه، فلا يَحبِسُه بِتَصَوُّرٍ يَعرِفُه، ولا يُلصِقُ بِه صورةً يَستَعيدُها من ذاكِرة. والتَّسبيحُ بِهذا المَعنى هو الإقرارُ بِأنَّ الذي يُنطَقُ اسمُه أوسَعُ من كُلِّ صورةٍ يَتَلَقَّفُها اللِّسان.

«اسمَ رَبِّك»: لا الذَّاتَ، بَل العلامَةَ المَرفوعةَ إليها

ويَقَعُ الفِعلُ على «الاسم»، ولا يَقَعُ على «الرَّبّ» مُباشَرة، ولِذلك دَلالةٌ دَقيقة: فما يُحيطُ بِه النُّطقُ هو العَلامة، دونَ المُسَمّى. والاسمُ في جِذرِه س-م-و رايةٌ تُرفَعُ فَوقَ الشَّيءِ فتَدُلُّ عَلَيه دونَ أن تَنزِلَ فيه، فحينَ يُؤمَرُ القارِئُ بِتَنزيهِ الاسمِ يُؤمَرُ بِتَنزيهِ ما يُطيقُه فَمُه، وهو العَلامة. أمّا المُسَمّى فقَدِ احتَجَبَ بِعُلُوِّه قَبلَ أن يُؤمَرَ المُتَكَلِّمُ بِشَيء.

وفي «رَبِّك» كافُ الخِطابِ في الإضافةِ تَجعَلُ الرَّبَّ قَريباً من المَأمور. والجِذرُ ر-ب-ب تَربِيةٌ مُلتَصِقةٌ تَنمو بِما يَجري عَلَيها، والذي يَأمُرُ بِالتَّسبيحِ قَريبٌ من المُسَبِّح، وهو الذي يُرَبّيهِ فِعلاً في فِعلِ التَّسبيحِ نَفسِه. ومن المَواضِعِ الصَّريحةِ في الكِتابِ التي جُمِعَ فيها بَينَ «اسم» و«رَبّ»: وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾، وهو ذِكرٌ مَوصولٌ بِزَمَنَين، والتَّسبيحُ هُنا مَوصولٌ بِفَضاءٍ بِلا عائِق.

«الأَعلى»: عُلوٌّ يَنفي القِياس

والكَلِمةُ خاتِمة، وعَلَيها مَدارُ السّورة. والجِذرُ ع-ل-و عُلُوٌّ يَتَفَرَّعُ في وَجهَين: عُلُوُّ مَكان، وعُلُوُّ رُتبة. ووَزنُ «أفعَل» التَّفضيلِيُّ يَنفي أن يَكونَ شَيءٌ مِمّا يُقابَلُ بِه في رُتبَتِه، فهو «عالٍ»، وهو فَوقَ ذلك «أعلى»، أي عُلُوٌّ يُسقِطُ كُلَّ مُحاوَلةٍ لِتَقريبِه بِما تَحتَه.

وهذا العُلُوُّ هو الذي يُبَرِّرُ التَّسبيح، فلو كانَ الاسمُ يَدُلُّ على ما يُمكِنُ القَبضُ عَلَيه بِصورةٍ ذِهنِيّةٍ لَما أُمِرَ القارِئُ بِالتَّنزيه، ولكنَّه يَدُلُّ على الأعلى، وما هو أعلى لا يُحيطُ بِه لَفظ. فالتَّسبيحُ هُنا اعتِرافُ اللِّسانِ بِحَدِّه، زِيادةً على أنَّه صيغةٌ تَعَبُّدِيّة، ومَن سَبَّحَ الاسمَ عَرَفَ أنَّ مُسَمّاه خارِجَ كُلِّ قَبضة.


حَصيلة

تَفتَتِحُ السورةُ بأمرٍ بالتنزيه: سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى﴾. و«سَبِّح» على وزنِ فَعِّل من -س-ب-ح-، وهو حركةُ المنطلقِ في فضاءٍ مائعٍ لا يحبِسُه، كالسابحِ في الماءِ ينفُذ، والنجومِ تسبحُ في فَلَكِها. والتسبيحُ إجراءُ الاسمِ في القلبِ مَجرى ما يجري بلا عائق، فهو تنزيهٌ موصول. والمأمورُ بتسبيحِه «اسمُ ربِّك»، دونَ الذاتِ مباشرةً، والاسمُ من -س-م-و- علامةٌ مرفوعةٌ تدلُّ على المُسمَّى ولا تُحيطُ به، فالذي يطيقُه الفمُ العلامة، أمّا المُسمَّى فقد احتجبَ بعُلوِّه قبلَ أن يُؤمَرَ المتكلِّمُ بشيء. و«ربِّك» من -ر-ب-ب-: تربيةٌ ملتصقةٌ تنمو بما تتعهَّده، قريبٌ من المُسبِّح غيرُ بعيد. ثمّ «الأعلى» من -ع-ل-و- على وزنِ أفعلَ التفضيليّ، ينفي أن يُقاسَ بشيءٍ ممّا تحتَه، فهو عُلوُّ مكانٍ وعُلوُّ رتبةٍ جميعاً، يُسقطُ كلَّ محاولةٍ للإحاطة. والاسمُ يكشفُ والمُسمَّى أعلى. والسورةُ تُسمَّى باسمِ آخرِ كلمةٍ في آيتِها الأولى، وتُختَتَمُ بالصُّحُفِ الأولى، فهي قوسٌ من الأعلى إلى الأوّل.