الإسراء · الآية 43
📖 افتح هذه الآية في القارئ الكامل
«سُبْحَانَهُ»: مِفتاحُ السّورةِ يُعادُ في وَسَطِها
هذه الكَلِمةُ لَيست جَديدةً هُنا. بِها افتُتِحَتِ السّورةُ كُلُّها: سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَىٰ بِعَبْدِهِ﴾. أوَّلُ لَفظٍ نَطَقَت بِه ثُمَّ عادَ.
وقد تَغَيَّرَ ما أُضيفَت إلَيه. كانَت هُناكَ مُضافةً إلى مَوصولٍ يَحمِلُ خَبَراً عَجيباً، وهي هُنا مُضافةٌ إلى ضَميرٍ وَحدَه. اتَّسَعَ اللَّفظُ أوَّلاً لِيَحمِلَ حِكايةً، ثُمَّ ضاقَ حتّى لم يَبقَ فيه إلّا الهاء.
والجِذرُ س-ب-ح جَريانٌ يَنفَتِحُ ثُمَّ يَخلُصُ نَقِيّاً. فالتَّسبيحُ تَخلِيةُ المَجرى. وفي أوَّلِ السّورةِ خُلِّيَ المَجرى قَبلَ خَبَرٍ يُقال، وهُنا يُخَلّى بَعدَ قَولٍ قيل. مَرَّةً قَبلَ الكَلامِ ومَرَّةً بَعدَه، والمَجرى واحِد.
«وَتَعَالَىٰ»: عُلُوٌّ في صيغةٍ تَنفي المُشارَكة
«تَعالى» على وَزنِ تَفاعَل. والصيغةُ في أصلِها لِلمُشارَكةِ بَينَ اثنَين، فإذا جاءَت لِواحِدٍ صارَتِ الشَّرِكةُ مَنفِيّةً بِبِنائِها لا بِحَرفٍ زائِدٍ عَلَيها.
والجِذرُ ع-ل-و بُروزٌ من عُمقٍ يَتَعَلَّقُ بِما فَوقَه ثُمَّ يوصَلُ فيَدوم. فالعُلُوُّ في اللَّفظِ ارتِفاعٌ يَثبُتُ لا وَثبةٌ تَعلو ثُمَّ تَهبِط.
«عَمَّا يَقُولُونَ»: الارتِفاعُ يُقاسُ بِالقَولِ لا بِالمَكان
«عَن» حَرفُ مُجاوَزة. لم يُقَلْ عالٍ فَوقَ السَّماواتِ ولا فَوقَ الخَلق، بَل عالٍ عَمّا يَقولون.
فالمَسافةُ المَذكورةُ في الآيةِ لَيست بَينَ عالٍ ومُنخَفِض، بَل بَينَ ذاتٍ وكَلام. والقَولُ من ق-و-ل صَوتٌ يُطلَقُ مَوصولاً فيَمتَدُّ إلى سامِع؛ فالذي جُووِزَ هو ذلك المُمتَدّ، لا مَكانٌ يُقاسُ بِالذِّراع.
و«يَقولون» مُضارِعٌ يَتَجَدَّد. القَولُ مُستَمِرٌّ والمُجاوَزةُ سابِقةٌ عَلَيه. ما يَزالُ يُقالُ، وما يَزالُ لا يَبلُغ.
«عُلُوًّا كَبِيرًا»: كَلِمَتانِ قيلَتا في هذه السّورةِ عن غَيرِه
يُؤَكَّدُ الفِعلُ بِمَصدَرِه ثُمَّ يُوصَفُ المَصدَرُ بِالكِبَر. تَوكيدٌ ثُمَّ تَثقيل.
والكِبَرُ من ك-ب-ر تَداخُلٌ غائِرٌ يَتَّصِلُ ويَجري فيَنمو. فالكِبَرُ في أصلِه تَراكُمٌ يَغورُ ثُمَّ يَمتَدُّ، لا مُجَرَّدُ حَجمٍ يُرى.
وهاتانِ الكَلِمَتانِ بِعَينِهِما قيلَتا في صَدرِ هذه السّورة، ولكِن عن قَومٍ لا عنه: وَلَتَعْلُنَّ عُلُوًّا كَبِيرًا﴾. هُناكَ كانَتا في يَمينٍ مَقضِيٍّ بِه، مَقرونَتَينِ بِفَسادٍ في الأرض؛ وهُنا هُما مَقرونَتانِ بِتَسبيح. اللَّفظُ لم يَتَغَيَّرْ حَرفاً، والمَقولُ عنه تَغَيَّر.
وهذا هو الفَرقُ الذي تَقرَؤُه الآيةُ نَفسُها: عُلُوٌّ يُنسَبُ إلى مَن هو من تَحتُ فيَصيرُ تُهمةً، وعُلُوٌّ يُنسَبُ إلى مَن هو فَوقُ فيَصيرُ وَصفاً. الكَلِمةُ واحِدةٌ ومالِكُها يَختَلِف.
حَصيلة
يَرجِعُ مِفتاحُ السّورةِ إلى مَوضِعِه: «سُبحانَه»، وهي أوَّلُ ما نَطَقَت بِه الإسراء، إلّا أنَّها كانَت هُناكَ مُضافةً إلى مَوصولٍ يَحمِلُ خَبَراً، وهي هُنا مُضافةٌ إلى ضَميرٍ لَيسَ مَعَه شَيء. وس-ب-ح جَريانٌ يَنفَتِحُ فيَخلُص: خُلِّيَ المَجرى هُناكَ قَبلَ أن يُقالَ الخَبَر، ويُخَلّى هُنا بَعدَ أن قيلَ القَول. ثُمَّ «تَعالى» على تَفاعَلَ، وهي صيغةُ مُشارَكةٍ جاءَت لِواحِد، فنَفَتِ الشَّريكَ بِبِنائِها. و«عَن» تُجاوِز، فالمَسافةُ مَضروبةٌ بَينَ ذاتٍ وقَولٍ لا بَينَ عُلُوٍّ وسُفل. ثُمَّ «عُلُوّاً كَبيراً» تَوكيدٌ بِالمَصدَرِ وتَثقيلٌ بِالوَصف، وهُما اللَّفظانِ اللَّذانِ سيقا في صَدرِ السّورةِ عن قَومٍ أُقسِمَ عَلَيهِم بِفَسادٍ وعُلُوّ. حَرفانِ لم يَتَبَدَّلا وقائِلٌ واحِدٌ يَقولُهُما، والفَرقُ كُلُّه في مَن نُسِبا إلَيه.